د مروة إبراهيم
بينما تثقل الأزمات الداخلية استقرار إثيوبيا اجتماعيًا واقتصاديًا وأمنيًا، يشهد المحيط الإقليمي في القرن الإفريقي وحوض النيل إعادة تشكيل متسارعة لموازين القوى.
تهدف هذه الورقة إلى تسليط الضوء على ما تواجهه أديس أبابا من ضغوط الأزمات الداخلية ورهانات التوازنات الإقليمية، وفقاً لما تناولته صحفها القومية التي تداولت تحذيرات إنسانية حادة تخص مئات الآلاف من النازحين، وتداعيات قضائية لأزمة سندات اليوروبوند، بالإضافة إلى تصاعد العنف في أوروميا وتجدد التوتر في تيجراي؛ حيث تتقاطع هذه الملفات مع مشهد خارجي مضطرب، يتصدره قلق إثيوبي إزاء صمود النفوذ المصري في جنوب السودان، والتوترات الأمنية في مقديشو، والتحركات الدبلوماسية الدولية المتسارعة تجاه صوماليلاند.
على المستوى الداخلي
اجتماعيًا
تحذيرات إنسانية من كوارث تواجه مئات الآلاف من نازحي إثيوبيا
تناولت صحيفة أديس ستاندر (بتاريخ 5 يونيو) تحذير وكالات الإغاثة الإنسانية في إثيوبيا من مخاطر شديدة، تهدد مئات الآلاف من النازحين والفئات المستضعفة، ولا سيما مع اقتراب موسم الأمطار الرئيس والتغيرات المناخية لعام 2026م، كذلك مع النزاع المستمر والاضطرابات الأمنية ونقص التمويل في المناطق المتضررة. ووفقاً لتقرير تحديد الأولويات الصادر في أواخر مايو، فقد أكدت الصحيفة على أنه تم رصد تدهور ملحوظ في ظروف المأوى ومخاوف أمنية في كثير من الأقاليم، نحو: تيجراي وعفر وأمهرة وأوروميا والصومال وبني شنقول-غومز. علاوة على توضيح التقرير وجود مخاوف حرجة ذات أولوية قصوى تتعلق بالسكن والأراضي والممتلكات في الأقاليم المشار إليها؛ حيث يواجه النازحون مخاطر الإخلاء وقيود الوصول للأراضي، وتحديات إعادة التوطين واضطرابات أمنية وظروف بيئية قاسية مع استمرارية غياب الحلول الدائمة.
اقتصاديًا
أزمة “اليوروبوند” الإثيوبية تتجه نحو القضاء
دخلت مساعي إثيوبيا لإعادة هيكلة ديونها الخارجية مرحلة من الجمود القانوني، وفقاً لما أوردته صحيفة أديس ستاندرد في الثاني من يونيو الجاري من إعلان اللجنة المخصصة لحاملي السندات الدولية (اليوروبوند) عن عزم بعض أعضائها مقاضاة الحكومة الإثيوبية أمام المحاكم الإنجليزية لحماية حقوقهم، وذلك في أعقاب انهيار جولة المفاوضات الأخيرة وانتهائها دون اتفاق. وجاء هذا التصعيد بعد رفض الدائنين مقترحاً حكومياً معدلاً استبعد آلية استرداد القيمة (المرتبطة بالأداء الاقتصادي المستقبلي للبلاد)، وهو التعديل الذي أُجبرت عليه وزارة المالية الإثيوبية بعد أن رفضت لجنة الدائنين الرسميين اتفاقاً مبدئياً سابقاً جرى التوصل إليه في يناير 2026م، بدعوى انتهاكه لمبدأ المعاملة المتكافئة بموجب الإطار المشترك لمجموعة العشرين. ورغم تأكيد الدائنين الدوليين على انفتاحهم للتفاوض، فإن هذا المأزق يعزز حالة عدم اليقين الاقتصادي المحيطة بأديس أبابا، ويضع خططها لإعادة هيكلة ديونها المتعثرة أمام اختبار قانوني ومالي عسير.
