بقلم د. رضا عادل فاضل
باحثة في الشأن الإسرائيلي المعاصر
حين يصبح الإعلام ساحة المعركة الأولى
ثمة مفارقة صارخة باتت تُلقي بظلالها على كل نقاش جاد في نظرية العلاقات الدولية المعاصرة: دولة تمتلك من أدوات القوة العسكرية ما يكفي لإرهاب منطقة بأسرها، تجد نفسها عاجزة عن ردع صواريخ بدائية الصنع، أو عن تفادي انهيار صورتها أمام كاميرا هاتف محمول في يد مدني عادي، هذه ليست مبالغة خطابية، بل هي الوصف الدقيق لما يعيشه الكيان الإسرائيلي منذ سنوات، وما تكشفه الحرب على غزة بصورة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الصراعات الحديثة.
الردع، في تعريفه الكلاسيكي الذي رسّخته مدرسة الواقعية الاستراتيجية، يقوم على معادلة بسيطة: إقناع الخصم بأن تكلفة الهجوم ستفوق أي مكسب محتمل، غير أن هذه المعادلة صِيغت في عالم تماثلي، حيث تواجه دولة دولةً، وجيش جيشاً، وردع نووي ردعاً نووياً، أما في عالم اللاتماثل حيث تقف قوة عسكرية نظامية في مواجهة فاعل من دون الدولة، مسلح بإرادة الصمود وهاتف متصل بالإنترنت ، فإن المعادلة تنهار من أساسها، وتتحول معها دلالة الردع نفسها إلى موضع تساؤل حقيقي.
الإعلام لم يعد بيئة الصراع بل صار قلبه
ما يجري اليوم في المشهد الإعلامي والرقمي ليس مجرد حرب نفسية مصاحبة، كما كان يُقال في أدبيات الأمن القومي التقليدية ، ما يجري هو إعادة تعريف جوهرية لمفهوم النصر والهزيمة، الفاعل اللاتماثلي ، حركة مقاومة، جماعة مسلحة، شبكة ميليشيا، لا يسعى إلى تحقيق نصر عسكري بالمعنى الكلاسيكي؛ هو يسعى إلى البقاء والظهور والإيذاء المتواصل، وكلما طالت المواجهة، كلما تآكلت صورة القوة التقليدية أمام العالم، وكلما ترسّخت في الوعي الجمعي العالمي صورة من يصمد في مواجهة الأقوى.
هنا تحديداً يدخل الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي بوصفه المتغير الأكثر ثورية في معادلة الردع المعاصرة، منصات مثل تيك توك وإكس وإنستجرام لا تنقل الأحداث، بل تُشكّل إدراكها، وإدراك الحدث ، لا الحدث ذاته ، هو ما يبني الردع أو يهدمه، حين تنتشر مقاطع تظهر فيها قوة نظامية وهي تدمّر مستشفى أو تقصف مخيماً، فإن المنطق الردعي لا يشتغل كما خُطط له؛ بدلاً من أن يُصاب الخصم بالرعب، يشتعل الرأي العام العالمي، وتتحول هذه القوة من محور ردع إلى محور استنكار.
الهاشتاج كسلاح استراتيجي وليس مجازاً بل حقيقة
قد يبدو الحديث عن الهاشتاج في سياق الاستراتيجية الدولية ضرباً من الاستهانة بجدية الموضوع، غير أن المشهد الراهن يفرض إعادة النظر في هذا التصور، حين وصل هاشتاج واحد حول مجزرة بعينها إلى مئات الملايين من المستخدمين في ساعات معدودة، متجاوزاً كل ما يمكن لأي دبلوماسية رسمية أن تبلغه في أسابيع، فإن هذا لا يعني فقط أن الرواية تغيّرت؛ بل يعني أن الضغط الذي كانت تمارسه قوة عسكرية على حكومات أجنبية عبر الردع العسكري باتت تمارسه شعوب تلك الدول عبر صناديق الاقتراع وشوارع عواصمها، وهو ضغط لا قنبلة ولا دبابة تستطيع صده.
المقاتل اللاتماثلي الذي يُصوِّر قبل أن يُطلق النار يعرف شيئاً لم يدركه بعد كثير من الاستراتيجيين التقليديين: الصورة تسبق الرصاصة، والرصاصة قد تقتل فرداً، لكن الصورة تُحرّك جيلاً، وهو في هذا لا يحارب جيش خصمه، يحارب شرعيته.
الثغرة النظرية: حين تصبح القوة المفرطة انتحاراً للردع
يُفترض بالقوة العسكرية المتفوقة في نظرية الردع الكلاسيكية أن تمنع الصراع عبر الإرهاب المسبق، لكن في السياق اللاتماثلي، وحين تُلتقط صور هذه القوة وهي تمارس ذلك الإرهاب، تحدث ظاهرة عكسية يمكن تسميتها انهيار الردع الرمزي، فالصور المتواترة للدمار الهائل لا تُرسّخ صورة القوة التي لا تُقهر، بل تُرسّخ صورة الوحشية التي لا تُبرَّر، وهذا الفارق الدقيق بين الصورتين هو ما تعجز نظرية الردع التقليدية عن استيعابه، ما يحدث على السوشيال ميديا ليس مجرد حرب روايات؛ إنه إعادة توزيع للسلطة الرمزية التي هي بالضبط الرافد الأساسي لأي ردع فعّال، القوة تردع لأنها تُعدّ قوةً مشروعةً أو على الأقل مُرعبة، حين تفقد شرعيتها في أعين الرأي العام العالمي، وحين يُعيد المقاتل اللاتماثلي تأطير الصراع بوصفه مواجهة بين ضحية وجلاد لا بين عدو وآخر، فإن القوة العسكرية تجد نفسها في مأزق غير مسبوق، كلما ضربت، كلما خسرت.
