مقدمة:
تُعدّ النزاعات المسلحة من أكثر السياقات تعقيدًا وخطورة على العمل الصحفي، حيث يجد الصحفيون أنفسهم في قلب الأحداث، يسعون لنقل الحقيقة وسط بيئة تتسم بالعنف وعدم اليقين. وفي هذا الإطار، برزت حرب غزة بوصفها نموذجًا كاشفًا للتحديات التي تواجه حرية الإعلام، لا سيما في ظل تزايد استهداف الصحفيين أثناء أداء مهامهم المهنية، الأمر الذي أثار جدلًا واسعًا على المستويين الإقليمي والدولي.
ولا تقتصر أهمية هذه القضية على البعد الإنساني المتعلق بحماية الصحفيين، بل تمتد لتشمل أبعادًا إعلامية وسياسية تتعلق بطبيعة الخطاب المستخدم في تفسير هذه الوقائع. فقد انقسمت التغطية الإعلامية، خصوصًا في الصحافة الإسرائيلية، بين اتجاهات تسعى إلى تأطير استهداف الصحفيين في إطار اعتبارات أمنية وعملياتية، وبين أخرى تتبنى مقاربة نقدية تُبرز ما تنطوي عليه هذه الممارسات من تهديد لحرية الصحافة، وتقويض لحق الجمهور في المعرفة.
ومن هنا، تأتي هذه الدراسة لتسليط الضوء على كيفية تناول الخطاب الإعلامي الإسرائيلي لقضية استهداف الصحفيين في حرب غزة، من خلال تحليل الأطر السردية المختلفة التي تُستخدم في تفسير هذه الظاهرة. وتهدف الدراسة إلى الكشف عن التباينات الأيديولوجية، والمهنية داخل هذا الخطاب، ومدى انعكاسها على بناء الرواية الإعلامية، بما يسهم في فهم أعمق للعلاقة بين الإعلام والنزاع المسلح، وحدود المسؤولية المهنية في سياقات الصراع.
أولا : الإطار النظري والمفاهيمي:
يشكّل الإطار المفاهيمي والنظري أساسًا لفهم طبيعة الظاهرة محل الدراسة، إذ يحدد المفاهيم الرئيسية ويوفّر الأدوات التحليلية اللازمة لتفكيك الخطاب الإعلامي المرتبط بها. وفي هذا السياق، يتناول هذا المحور ثلاثة مفاهيم أساسية: استهداف الصحفيين في النزاعات المسلحة، وحرية الصحافة في سياق الحروب، وتحليل الخطاب الإعلامي بوصفه مدخلًا منهجيًا للدراسة.
أ– مفهوم استهداف الصحفيين في النزاعات المسلحة
يُقصد باستهداف الصحفيين في النزاعات المسلحة تعرّض العاملين في المجال الإعلامي لأعمال عنف مباشرة أو غير مباشرة أثناء أدائهم لمهامهم المهنية، بما يشمل القتل أو الإصابة أو الاحتجاز أو التهديد. ويُعدّ الصحفيون، وفقًا للقانون الدولي الإنساني، من المدنيين الذين يجب حمايتهم طالما لا يشاركون بشكل مباشر في الأعمال العدائية. إلا أن واقع النزاعات الحديثة يكشف عن تزايد الانتهاكات بحقهم، سواء نتيجة الاستهداف المتعمد أو بسبب طبيعة العمليات العسكرية. وتثير هذه الظاهرة إشكاليات تتعلق بحدود المسؤولية، وصعوبة التمييز بين الخطأ العملياتي والاستهداف المقصود.
ب-حرية الصحافة في سياق الحروب
تمثل حرية الصحافة أحد الركائز الأساسية للمجتمعات الديمقراطية، حيث تضمن تدفق المعلومات وتمكّن الجمهور من متابعة مجريات الأحداث بشكل موضوعي. غير أن هذه الحرية تواجه تحديات كبيرة في أوقات الحروب، إذ تميل الأطراف المتنازعة إلى فرض قيود على التغطية الإعلامية بدعوى الضرورات الأمنية. وقد تتجلى هذه القيود في تقييد حركة الصحفيين، أو الرقابة على المحتوى، أو حتى استهدافهم بشكل مباشر. ويؤدي ذلك إلى خلق توتر مستمر بين مقتضيات الأمن وحق الجمهور في المعرفة، ما ينعكس على طبيعة التغطية الإعلامية ومصداقيتها.