أمنيًا
أ-تصاعد العنف في أوروميا
كشفت صحيفة أديس ستاندرد في مطلع يونيو الجاري عن استهداف عرقي وديني يشرّد مئات العائلات في مقاطعة شرق أرسي بولاية أوروميا الإثيوبية؛ حيث أفاد سكان وشهود عيان عن وقوع هجمات مسلحة عنيفة بدأت في 30 مايو واستمرت لعدة أيام، مما أسفر عن مقتل أكثر من أربعين مدنياً، وتشريد واسع النطاق للسكان الذين فرّ بعضهم إلى الغابات المجاورة. وقد شملت هذه الهجمات نهب وحرق عشرات المنازل والممتلكات ومخازن الحبوب والمواشي، بالإضافة إلى استهداف وتدمير مؤسسات دينية أرثوذكسية وتاريخية بشكل كامل، ونزوح مئات العائلات المسيحية التي استُهدفت تحديداً، وسط غياب التدخل الأمني السريع من السلطات المحلية وقوات الدفاع الوطني رغم مناشدات السكان المسبقة.
ب-فاجعة في قاعة المحكمة في شوا
في ظل موجة الاضطرابات والانفلات الأمني المتصاعد التي تشهدها أقاليم كثيرة في إثيوبيا تناولت صحيفة أديس ستاندرد (بتاريخ 4 يونيو) إحدى الحوادث المأساوية التي وقعت في منطقة شوا بإقليم أوروميا، وراح ضحيتها كادر قضائي رفيع؛ حيث تناولت الصحيفة إعلان مكتب المدعي العام مقتل رئيس محكمة مقاطعة ولميرا وريدا، القاضي ويركي فاكانسا، إثر فتح المتهم النار داخل القاعة مستخدماً سلاحاً مهرباً إلى داخل قاعة المحكمة أثناء جلسة النطق بالحكم، وتسلط هذه الحادثة المأساوية الضوء على غياب إجراءات التفتيش عند مداخل المرافق القضائية، كما تُبرز مدى خطورة تصاعد الدوافع الانتقامية في قضايا الأحوال الشخصية، وهو ما تحذر منه الصحيفة مؤكدة حول ضرورة تشديد الحراسة وتأمين القضاة والمتقاضين عبر إجراءات رقابية صارمة للحد من احتمالات العنف والحوادث.
جـ-جبهة تيجراي تحذر من نشوب صراع كارثي وتحدث تغييرات هيكلية مثيرة للجدل
تداولت الصحف المعارضة في بداية شهر يونيو الجاري تحذير جبهة تحرير شعب تيجراي من مواجهة إثيوبيا حرب وشيكة وكارثية، ودعت المجتمع الدولي إلى التدخل العاجل، متهمةً الحكومة الفيدرالية بتقويض اتفاق وقف الأعمال العدائية بشكل منهجي والدفع نحو صراع متجدد. وكما نشرت أديس ستاندرد ما ورد في مذكرة تفاهم وُجهت إلى البعثات الدبلوماسية والشركاء الدوليين بتاريخ (3 يونيو)، ذكرت الجبهة: أن الحكومة الفيدرالية عازمة على تقويض وإلغاء اتفاقية السلام، وهي الاتفاقية التي أنهت الحرب المدمرة التي استمرت عامين بين القوات الفيدرالية وقوات تيجراي. وأشارت الصحيفة أنه بالرغم من أن جبهة تيجراي موقعة على الاتفاقية، إلا أنه قد تم إلغاء تسجيلها كحزب لاحقاً من قبل المجلس الوطني الإثيوبي للانتخابات.
