رضوى أحمد عبد الحميد
(الباحثة بوحدة الدراسات التركية)
لم تعد كرة القدم في الاقتصاد العالمي المعاصر مجرد نشاط رياضي تحكمه نتائج المباريات وأداء اللاعبين، بل أصبحت صناعة متكاملة تتداخل فيها الاستثمارات، والتسويق، والسياحة، والإعلام، والرعاية التجارية، وتوليد فرص العمل، وتعزيز الصورة الدولية للدول والمدن. وفي هذا السياق، تبرز صفقة انتقال النجم المصري محمد صلاح إلى نادي طرابزون سبور التركي باعتبارها نموذجًا لافتًا يمكن من خلاله قراءة الأبعاد الاقتصادية التي قد تتجاوز حدود المستطيل الأخضر.
فاستقطاب لاعب يمتلك قاعدة جماهيرية عالمية واسعة لا يمثل بالنسبة للنادي مجرد إضافة فنية، وإنما يمكن أن يتحول إلى أداة لزيادة الإيرادات وتعزيز العلامة التجارية واستقطاب الرعاة والجماهير، فضلًا عن تنشيط قطاعات اقتصادية مرتبطة بالرياضة، وعلى رأسها السياحة والفنادق والمطاعم والنقل وتجارة المنتجات الرياضية. كما تفتح الصفقة المجال أمام تركيا لتعزيز حضورها في سوق كرة القدم العالمية، وزيادة جاذبية الدوري التركي أمام الجماهير والمستثمرين ووسائل الإعلام الدولية.
وتكتسب هذه الصفقة أهمية اقتصادية إضافية في ظل الظروف التي يمر بها الاقتصاد التركي، ولا سيما ارتفاع معدلات التضخم وتقلبات سعر صرف الليرة التركية، وهو ما يجعل السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بحجم الإنفاق على اللاعب، وإنما بمدى قدرة هذا الإنفاق على خلق عوائد اقتصادية مباشرة وغير مباشرة، وتحويل النجم العالمي من بند تكلفة في موازنة النادي إلى أصل استثماري قادر على توليد قيمة مضافة.
محمد صلاح.. من صفقة كروية إلى فرصة اقتصادية كبيرة لتركيا
جاء انتقال النجم المصري محمد صلاح إلى نادي طرابزون سبور التركي في السادس من أغسطس 2026 ليحمل أبعادًا اقتصادية وتسويقية تتجاوز الجانب الفني، في ظل شعبيته العالمية وقاعدته الجماهيرية الواسعة. وتعاقد النادي مع صلاح لمدة موسمين في صفقة انتقال حر، براتب سنوي قدره 10 ملايين يورو، إضافة إلى 7 ملايين يورو سنويًا كرسوم توقيع، بإجمالي مضمون يبلغ نحو 17 مليون يورو للموسم، أي حوالي 954 مليونًا و346 ألف ليرة تركية، فضلًا عن حوافز الأداء وحصوله على 20% من عوائد المنتجات المباعة باسمه، وفق الإفصاح الرسمي للنادي. وقد ظهر الأثر الاقتصادي للصفقة سريعًا؛ إذ أعلن رئيس النادي أرطغرول دوغان حتى 8 أغسطس 2026 تحقيق نحو 550 مليون ليرة من مبيعات الاشتراكات الموسمية، بما يغطي أكثر من نصف التكلفة السنوية للصفقة، دون احتساب مبيعات قمصان صلاح التي لم تكن مدرجة حينها. وبحلول 15 أغسطس، ارتفع عدد الاشتراكات المباعة إلى نحو 24,940 اشتراكًا، مع استمرار البيع، بما يعكس اتساع الأثر الجماهيري والتجاري للصفقة قبل مشاركة اللاعب رسميًا.
ولا يقتصر هذا الأثر على إيرادات النادي، بل يمتد إلى مبيعات التذاكر والمنتجات الرياضية والرعاية والإعلانات، فضلًا عن تنشيط السياحة الرياضية والإقامة والنقل والمطاعم وغيرها من الأنشطة الاقتصادية في طرابزون. كما تمنح شهرة صلاح العالمية النادي فرصة لتوسيع قاعدة جماهيره خارج تركيا وجذب رعاة وشركاء جدد وتعزيز قيمة علامته التجارية.