ج- مدخل إلى تحليل الخطاب الإعلامي
يُعد تحليل الخطاب الإعلامي أحد المناهج المهمة لفهم كيفية بناء المعاني داخل النصوص الإعلامية؛ حيث يركّز على دراسة اللغة المستخدمة، والأطر السردية، والافتراضات الضمنية التي تشكّل الرسالة الإعلامية. ولا يقتصر هذا المدخل على تحليل ما يُقال، بل يمتد إلى كيفية قوله، والسياق الذي يُنتج فيه الخطاب. ومن خلال هذا المنهج، يمكن الكشف عن التوجهات الأيديولوجية الكامنة في التغطية الإعلامية، وكيفية توظيف اللغة في تبرير مواقف معينة أو نقدها، كما يتيح تحليل الخطاب فهم الفروق بين وسائل الإعلام المختلفة في تناول القضايا ذاتها، وهو ما يجعله أداة مناسبة لدراسة الخطاب الإعلامي الإسرائيلي تجاه استهداف الصحفيين في سياق حرب غزة.
ثانيًا: السياق العام للنزاع في قطاع غزة خلال الحرب
يُعدّ النزاع في غزة أحد أكثر النزاعات تعقيدًا واستمرارًا في المنطقة، إذ يتسم بتداخل الأبعاد السياسية والعسكرية، والإنسانية، ما يجعله بيئة شديدة الحساسية لتغطية الإعلام. وقد شهدت حرب غزة تصعيدًا واسعًا في العمليات العسكرية وما تبعه من تداعيات إنسانية وإعلامية كبيرة، الأمر الذي وضع الصحفيين في قلب الحدث بوصفهم شهودًا مباشرين على تطورات الميدان.
وفي هذا السياق، تعمل وسائل الإعلام في بيئة تتسم بمخاطر عالية، تشمل القصف المستمر، وانقطاع الاتصالات، وصعوبة الوصول إلى مناطق الأحداث، إضافة إلى القيود المفروضة على الحركة والتنقل. ويجعل ذلك من ممارسة العمل الصحفي مهمة محفوفة بالتحديات، حيث يصبح الحصول على المعلومات ونقلها للجمهور عملية معقدة تتأثر بالظروف الأمنية والسياسية المحيطة.
كما أن بيئة العمل الصحفي في مناطق الصراع مثل غزة تتسم بغياب الحماية الكافية أحيانًا، رغم أن الصحفيين يُصنفون وفق القانون الدولي الإنساني كمدنيين يجب عدم استهدافهم. ومع ذلك، تشير تقارير من منظمات دولية إلى تزايد المخاطر التي يتعرض لها الصحفيون أثناء التغطية الميدانية، سواء نتيجة العمليات العسكرية أو بسبب القيود المفروضة على التغطية الإعلامية، مما يؤثر بشكل مباشر على تدفق المعلومات وحرية الإعلام.
وفي ظل هذه الظروف، يصبح الإعلام ليس فقط ناقلًا للأحداث، بل طرفًا يتأثر بالبنية العامة للنزاع، حيث تتداخل اعتبارات الأمن مع حق الجمهور في المعرفة، ما ينعكس على طبيعة الخطاب الإعلامي وتعدد رواياته حول الحدث الواحد.