ومن ناحية أخرى أشارت الصحف إلى حدوث تغييرات هيكلية مثيرة للجدل في إقليم تيجراي، إثر مصادقة مجلس إقليم تيجراي المُعاد تشكيله (حكومة ما قبل حرب 2020م) بالإجماع على حزمة تعيينات قيادية عليا اقترحها رئيس جبهة تيجراي ደብረጽዮን ገብረሚካኤል “دبرصيون جبرميكائيل”، شملت تسمية አማኑኤል አሰፋ
“أمانويل أسفا” نائبًا للرئيس ورئيسًا لمكتب العدل، إلى جانب تعيينات شملت القضاء والمراجعة المالية والمناطق الإدارية والإعلام الرسمي للإقليم. وتأتي هذه الخطوة مباشرة بعد اجتماع طارئ للجنة المركزية للجبهة أفضى إلى اتخاذ إجراءات تأديبية وعزل مسؤولين بارزين بذريعة القصور الأيديولوجي لتعزيز الديمقراطية الداخلية، والتركيز على قضايا مصيرية مثل إعادة النازحين واستعادة الأراضي. وأشارت الصحيفة بالرغم من هذه الإجراءات؛ غير أن هناك انقسامات سياسية حادة وتشكيك واسع من المعارضة والمنتقدين في الشرعية القانونية لإعادة إحياء هذا المجلس، معتبرين الخطوة مخالفةً لبنود اتفاقية بريتوريا لوقف إطلاق النار.
على المستوى الخارجي
استمرارية حضور مصر رغم التقارب الإثيوبي مع جوبا
نشرت صحيفة “أديس ستاندرد” خبرًا بتاريخ (2 يونيو) حول مطالبة جنوب السودان لمصر بإغلاق منشأتها العسكرية الاستراتيجية في بلدة “باجاك” الحدودية، -التي تقع في ولاية أعالي النيل بجنوب السودان، في منطقة حدودية ثلاثية مع إثيوبيا والسودان، مما يمنحها موقعًا استراتيجيًا مهمًا على الأمن عبر الحدود وممرات البنية التحتية لحوض النيل. وكانت تضم -وفقًا لما نشرته الصحيفة – نحو 260 فرداً لأغراض التدريب والمراقبة الفنية لتدفقات النهر وسد النهضة. وبحسب ما يراه محللو الصحيفة، فإن قرار جوبا يعكس أربعة تحولات جوهرية في حساباتها الاستراتيجية، أولها: انضمامها الرسمي لاتفاقية إطار التعاون لحوض النيل (عنتيبي) التي ترفضها دولتا المصب (مصر والسودان)، وثانيها: تزايد اعتمادها على إثيوبيا كمسار بديل لتصدير نفطها في ظل الصراع السوداني، وثالثها: رغبتها في تحييد أراضيها عن صراعات الوكالة الإقليمية، ورابعها: رغبة الرئيس سلفا كير في توجيه رسائل سياسية داخلية. وتؤكد الصحيفة على أنه بالرغم من أن هذا الإغلاق يكرس التقارب الاقتصادي والأمني المتنامي بين جوبا وأديس أبابا (والذي توجّه مشروع طريق سريع مشترك بتمويل نفطي) فإن مراقبين يرون أن النفوذ المصري لم يتراجع، بل أعاد تنظيم ركائزه عبر تعزيز التحالفات مع إريتريا والصومال والجيش السوداني، مما يفتح المنطقة على مرحلة جديدة من صراع النفوذ وتنافس ممرات البنية التحتية.
