محمد طاهر رحيمي  

ترجمة د. خلود عبد الحفيظ (باحثة بوحدة الدراسات الإيرانية)

mostbet

يعد تصدير المواد الخام إستراتيجية اقتصادية تقوم على بيع الموارد الطبيعية في صورتها غير المعالجة أو شبه المعالجة، كما تمثل أيضا تحديًا قديمًا ومحوريًا للاقتصاد الإيراني. فعلى الرغم من امتلاك البلاد موارد هائلة من النفط والغاز والمعادن، فإن الاعتماد المفرط على تصدير المواد الخام، وعدم التطوير المناسب للصناعات التحويلية لتحويل هذه المواد إلى منتجات ذات قيمة أعلى، ظل على الدوام عائقا جديًا أمام تحقيق النمو المستدام، وخلق فرص العمل، وتحسين الرفاه العام. ولا يؤدي هذا النهج إلى هدر الإيرادات الوطنية ونهب الثروات بين الأجيال فحسب، بل ينشئ أيضًا دورة اقتصادية اجتماعية مفرغة، تتجاوز آثارها انخفاض معدلات النمو لتستهدف أسس الرضا والاستقرار الاجتماعي.

وتعد صناعة البتروكيماويات الإيرانية- على الرغم من طاقتها الإنتاجية الضخمة- من أكثر المتضررين من هذا الفخ، إذ يتم تصدير المنتجات الأساسية بأسعار منخفضة، ثم تعود بعد معالجتها في دول المقصد إلى السوق المحلية بأسعار مضاعفة، في عملية تشبه فعليا بيع الموارد الوطنية بثمن بخس. وعلى هذا فإن هذه المقالة تهدف إلى تحليل أبعاد هذا التحدي البنيوي وتداعياته، وطرح سبل الخروج منه.

الأبعاد الاقتصادية لتصدير المواد الخام: فقدان القيمة المضافة الوطنية

يعاني الاقتصاد الإيراني، في ظل هيمنة تصدير المواد الخام وشبه الخام، من اختلال بنيوي واضح. فتصدير المواد الخام يعني التخلي الواعي عن المراحل اللاحقة من سلسلة القيمة، وهي المراحل القادرة على تحقيق أرباح أعلى، ونقل التكنولوجيا، وخلق فرص عمل أكثر. وهذه المواد الأولية التي تستخرج بتكلفة عالية من حيث الطاقة والاستثمار، تتحول بعد تصديرها في الدول المتقدمة إلى سلع ذات قيمة مضافة مرتفعة، لا تمثل المادة الخام فيها سوى نسبة ضئيلة من السعر النهائي، في حين يعود الجزء الأكبر إلى المعرفة التقنية والهندسية وبناء العلامات التجارية.

ومن النتائج المباشرة لهذا النهج عودة المنتجات المصنعة نفسها إلى السوق المحلية بأسعار أعلى بكثير. فعلى سبيل المثال، قد يصدر طن من منتج بتروكيماوي خام بسعر X، لكنه يعود بعد تحويله إلى سلع نهائية مثل الأدوية، أو الألياف الصناعية، أو القطع الصناعية بسعر يصل إلى  10Xأو 20X ولا يقتصر أثر هذه الظاهرة على استنزاف العملات الأجنبية وخروجها من البلاد، بل يكشف عن إخفاق في تحويل الميزة النسبية المتمثلة في وفرة الموارد إلى ميزة مطلقة في التكنولوجيا والإنتاج. فضلًا عن ذلك، تضيع فرص كبيرة لجذب الاستثمارات الأجنبية، ونقل التكنولوجيا، وتشكيل صناعات متخصصة.

الحلقة المفرغة للتداعيات الاجتماعية والاقتصادية (The Vicious Cycle)

يتجاوز تصدير المواد الخام كونه قضية اقتصادية بحتة، إذ يؤدي إلى سلسلة مدمرة تؤثر على بنية المجتمع كله، تبدأ ببيع الموارد الطبيعية وتؤثر مباشرة في الرفاه والاستقرار الاجتماعي.

1- نهب الموارد وبيعها بثمن بخس: تصدير المواد الخام بالجملة يعني استهلاكا متسارعًا لموارد غير متجددة هي حق للأجيال القادمة، وكأنه مزاد على المخزون الوطني بأقل من قيمته الحقيقية والنهائية.

2- انخفاض الدخل والركود الاقتصادي: عدم الاستفادة من القيمة المضافة يؤدي إلى تراجع الدخل القومي وبالتالي انخفاض معدل النمو الاقتصادي. ويظل الاقتصاد معتمداً على تقلبات الأسعار العالمية للمواد الخام بدل الاعتماد على إنتاج متنوع ومستدام.

3- تراجع فرص العمل: ركود قطاع الإنتاج وعدم تشكل صناعات تحويلية لاحقة- المعروفة بقدرتها العالية على ريادة الأعمال وخلق الوظائف- يقلّص مباشرة فرص العمل الجديدة. فهذه الصناعات، لطبيعتها التخصصية والمتنوعة، قادرة على استيعاب مهارات متعددة، لكن تصدير الخام يعطل هذه القدرات.

4- انخفاض دخل الأسرة ورفاهها: قلة فرص العمل وتدني الأجور في القطاعات منخفضة القيمة تنعكس سلبًا على دخل الفرد وقدرة الأسر على تحسين مستويات المعيشة والصحة والتعليم.