وعليه، فإن القيمة الاقتصادية للصفقة لا تُقاس بتكلفتها المالية المباشرة فقط، وإنما بقدرتها على تحويل شهرة اللاعب إلى إيرادات وقيمة تسويقية وتنشيط اقتصادي محلي، فضلًا عن تعزيز جاذبية الدوري التركي للأسواق والجماهير الدولية، بما يجعلها نموذجًا لدور الاستثمار الرياضي في توليد قيمة تتجاوز حدود الملعب.
التسويق داخل تركيا.. صلاح كأداة لإعادة تقديم طرابزون سبور
لا تقتصر القيمة الاقتصادية لانتقال محمد صلاح إلى طرابزون سبور على إيرادات التذاكر والمنتجات، بل تمتد إلى إعادة تعزيز الصورة التسويقية للنادي داخل السوق التركية ورفع قدرته على جذب جماهير وشرائح جديدة. كما يحول وجود لاعب عالمي مبارياته إلى منتج إعلامي أكثر جاذبية، بما يعزز القيمة التجارية لمحتوى النادي وقدرته على تسويق علامته التجارية.
ويتيح ذلك للنادي تسويق تجربة متكاملة ترتبط باسم صلاح، تشمل التذاكر والاشتراكات والقمصان والمنتجات المرخصة والمحتوى الرقمي والفعاليات الجماهيرية. ومن ثم، يمكن أن يعمل صلاح بوصفه «محركًا تسويقيًا» يحول شهرته العالمية إلى زيادة في الطلب على منتجات وخدمات طرابزون سبور، وتعزيز القيمة التجارية للنادي.
المشاهدة العالمية.. عندما تتحول شهرة صلاح إلى قيمة للدوري التركي
تمثل القاعدة الجماهيرية العالمية لمحمد صلاح أحد أهم الأصول الاقتصادية غير المباشرة للصفقة؛ فانتقاله إلى الدوري التركي قد يدفع جماهيره في مصر والعالم العربي وأوروبا إلى متابعة مباريات طرابزون سبور والدوري التركي بصورة أكبر. ويؤدي ارتفاع المشاهدة الدولية إلى زيادة جاذبية الدوري أمام المعلنين والرعاة والمنصات الإعلامية، بما يعزز فرص تسويق حقوق البث والمحتوى والوصول إلى أسواق جديدة.
وبالتالي، فإن المكسب المحتمل لتركيا لا يقتصر على مبيعات قمصان صلاح والمنتجات المرتبطة به، وإنما يمتد إلى رفع القيمة الاقتصادية لجمهور الدوري التركي نفسه وزيادة جاذبيته التجارية والإعلامية على المستوى الدولي.
ارتفاع الاهتمام الإعلامي بطرابزون.. قيمة اقتصادية تتجاوز تكلفة الإعلان
من الآثار الاستراتيجية المحتملة للصفقة ارتفاع الحضور الإعلامي الدولي لمدينة طرابزون وناديها، نتيجة ارتباط اسم المدينة بلاعب عالمي يمتلك قاعدة جماهيرية واسعة وحضورًا إعلاميًا كبيرًا منذ تجربته مع ليفربول. ويوفر هذا الاهتمام تسويقًا غير مباشر للنادي والمدينة، من خلال التغطيات الإعلامية والمنصات الرقمية المرتبطة بأخبار صلاح ومبارياته، دون الحاجة إلى تحمل تكلفة حملات إعلانية تقليدية مماثلة. ويمكن قياس القيمة الاقتصادية لهذا الظهور مستقبلًا من خلال حجم التغطية الدولية، والمشاهدات والتفاعلات الرقمية، وعدد الدول المتابعة لمحتوى النادي، والقيمة الإعلانية التقديرية للتغطية الإعلامية. وبذلك لا تقتصر الصفقة على تسويق طرابزون سبور، بل يمكن أن تسهم في تسويق مدينة طرابزون والدوري التركي على المستوى الدولي.
مبيعات القمصان والمنتجات.. اقتصاد الاسم التجاري لمحمد صلاح
تُعد المنتجات المرتبطة باسم محمد صلاح من أسرع القنوات لتحويل شعبيته إلى إيرادات، خاصة أن الإفصاح الرسمي عن العقد يمنحه 20% من عوائد المنتجات المباعة باسمه عبر شركة التسويق التابعة للنادي، إلى جانب عمولة وكالة قدرها 5% وفق إفصاح طرابزون سبور عبر منصة KAP ويؤدي ارتفاع الطلب على قمصان ومنتجات صلاح إلى تنشيط سلسلة من الأنشطة الاقتصادية تشمل التصنيع والتوزيع والتجارة الإلكترونية ونقاط البيع، مع إمكانية استهداف الأسواق العربية والدولية بفضل قاعدته الجماهيرية خارج تركيا. وإذا نجح النادي في تطوير متجر إلكتروني وشبكة توزيع دولية، فقد تتحول الصفقة من مصدر لإيرادات موسمية إلى قناة لتصدير العلامة الرياضية التركية إلى الأسواق الخارجية.