ثالثًا: تحليل الخطاب الإعلامي الإسرائيلي
نتناول قضية استهداف الصحفيين خلال حرب غزة من خلال تحليل ما ورد في عدد من الصحف والمواقع الإخبارية والقنوات الإعلامية الإسرائيلية، وذلك على النحو الآتي:
أولا:صحيفة “يسرائيل هيوم”:
نشرت صحيفة “يسرائيل هيوم” في الثامن من مارس 2025 مقالة تناولت قضية مقتل الصحفيين في غزة من منظور أمني وإعلامي، حيث طرحت تصورًا يفيد بأن بعض العاملين في المجال الإعلامي قد لا يقتصر دورهم على التغطية الصحفية، بل قد يكونون منخرطين في أطر دعائية مرتبطة بحركة “حماس”، مع الإشارة إلى تلقي بعضهم تدريبات أو دعمًا من جهات خارجية مثل قطر وإيران. ووفق هذا الطرح، يتم تصوير جزء من المشهد الإعلامي في غزة باعتباره امتدادًا لبنية دعائية منخرطة في الصراع القائم، وليس ككيان إعلامي مستقل تمامًا.
عكس هذا الخطاب توجهًا يميل إلى دمج الأدوار المهنية للصحفيين مع أدوار سياسية أو عسكرية محتملة، بما يساهم في إعادة تعريف الحدود بين الصحفي المدني والعامل الإعلامي المرتبط بفصائل مسلحة، وهو ما ينعكس على كيفية تفسير استهداف الصحفيين داخل سياق النزاع. كما يعبر هذا الخطاب، وفق التحليل، عن رؤية يمينية تعتبر بعض المؤسسات الإعلامية الفلسطينية جزءًا من بنية الصراع، وليس طرفًا محايدًا محميًا وفق قواعد القانون الدولي الإنساني.
ثانيًا: صحيفة “ماكور ريشون”:
قدّمت صحيفة “ماكور ريشون” تغطية لعملية عسكرية نفذها الجيش الإسرائيلي في ديسمبر 2024، حيث استهدفت طائرة تابعة لسلاح الجو مركبة في منطقة النصيرات. ورغم ما ورد في تقارير فلسطينية بشأن كون السيارة تعود لصحفيين، اعتمدت الصحيفة في روايتها على بيانات صادرة عن الجيش الإسرائيلي وجهاز الشاباك، مشيرةً إلى أن القتلى هم خمسة عناصر من حركة الجهاد الإسلامي، كانوا يعملون – وفق وصفها – في مجالات “الدعاية القتالية” و”الأمن”، وأن استخدام صفة صحفي جاء، بحسب هذا الطرح، كغطاء لإخفاء أنشطة عسكرية.
كما أشار التقرير إلى مواد ووثائق وصور نُشرت من جانب الجهات العسكرية الإسرائيلية لتدعيم هذا التوصيف، مؤكّدًا أن العملية جاءت بعد جمع معلومات استخباراتية مسبقة، ومع اتخاذ تدابير لتقليل احتمالات وقوع إصابات بين المدنيين.
وقد عكس هذا الخطاب تبنّيًا واضحًا للرواية العسكرية الإسرائيلية، إذ ينفي صفة الصحافة عن الضحايا ويعيد تعريفهم ضمن إطار “نشاط عسكري غير مباشر”، وهو ما ينسجم مع توجهات إعلامية يمينية تميل إلى إضفاء الشرعية على العمليات العسكرية من خلال تصنيف الأهداف بوصفها مرتبطة بتنظيمات مسلحة، بدل التعامل معها كحالات مدنية أو إعلامية محمية وفق القانون الدولي الإنساني.
ثالثًا: موقع “والا ” الإخباري :
تناول موقع “والا ” الإخباري في العاشر من أكتوبر 2023 خبر مقتل تسعة أشخاص، بينهم صحفيون، في هجوم شنّه الجيش الإسرائيلي على بيت لاهيا شمال قطاع غزة بصياغة مقتضبة وحيادية، حيث أوضحت أن المعلومات مصدرها وسائل إعلام في غزة دون أن تُبدي موقفًا نقديًا أو تضيف تعليقًا تحليليًا. وبذلك، فإن التغطية اكتفت بعرض الخبر كما ورد، مبرزةً وجود صحفيين بين الضحايا، لكنها امتنعت عن إصدار إدانة أو تحميل إسرائيل مسؤولية مباشرة، وهو ما يعكس طابعًا خبريًا باردًا أقرب إلى النقل المجرد للمعلومة منه إلى الموقف أو الرأي .