إدانات دولية وتحذيرات عقب اندلاع اشتباكات مسلحة في مقديشو
أعربت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيجاد) عن قلقها البالغ إزاء اندلاع أعمال العنف والاشتباكات المسلحة في العاصمة الصومالية مقديشو، وفق ما نقلته الصحف والمواقع الإثيوبية نحو “إينا” في الرابع من يونيو الجاري عن الأمين التنفيذي للهيئة، ወርቅነህ ገበየሁ وركنه جبيهو، وجاءت هذه المواجهات الفصائلية والاضطرابات عقب عمليات أمنية استهدفت منازل شخصيات معارضة تتهم الرئيس حسن شيخ محمود باستهداف خصومه، وذلك قبيل انطلاق تظاهرات مناهضة للحكومة. وفي الوقت الذي أدانت فيه هيئة “إيجاد” العنف وحثت كافة الأطراف على ضبط النفس وتقديم مصلحة الشعب الصومالي لحماية مكاسب بناء الدولة واستقرارها الهش، حيث توالت الإدانات الدولية المماثلة من الأمم المتحدة والسفارة الأمريكية، وسط تحذيرات شديدة من تفاقم الأزمة الدستورية وتعميق الانقسامات السياسية والقبلية في البلاد.
مساعٍ أمريكية لتعزيز الانخراط الأمني والاقتصادي مع صوماليلاند
سعيًا من واشنطن للانخراط في أمن ممر البحر الأحمر في القرن الأفريقي، كشف تقرير نشرته ذا ريبورتر (بتاريخ 2 يونيو) لوزارة الخارجية الأمريكية، قُدِّم إلى الكونجرس عن رغبة الولايات المتحدة في إدراج إقليم صوماليلاند الانفصالي ضمن خططها للأمن الإقليمي ومكافحة التطرف، لاسيما الروابط بين الحوثيين وحركة الشباب، مع تأكيد الصحيفة على اعترافها في الوقت نفسه بسيادة الصومال الفيدرالي وسلامة أراضيه، وأشار التقرير إلى الموقع الجغرافي الاستراتيجي للإقليم وقدرة موانئ ومطار “بربرة” على التحول إلى مركز تجاري حيوي يخدم الإقليم وإثيوبيا الحبيسة، مما يفتح آفاقاً للاستثمار الأمريكي في البنية التحتية والمعادن، بالرغم من الخلافات السياسية حول وضع صوماليلاند ورفضها التعاون مع مقديشو، غير أنهما لا يزالان يفرضان تحديات بارزة أمام الاستثمار والتجارة الدولية.
تعيين سفيرة جديدة لإثيوبيا لدى الاتحاد الإفريقي
في ظل تصاعد الأزمات الإنسانية وتزايد التحديات المرتبطة بملف الهجرة والمهاجرين في إثيوبيا، وما صاحبها من حوادث وتوترات، نشرت صحيفة ذا ريبورتر (5 يونيو) تعيين إثيوبيا للسفيرة “لملم فسيها مينالي” ممثلة دائمة جديدة لها لدى الاتحاد الإفريقي، حيث قدمت أوراق اعتمادها لرئيس مفوضية الاتحاد “محمود علي يوسف” في مقر المفوضية بأديس أبابا. وقد أكدت السفيرة التزام بلادها بمواصلة العمل عن كثب مع المفوضية ودعم الأجندة القارية، مشددة على دور إثيوبيا المحوري والمؤثر لمقر الاتحاد الأفريقي.
أحدث المنشورات
- إفريقيا في مرآة الأمن القومي المصري (قراءة أسبوعية)
- أديس أبابا بين ضغوط الأزمات الداخلية ورهانات التوازنات الإقليمية
- اتجاهات الصحافة الإثيوبية في أواخر مايو 2026م
- معضلة الردع في عالم اللاتماثل: حين تُخفق الهيبة أمام الهاشتاج
- عرض تحليلي لكتاب “الانتخابات الإسرائيلية 2026م: خرائط القوة والتحالفات ومستقبل القيادة السياسية”
- أديس أبابا وأسمرة: تخوف إثيوبي من العلاقات الأمريكية الإريترية
- السيناريوهات المحتملة لنتائج الانتخابات الإسرائيلية المقبلة وانعكاساتها على المشهد السياسي الإسرائيلي
- ديناميات الجماعات المسلحة في أفريقيا (1) حركة الشباب والحوثيون في ضوء رهانات النفوذ الإقليمي والدور المصري لحماية أمن القرن الافريقي
الجمعة, 19 يونيو