الكيان الإسرائيلي نموذجاً، حين تُفشل السوشيال ميديا إستراتيجية عقود
لا يمكن في هذا السياق تجاهل المثال الإسرائيلي بوصفه الحالة الأكثر دلالةً وكثافةً في الوقت الراهن، فالكيان الذي بنى معادلة ردعه على أسس عقائدية راسخة، التفوق العسكري، والوحدة الداخلية، والدعم الغربي غير المشروط، وتكلفة الهجوم المرتفعة، يجد هذه الأسس تتصدع واحدة تلو الأخرى في المشهد الإعلامي الرقمي، وحدة الصف الداخلي التي كانت ركيزة أساسية للصورة الردعية الخارجية باتت موضع تشكيك علني على منصات دولية، حيث تتصدر تصريحات المسؤولين والجنرالات الإسرائيليين أنفسهم قوائم المشاركة والتداول في سياقات تُظهر تناقضاتٍ وانكشافاتٍ لم يكن أي جهاز استخباراتي أجنبي يحلم بالحصول عليها في حقبة ما قبل الإعلام الرقمي، ما كان يُقال في غرف مغلقة يُقال اليوم على الملأ، وما كان يُدفن في التقارير السرية يُنشر في تغريدة ويُشاهَد في دقائق من ملايين البشر، الأهم من ذلك هو انهيار الدعم الغربي الشعبي، لا الرسمي فحسب، الذي كان يُشكّل الغطاء السياسي لاستمرارية معادلة الردع الإسرائيلية، ناشطون في جامعات الولايات المتحدة وأوروبا، مقدّمو برامج ومحللون، رجال دين وفنانون، استقطبوا الملايين خلف رواية مغايرة، ليس بالأسلحة ولا بالمناورات، بل بمقاطع مصوّرة وبيانات موثقة ومقارنات تاريخية مُسلَّحة بعاطفة إنسانية جارفة، هذا هو الردع المعكوس الذي لم تُدرجه أي نظرية استراتيجية كلاسيكية في حساباتها.
الفجوة بين الردع المُعلَن والردع المُدرَك
تكشف المتابعة الإعلامية الدقيقة لمسار الأحداث منذ أكتوبر 2023 عن فجوة غير مسبوقة بين ما تسعى إليه آلة الردع الإسرائيلية من تأثير مُعلَن وما يصل فعلاً إلى مستوى الإدراك الجمعي العالمي، الخطاب الرسمي يتحدث عن الدفاع عن النفس و القضاء على التهديد، لكن الإعلام الرقمي يُترجم هذا الخطاب يومياً إلى أرقام ووجوه وأصوات تتناقض مع هذه الصياغة.
هذه الفجوة تحديداً هي ما يمكن وصفه بـثغرة الردع الإعلامية: مفهوم يرى أن فاعلية الردع لا تُقاس فقط بالتفوق الميداني الموضوعي، بل بمدى استيعاب هذا التفوق في الوعي الإدراكي لكل الأطراف، الخصم والحليف والرأي العام المحلي والدولي، وحين تنجح الرواية المضادة في إعادة تأطير هذا الوعي، فإن آلة الردع تعمل في الفراغ، وإن كانت تُحقق نجاحات ميدانية لا يستطيع أحد إنكارها.
نحو نظرية ردع ما بعد الرقمية: سؤال مفتوح
ما تطرحه هذه المعضلة على الباحثين في العلاقات الدولية والإعلام السياسي معاً ليس مجرد سؤال نظري ترفي، بل هو سؤال استراتيجي ملحّ، كيف يمكن لدولة أن تبني ردعاً فعّالاً في عالم باتت فيه كل عملية عسكرية عرضاً إعلامياً مباشراً يصل إلى مليارات المشاهدين في الوقت الفعلي؟
ليس ثمة إجابة جاهزة، لكن ما هو واضح أن الأطر النظرية الموروثة من حقبة الحرب الباردة لم تعد قادرة وحدها على استيعاب هذا الواقع، الردع في عصر السوشيال ميديا يحتاج إلى نظرية جديدة تُعيد الاعتبار للبعد الرمزي والأثر الإدراكي، ولا تكتفي بقياس حجم الدمار أو حسابات القوة النسبية، الردع الحقيقي اليوم هو ردع روايات قبل أن يكون ردع أسلحة، وهذا درس تكلّف العالم ثمناً باهظاً لكي يتعلمه.
أحدث المنشورات
- إفريقيا في مرآة الأمن القومي المصري (قراءة أسبوعية)
- أديس أبابا بين ضغوط الأزمات الداخلية ورهانات التوازنات الإقليمية
- اتجاهات الصحافة الإثيوبية في أواخر مايو 2026م
- معضلة الردع في عالم اللاتماثل: حين تُخفق الهيبة أمام الهاشتاج
- عرض تحليلي لكتاب “الانتخابات الإسرائيلية 2026م: خرائط القوة والتحالفات ومستقبل القيادة السياسية”
- أديس أبابا وأسمرة: تخوف إثيوبي من العلاقات الأمريكية الإريترية
- السيناريوهات المحتملة لنتائج الانتخابات الإسرائيلية المقبلة وانعكاساتها على المشهد السياسي الإسرائيلي
- ديناميات الجماعات المسلحة في أفريقيا (1) حركة الشباب والحوثيون في ضوء رهانات النفوذ الإقليمي والدور المصري لحماية أمن القرن الافريقي
الخميس, 18 يونيو