الاشتراكات والتذاكر.. تحويل الجماهير إلى تدفقات نقدية
تعكس الاستجابة الجماهيرية الأولية القوة الاقتصادية للصفقة؛ إذ أعلن رئيس طرابزون سبور وصول الاشتراكات الموسمية إلى نحو 550 مليون ليرة تركية خلال الأيام الثلاثة الأولى من الإعلان عن التعاقد، دون احتساب مبيعات قمصان صلاح. ويُقصد بهذا الرقم إيرادات الاشتراكات خلال الفترة المحددة، وليس صافي الأرباح أو إجمالي عوائد الصفقة.
وتكشف هذه الاستجابة قدرة صلاح على تنشيط الطلب الاستهلاكي حتى قبل ظهور أثره الرياضي؛ فاستمرار الإقبال الجماهيري خلال الموسم قد يزيد إيرادات التذاكر، والمأكولات والمشروبات، ومواقف السيارات، والمنتجات الرسمية والفعاليات المصاحبة، بما يحول الجمهور من مجرد متابع إلى مصدر متعدد للقيمة الاقتصادية.
الرعاية والإعلانات.. ارتفاع السعر التجاري للعلامة الرياضية
كلما زادت مشاهدة النادي وارتفع انتشاره الإعلامي، زادت القيمة المحتملة للمساحات الإعلانية والرعاية التي يبيعها. وهنا يمكن لوجود صلاح أن يرفع جاذبية طرابزون سبور أمام الشركات التي تريد الوصول إلى الجمهور التركي، وكذلك الجمهور المصري والعربي. فالشركة الراعية لا تشتري مجرد مساحة على قميص الفريق، وإنما تشتري الوصول إلى جمهور. وإذا أصبح قميص طرابزون سبور ومحتوى النادي مرتبطين باسم لاعب عالمي مثل صلاح، فقد يصبح الوصول إلى هذا الجمهور أكثر قيمة تجاريًا.
يمكن أن تظهر هذه القيمة في ارتفاع قيمة عقود الرعاية، وزيادة عدد الرعاة، ودخول علامات تجارية جديدة إلى شراكات مع النادي، وزيادة أسعار المساحات الإعلانية الرقمية، وهو ما يجعل تأثير الصفقة ممتدًا إلى سوق الإعلان الرياضي التركي.
ارتفاع القيمة التسويقية للنادي.. من نادي إقليمي إلى علامة دولية
قد يكون هذا من أهم الآثار بعيدة المدى للصفقة. فالقيمة التسويقية للنادي لا تُقاس فقط بإيراداته الحالية، وإنما أيضًا بحجم جمهوره، وانتشاره الإعلامي، وقوة علامته التجارية، وقدرته على جذب الرعاة، وقيمة محتواه، وانتشاره خارج السوق المحلية. وقد ساهم انتقال صلاح بالفعل في وضع طرابزون سبور في دائرة اهتمام إعلامي دولي أوسع؛ إذ وصفت وكالة الأناضول الصفقة بأنها واحدة من أكثر الانتقالات شهرة في تاريخ الدوري التركي الممتاز.
وإذا استطاع النادي الحفاظ على هذا الاهتمام طوال موسمي العقد، فقد ترتفع قيمته التسويقية بصورة أكبر من الزيادة التي يمكن قياسها في مبيعات التذاكر وحدها. وهنا يصبح صلاح عاملًا في إعادة تموضع العلامة التجارية لطرابزون سبور من نادٍ تركي ذي قاعدة جماهيرية قوية إلى علامة رياضية ذات حضور دولي أكبر.
طرابزون كوجهة.. من الاهتمام الرياضي إلى السياحة
يمثل ارتفاع الاهتمام الدولي بطرابزون فرصة اقتصادية أخرى، إذ يمكن أن يتحول الاهتمام بالنادي وصلاح إلى زيادة في الطلب على زيارة المدينة، خصوصًا من الجماهير التي ترغب في حضور المباريات أو زيارة الملعب أو شراء المنتجات المرتبطة بالنادي. وتشمل التأثيرات المحتملة قطاعات الفنادق والمطاعم والنقل والتجزئة والخدمات السياحية، بحيث تنتقل القيمة الاقتصادية من ميزانية النادي إلى الاقتصاد المحلي للمدينة.