5- تعميق حلقة الركود: في النهاية، وخاصة عبر تراجع الطلب المحلي وإضعاف رأس المال البشري، تعزز هذه الدورة المفرغة ركودًا طويل الأمد وتخلفًا تنمويًا يجعل الخروج منه أكثر صعوبة.

البتروكيماويات: الضحية الأبرز لفخ تصدير الخام

تعد صناعة البتروكيماويات القلب النابض لتحويل الموارد الهيدروكربونية إلى ثروة، لكنها تمثل نموذجًا صارخًا للوقوع في فخ تصدير الخام. وتشير بيانات عام 1403هـ. ش. (مارس 2024- مارس 2025) إلى ما يلي:

الطاقة الإنتاجية: 96.6 مليون طن
الإنتاج الفعلي: 75.2 مليون طن
الصادرات: 29.2 مليون طن
قيمة الصادرات: 13 مليار دولار
المبيعات المحلية: 13.1 مليون طن
القيمة التقريبية بالدولار للمبيعات المحلية: 11 مليار دولار

وتظهر هذه الأرقام أن نحو 70% من الصادرات مواد خام أو شبه خام. وعلى الرغم من أن جزءًا كبيرًا من القيمة استهلك محليًا، فإن التركيز على تصدير المنتجات الأساسية يظل نقطة ضعف رئيسة.

ويبرز الإيثيلين مثالًا واضحًا على ذلك، فهو أكثر المنتجات الأساسية استهلاكًا في العالم، وإيران من كبار منتجيه. ويعتبر الإيثيلين مادة أولية لإنتاج البولي إيثيلين، وأكسيد الإيثيلين، وآلاف المنتجات المتخصصة ذات القيمة المضافة العالية. ومع ذلك، بدلًا من تطوير متوازن للصناعات التحويلية، تكتفي إيران بتصديره خامًا، فتفقد فرصة تحويله إلى ثروة مستدامة.

مقارنة تطبيقية: ألمانيا ودروس التنمية

تكشف المقارنة مع دول تفتقر إلى موارد الطاقة عن عمق المشكلة. فألمانيا- باعتبارها إحدى القوى الرائدة عالميًا في الصناعات الكيميائية- لا تمتلك النفط والغاز وتعتمد على الاستيراد. ففي عام 2023م استوردت أكثر من 562 ألف طن من الإيثيلين، وهو ما تصدره إيران بكثرة. ومع ذلك، وبفضل المعرفة التقنية والهندسية المتقدمة، حولت ألمانيا هذه المواد إلى منتجات كيميائية بعشرات مليارات الدولارات. وتؤكد هذه المقارنة على أن الثروة الحقيقية لا تكمن في باطن الأرض، بل في القيمة والعقول المبدعة. فبينما تمتلك إيران ميزة نسبية في وفرة الموارد، استطاعت ألمانيا اكتساب ميزة مطلقة في المعرفة والتصنيع فحولت المواد الخام المستوردة إلى ثروة وطنية.

سبل الخروج وآفاق المستقبل

يتطلب الخروج من فخ تصدير المواد الخام إرادة وطنية وإصلاحات بنيوية شاملة. ومن الحلول الأساسية لتحقيق تنمية مستدامة عبر صناعة البتروكيماويات:

1- استكمال سلسلة القيمة: التركيز على إنتاج منتجات وسطية ونهائية، مثل أنواع خاصة من البولي إيثيلين، وأكسيد الإيثيلين، ومشتقات أخرى عالية القيمة.

2- دعم الصناعات التحويلية وخلق طلب داخلي: توفير حوافز تمويلية وتشجيعية مستدامة للمصنعين الصغار والمتوسطين في الصناعات التحويلية لرفع الاستهلاك المحلي من المنتجات الأساسية.

3- جذب الاستثمار المحلي والأجنبي: تهيئة بيئة آمنة وجاذبة للمستثمرين لإنشاء وحدات تصنيع نهائية، ونقل التكنولوجيا المتقدمة.

4- إصلاح نظام تسعير المواد الأولية: مراجعة نموذج التسعير، بحيث يزيد الحافز لإنتاج منتجات أعلى قيمة بما يقلل جاذبية تصدير الخام.

5- التركيز على المنتجات عالية القيمة: مثل منتجات متخصصة ذات سوق تصديري مضمون وهوامش ربح عالية، مثل المحفزات والمواد الكيميائية الدوائية.

6- تطوير التجمعات الصناعية والبنى اللوجستية: إنشاء مناطق صناعية خاصة تجمع حلقات سلسلة القيمة في مكان واحد لتقليل تكاليف النقل والإنتاج.

ولا يمكن لإيران أن تحول مواردها الطبيعية إلى ثروة مستدامة، وأن توقف الحلقة المفرغة للركود وعدم الرضا الاجتماعي إلا بالانتقال من “تصدير الكمية” إلى “تصدير القيمة”، وهو الطريق نحو نمو اقتصادي مستدام، وفرص عمل واسعة، وتحسن ملموس في مؤشرات الرفاه العام.

ـــــــــــ

مقالة منشورة في صحيفة “وطن امروز” الأصولية، بعنوان “تله خام‌فروشی صنایع صادراتی و اثر آن بر شاخص‌های رفاهی” (فخ تصدير المواد الخام وأثره على مؤشرات الرفاه الاقتصادي).

 

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version