كما نشر الموقع تقريرًا عاجلًا في الواحد والعشرين من نوفمبر 2023 نقل فيه بيان لجنة حماية الصحفيين ، الذي أكد مقتل ما لا يقل عن خمسين صحفيًا ، وعاملًا إعلاميًا منذ اندلاع الحرب بين إسرائيل ، وحماس في السابع من أكتوبر، مُعتبرًا أن ذلك يمثل الشهر الأكثر دموية للصحفيين منذ بدء رصد المنظمة للضحايا عام 1992. وأبرز الموقع تصريح “شريف منصور” ، منسق اللجنة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، الذي شدّد على أن الصحفيين مدنيون، ويؤدون عملًا جوهريًا خلال الأزمات، وبالتالي يجب عدم استهدافهم من قِبل أي طرف. وبذلك اكتفى المقال بنقل الأرقام ، والتصريحات الدولية دون إظهار موقف نقدي مباشر تجاه الجيش الإسرائيلي، لكنه عكس صورة توثيقية لحجم الخسائر في صفوف الصحفيين، مع التركيز على الرواية الحقوقية التي ترى فيهم ضحايا مدنيين لا يُفترض أن يكونوا جزءًا من النزاع .
رابعًا: القناة الرابعة عشر :
عرضت القناة الرابعة عشر مقالًا بتاريخ الحادي عشر من أغسطس 2025 تناول خبر مقتل الصحفي “أنس الشريف ” -و الذي قدّمته بصفة مزدوجة كـ”صحفي في قناة الجزيرة” ، و”إرهابي ناشط في الجناح العسكري لحماس” – مسلّطة الضوء على البُعد الأمني، والاستخباراتي للحادثة. وبيّنت أن الإعلام العالمي، مثل: ” بي بي سي” و”نيويورك تايمز” ركّز على سقوط أربعة صحفيين ، بينما شددت صحيفة “بيلد” الألمانية على أن الحقيقة تتمثل في مقتل إرهابي متنكر بزي صحفي . بينما قدّمت القناة الرابعة عشر موقفًا متبنّيًا للرواية الإسرائيلية بالكامل، من خلال الاستناد إلى ما وصفته بـ”وثائق استخباراتية قاطعة” تشمل كشوف رواتب، وقوائم تدريب، وأدلة ارتباط تنظيمي بالشبكة الإعلامية. وبذلك، فإن موقفها يقوم على نزع صفة “الصحافة” عن الضحية، وربطه بشكل مباشر بحماس، بهدف التشكيك في السردية الدولية التي تطرح مقتل صحفيين كقضية إنسانية، وتأكيد رواية أن بعض الإعلاميين ليسوا سوى إرهابيين مقنّعين[1].
كما نشرت القناة تقريرًا في الخامس والعشرين من أغسطس 2025 تناول خبر القصف الإسرائيلي على “خان يونس” من زاوية عسكرية وأمنية، مؤكدة أن الجيش استهدف أهدافًا لحركة حماس ، وأسفر ذلك عن مقتل أكثر من عشرة “إرهابيين”، من بينهم مصور يعمل في قناة الجزيرة. وقدّمت القصة في إطار تبريري يربط الصحفيين بالعمل مع حماس والدعاية لصالحها، مستشهدةً بتصريحات المتحدث باسم الجيش الذي وصف بعض الإعلاميين بأنهم “إرهابيون متنكرون بصفة صحفيين”. ورغم الإشارة إلى تقارير عربية تحدثت عن سقوط ضحايا مدنيين بينهم طواقم إسعاف ، وصحفيون في مستشفى “ناصر”، فإن القناة أعطت الأولوية للرواية العسكرية الإسرائيلية التي تركز على تحييد عناصر معادية ، وتوثيق صلات بين بعض الصحفيين وحماس. وبالتالي يعكس هذا موقفًا واضحًا مؤيدًا للعملية الإسرائيلية، قائمًا على نزع الشرعية عن الإعلاميين الضحايا عبر ربطهم بالإرهاب، وتقليل الاهتمام بالبعد الإنساني أو المدني للحادثة .