والأهم هنا أن صلاح قد يعمل كـ «سفير غير رسمي» للمدينة؛ فكل ظهور إعلامي عالمي مرتبط بتجربته في طرابزون يضع المدينة أمام جمهور دولي جديد. لكن قياس هذا الأثر يحتاج مستقبلًا إلى مقارنة بيانات السياحة والإشغال الفندقي والإنفاق السياحي قبل الصفقة وبعدها، حتى لا ننسب أي زيادة سياحية إلى صلاح وحده.
أوروبا.. صلاح كرافعة محتملة للإيرادات الخارجية
تزداد القيمة الاقتصادية لصفقة محمد صلاح مع مشاركة طرابزون سبور في المنافسات الأوروبية، بعدما أنهى موسم 2025–2026 في المركز الثالث وتأهل إلى مسار الدوري الأوروبي، بما يتيح للنادي فرصًا إضافية للإيرادات وزيادة الظهور الإعلامي أمام جماهير وأسواق خارج تركيا. كما قد يعزز وجود صلاح جاذبية المباريات جماهيريًا وإعلاميًا، بما يرفع القيمة التجارية للمحتوى والمنافسات الأوروبية. وفى المقابل، تمثل المشاركة الأوروبية اختبارًا مهمًا للعائد على الاستثمار في اللاعب؛ فالتقدم في البطولة قد يوسع قاعدة الإيرادات والحضور الدولي، بينما يؤدي الخروج المبكر إلى الحد من العوائد المتوقعة. ومن ثم، يصبح الأداء الأوروبي أحد العوامل المؤثرة في تحديد العائد الاقتصادي النهائي للصفقة.

بورصة إسطنبول والقيمة السوقية بين التوقع والواقع
يُعد طرابزون سبور من الأندية المدرجة في بورصة إسطنبول، ولذلك يمكن أن تكون الصفقة ذات أهمية بالنسبة إلى المستثمرين إذا أدت مستقبلًا إلى تحسن مستدام في الإيرادات أو النتائج المالية للنادي. وقد أُعلن عن تفاصيل عقد صلاح رسميًا من خلال منصة الإفصاح العام التركية KAP التابعة للسوق، بما يعكس الطبيعة المالية والاستثمارية للصفقة. لكن، لا ينبغي القول إن «سهم طرابزون سبور ارتفع بسبب صلاح» دون دراسة حركة السهم ومقارنتها بمؤشر السوق والأحداث الأخرى المحيطة به. ولكن يمكن القول إن الصفقة يمكن أن ترفع القيمة السوقية المحتملة للنادي إذا تحولت الزيادة في الاهتمام والجمهور إلى نمو مستدام في الإيرادات والأرباح. وهنا تصبح السوق المالية قناة إضافية يمكن من خلالها قياس نجاح الصفقة على المدى المتوسط.
الرياضة كجسر جديد ومنصة للتعاون الاقتصادي بين مصر وتركيا
يمثل وجود محمد صلاح في الدوري التركي بُعدًا مصريًا–تركيًا يمكن أن يتجاوز الإطار الرياضي إلى دعم التفاعل الشعبي والثقافي بين البلدين، باعتبار الرياضة إحدى أدوات القوة الناعمة القادرة على تعزيز التقارب بين الشعوب، مع التأكيد أن انتقال لاعب كرة قدم لا يمكن أن يؤثر بمفرده في مسار العلاقات المصرية–التركية التي تحكمها ملفات سياسية واقتصادية ودبلوماسية أوسع. وتكتسب هذه الأهمية في ظل تنامي العلاقات الاقتصادية بين البلدين؛ إذ أشار بيان الرئاسة المصرية عقب الاجتماع الثاني لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى في 4 فبراير 2026 إلى اقتراب حجم التجارة الثنائية من 9 مليارات دولار، مع استهداف رفعها إلى 15 مليار دولار بحلول 2028، بينما بلغ حجم التجارة نحو 8.8 مليار دولار في 2024 وفق وزارة الخارجية التركية. كما أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن مصر أكبر شريك تجاري لتركيا في أفريقيا، مع استهداف زيادة التجارة إلى 15 مليار دولار. فأن يتحول وجود صلاح في تركيا إلى منصة للقوة الناعمة والتعاون الاقتصادي غير المباشر، من خلال تعزيز التفاعل بين الجمهورين المصري والتركي وفتح فرص في السياحة والإعلام والإعلانات والمنتجات الرياضية والتجارة الإلكترونية، بما يتيح للشركات في البلدين الوصول إلى أسواق أوسع، ويجعل كرة القدم جسرًا للتعاون الاقتصادي والثقافي