خامسًا: صحيفة “هآرتس”
تناولت صحيفة “هآرتس” في مقال نُشر بتاريخ 29 يناير 2025 قضية مقتل الصحفيين في غزة من زاوية نقدية لأداء الجيش الإسرائيلي، مشيرةً إلى أن عدد الصحفيين الذين قُتلوا خلال نحو خمسة عشر شهرًا من الحرب بلغ قرابة 160 صحفيًا، وهو رقم وصفته بأنه غير مسبوق في العقود الأخيرة. كما استندت إلى ما ورد في تقارير صادرة عن لجنة حماية الصحفيين (CPJ)، والتي أشارت إلى أن بعض حالات إطلاق النار على الصحفيين بدت، وفق تحقيقاتها، متعمدة في عدد من الوقائع.
وإلى جانب الطرح الإحصائي والتحقيقي، ركزت “هآرتس” على البعد الإنساني من خلال عرض قصص فردية لصحفيين قُتلوا أثناء تغطية الأحداث، من بينهم الصحفي “سعيد أبو نبهان” من وكالة الأناضول، الذي قُتل أثناء عمله في مخيم النصيرات، مع الإشارة إلى تفاصيل جنازته وأثر فقدانه على أسرته وزملائه، بما يعزز صورة الضحايا بوصفهم مدنيين يمارسون عملًا مهنيًا في ميدان التغطية الإعلامية.
وفي هذا السياق، طرحت الصحيفة تساؤلات حول الروايات الرسمية التي تصف بعض الصحفيين بأنهم مرتبطون بجهات مسلحة، ما يعكس، وفق تحليل الخطاب، مقاربة إعلامية تميل إلى التشكيك في التبريرات العسكرية وتوسيع دائرة النقد تجاه سياسات الاستهداف. ويأتي هذا الطرح في سياق اختلاف واضح مع بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية ذات التوجهات اليمينية مثل “يسرائيل هيوم ” التي غالبًا ما تميل إلى تبني الرواية الرسمية للمؤسسة العسكرية أو تبرير عمليات الاستهداف في سياق الصراع.
اتضح من خلال تحليل التغطيات الإعلامية الإسرائيلية لحرب غزة أن قضية “استهداف الصحفيين” شكّلت إحدى أبرز نقاط الجدل محليًا ودوليًا. فقد أظهرت صحيفة “هآرتس ” تركيزًا على البعد الإنساني، والانتهاكات ضد حرية الصحافة، في حين مالت بعض الصحف والقنوات اليمينية مثل: ” يسرائيل هيوم”،و “ماكور ريشون”، و”القناة 14 ” إلى تبرير استهداف الصحفيين عبر ربطهم بحماس أو بالجماعات المسلحة. أما الإعلام الوسطي مثل موقع “والا” فقد تبنّى خطابًا إخباريًا أقرب إلى الحياد، مع نقل الأرقام والبيانات دون مواقف واضحة. وتعكس هذه التباينات كيف أن الإعلام الإسرائيلي ليس مجرد ناقل للخبر، بل فاعل في تشكيل الرأي العام، وتبرير السياسات أو الطعن فيها.
خاتمة:
تناولت هذه الدراسة تحليل الخطاب الإعلامي الإسرائيلي في تغطية قضية استهداف الصحفيين في حرب غزة، من خلال التركيز على الأطر السردية والمفاهيمية التي اعتمدتها وسائل الإعلام المختلفة، ومدى انعكاس ذلك على بناء المعنى وتشكيل الإدراك العام للحدث. وقد أظهر التحليل وجود تباين واضح بين التوجهات الإعلامية داخل الصحافة الإسرائيلية، حيث برز خطاب يميل إلى السردية الأمنية التي تفسر الاستهداف في إطار الضرورات العسكرية والعمليات الميدانية، مقابل خطاب نقدي يسلط الضوء على الأبعاد الحقوقية والإنسانية ويثير تساؤلات حول مدى الالتزام بالقانون الدولي الإنساني.
كما كشفت المقارنة بين عدة صحف ومواقع إخبارية وقنوات إسرائيلية عن اختلافات جوهرية في التأطير الإعلامي، سواء على مستوى اختيار المفردات أو زوايا المعالجة، وهو ما يعكس بدوره تعددية أيديولوجية داخل المشهد الإعلامي الإسرائيلي. فبينما تميل بعض التغطيات إلى تعزيز الرواية الأمنية، تتجه أخرى إلى مساءلة هذه الرواية وإبراز تداعياتها على حرية الصحافة وسلامة الصحفيين.
وتؤكد نتائج الدراسة أن الخطاب الإعلامي لا يُعد مجرد نقل محايد للواقع، بل هو عملية بناء للمعنى تتأثر بالسياقات السياسية والأيديولوجية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على إدراك الجمهور لطبيعة النزاع. كما يبرز الدور المركزي للغة الإعلامية في تشكيل الأطر التفسيرية للأحداث، بما يجعل من تحليل الخطاب أداة ضرورية لفهم تعقيدات التغطية الإعلامية في سياقات الحرب.
وفي ضوء ذلك، توصي الدراسة بضرورة تعزيز الدراسات المقارنة في مجال الإعلام والنزاعات المسلحة، وتوسيع نطاق البحث ليشمل مصادر إعلامية متعددة، بما يسهم في تقديم فهم أكثر شمولًا وموضوعية لدور الإعلام في تشكيل الوعي العام خلال الصراعات.
المصادر:
–אלמקייס, ישי, צה”ל: ההרוגים בתקיפה בעזה – מחבלים ולא עיתונאים, כ״ה בכסלו ה׳תשפ״ה, 26/12/2024 ,14:32.
– ברנדשטטר, דין, “ארבעה עיתונאים נהרגו”, בעולם מתעלמים מזהות המחבל שחוסל בעזה, עכשיו 14, יז אב ה’תשפה, 11.08.25.
– קריפס, שירה, דיווח, צלם אל ג’זירה וכ-10 מחבלים חוסלו בתקיפות בח’אן יונס, עכשיו 14, א אלול ה’תשפה, 25.08.25.
– לירן, אהרוני, עזה: דיווח על 9 הרוגים, בהם עיתונאים, בתקיפת צה”ל בצפון הרצועה, מבזקי חדשות – יום שבת, 15.03.2025 , ט״ו אדר התשפ”ה , 14:06.
– לפחות 50 עיתונאים נהרגו מתחילת המלחמה בין ישראל לחמאס, מערכת וואלה, חדשות מבזקי חדשות – יום שלישי, 21.11.2023 , ח כסלו התשפ”ד, 05:36 .
– חסון, ניר, פלאח סעב, שיריו, עשרות עיתונאים נהרגו בעזה, כמה מהם הרג צה”ל בכוונה וטען: הם פעילי טרור ,הארץ, 29 בינואר 2025
-פלאח סעב, שיריו, זה סרט מלחמה, ובעיני העולם העיתונאים בעזה הם הגיבורים, 19 בדצמבר 2023.
-ניו יורק טיימס,החשש לעיתונאי עזה גובר – ונחלשת היכולת להבין מה באמת קורה שם, הארץ, 28 באוגוסט 2025.
– Kleiman, Shachar, How Hamas became a trending social media influencer, Israel Today, Published on 08-03-2025 ,16:25.
– Fairclough, N. (1995). Media Discourse. London: Edward Arnold.
– Van Dijk, T. A. (1998). Ideology: A Multidisciplinary Approach. London: Sage.
– Entman, R. (1993). “Framing: Toward Clarification of a Fractured Paradigm.” Journal of Communication.
– UNESCO. World Trends in Freedom of Expression and Media Development.
-Human Rights Watch. World Reports.