صلاح يبدأ في ترجمة الصفقة على أرض الملعب
امتدت المؤشرات المبكرة لانتقال محمد صلاح إلى طرابزون سبور من الأثر الجماهيري والتسويقي إلى الأداء الرياضي؛ ففي 23 أغسطس 2026 سجل هدفين قاد بهما الفريق للفوز على إسطنبول باشاك شهير 2–1، محققًا أول انتصار للفريق في الدوري هذا الموسم، في أول مشاركة له أساسيًا، مع إلغاء هدفين آخرين.وتكتسب هذه البداية أهمية اقتصادية؛ إذ يمكن لاستمرار الأداء القوي أن يحافظ على الزخم الجماهيري والإعلامي، ويدعم إيرادات التذاكر والاشتراكات والمنتجات والرعاية والإعلانات والمحتوى الرقمي، إلى جانب تعزيز القيمة التسويقية للنادي وحضوره الدولي، خاصة في المنافسات الأوروبية. ومن ثم، تمثل أهداف صلاح الأولى مؤشرًا على تحول الصفقة من حدث إعلامي وتسويقي إلى أصل رياضي واقتصادي قابل لتوليد قيمة مستمرة؛ فشهرة اللاعب هي رأس المال الأول، بينما يحول الأداء الرياضي هذه الشهرة إلى عوائد أكثر استدامة.
الرؤية الاقتصادية المستقبلية.. من صفقة لاعب إلى منظومة إيرادات
تفتح تجربة محمد صلاح مع طرابزون سبور المجال أمام تطور مفهوم الاستثمار الرياضي التركي، بحيث لا تقتصر المنافسة على استقطاب اللاعبين، بل تمتد إلى جذب الجماهير والأسواق والمعلنين والاستثمارات. ويمكن للأندية التركية توظيف النجوم العالميين كمنصات للتسويق الدولي، خاصة عبر التجارة الإلكترونية الرياضية، بما يتيح الوصول إلى المستهلكين خارج تركيا وزيادة صادرات المنتجات والخدمات الرياضية.
كما يمكن أن تسهم هذه التجربة في تنشيط السياحة الرياضية من خلال الربط بين المباريات والبرامج السياحية والثقافية، بما يزيد مدة إقامة الزائر وحجم إنفاقه، إلى جانب خلق فرص أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة في مجالات التسويق الرقمي، والإنتاج الإعلامي، والملابس والمستلزمات الرياضية، وتنظيم الفعاليات، والنقل والخدمات السياحية.
ويمتد الأثر كذلك إلى الاقتصاد الثقافي، إذ يمكن لكرة القدم أن تكون وسيلة لتعزيز التفاعل بين الجمهورين المصري والتركي وخلق فرص في الإعلام والإعلان والفعاليات والتجارة الرقمية، بما يدعم القوة الناعمة دون تحميل الرياضة دورًا يتجاوز طبيعتها في العلاقات الدولية.
وعلى المدى الطويل، قد تعزز هذه التجارب جاذبية صناعة الرياضة التركية للاستثمار، بشرط الانتقال من الإنفاق المرتفع على النجوم إلى نموذج مستدام ينوع الإيرادات من البث والرعاية والتسويق والتجارة والسياحة. وتكمن القيمة الاقتصادية للصفقة في تحويل الشهرة إلى جمهور، والجمهور إلى سوق، والسوق إلى إيرادات، والإيرادات إلى نشاط اقتصادي أوسع، بما يبرز قدرة الرياضة الحديثة على خلق قيمة تمتد من النادي والمدينة إلى الأسواق الخارجية والاقتصاد الثقافي والتجاري.
وبذلك، قد يمثل محمد صلاح بالنسبة لطرابزون سبور والدوري التركي أكثر من مجرد لاعب؛ إذ يمكن أن يصبح أداة لإعادة تسويق النادي والمدينة والدوري عالميًا، وجذب الرعاية والاستثمار، وتنشيط السياحة، ودعم صادرات المنتجات الرياضية، وتعزيز الحضور الدولي للعلامة التجارية التركية، مع بقاء نجاح التجربة مرهونًا بقدرتها على تحقيق عوائد مستدامة قابلة للقياس خلال السنوات المقبلة.