محمد خيري
باحث بوحدة الدراسات الإيرانية
تزداد يومًا بعد يوم التكهنات حول ضربة أمريكية على إيران في ظل التحشيد العسكري الأمريكي الكبير، بعد أن أرسلت واشنطن حاملة الطائرات الأمريكية الأشهر في أسطولها “إبراهام لينكولن”، فيما عزّز الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تلك التكهنات بعد أن أعلن عن إرسال أسطول جديد إلى الشرق الأوسط لينضم إلى الفرق العسكرية الموجودة قبالة سواحل إيران، لتشكّل ضغطًا على صانع القرار في طهران لإجبارها على التفاوض للتوصل لاتفاق جديد مع الولايات المتحدة بالشروط الأمريكية المجحفة بالنسبة لطهران.
المطالب الأمريكية
وضع الرئيس الأمريكي عدة مطالب لتقويض قدرات إيران الإستراتيجية مقابل العودة مرة أخرى للمفاوضات، وتستهدف التالي:
- منع إيران من امتلاك القدرات النووية: يرغب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الوصول إلى اتفاق يخالف ما اتفقت عليه الإدارة الديمقراطية التي كان يرأسها باراك أوباما في عام 2015، حين تم توقيع خطة العمل الشاملة المشتركة مع إيران، والتي كانت تعطي لإيران الحق في تخصيب اليورانيوم عند مستوى 3.67 بالمئة، بالإضافة إلى حصول إيران على ما يربو على مليار دولار سنويًا كدعم مالي، بجانب الاستثمارات الأمريكية والأوروبية في الداخل الإيراني. ويسعى ترامب – الذي ينتقد الديمقراطيين في كل خطاباته – إلى تحقيق اختراق يمكنه من الوصول إلى اتفاق أفضل نسبيًا مما تم الاتفاق عليه في عام 2015.
- المطالب السياسية: وضع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عدة مطالب أخرى وُصفت بـ«التعجيزية» أو «المستحيلة»، والتي كشفت عن رغبته في تقويض كل عوامل القوة الإيرانية، من خلال تأكيده على ضرورة تفكيك البرنامج النووي الإيراني بشكل كامل، بحيث لا تستطيع إيران تخصيب اليورانيوم لا للأغراض السلمية ولا لغيرها، علاوة على تفكيك برنامج المنظومة الصاروخية الباليستية بحيث لا يتعدى مدى الصواريخ الإيرانية حاجز الـ200 كيلومتر، وتفكيك كامل لبرنامج الطائرات المسيّرة، ووقف الدعم الإيراني لوكلائها في الإقليم، وفي القلب منهم الحوثيين وحزب الله اللبناني، كل ذلك بالإضافة إلى مطلب أمريكي لإيران يشتمل على اعترافها بإسرائيل، على أن تتم تلك الأجواء التفاوضية بين الرئيس الأمريكي والمرشد الإيراني علي خامنئي شخصيًا.
- المطالب التقنية: تشمل المطالب التقنية الأخرى فتح الباب أمام مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية لزيارة المفاعلات الإيرانية المقصوفة في عملية «مطرقة منتصف الليل»، والتي تمت في 22 يونيو من العام الماضي، والتي وضعت حدًا للحرب الإسرائيلية الإيرانية، بالإضافة إلى تسليم ما يزيد على 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 بالمئة إلى الولايات المتحدة الأمريكية أو إلى دولة وسيطة يتم الاتفاق عليها خلال المفاوضات.
الموقف الإيراني
يدرك المفاوض الإيراني جيدًا صعوبة تلك المطالب التي تأتي على قواعد النظام السياسي الثيوقراطي الحاكم في إيران، خاصة وهو النظام الذي قام بمناكفة الولايات المتحدة الأمريكية منذ اللحظات الأولى من عمر الجمهورية الإسلامية، بعد اقتحام السفارة الأمريكية في طهران واحتجاز دبلوماسييها لمدة 444 يومًا، علاوة على الرفض البات لمسألة الاعتراف بإسرائيل.
لكن ما يمكن التفاوض عليه هو البرنامج النووي الإيراني، والذي أظهر انقسامًا كبيرًا داخل أجنحة النظام في إيران، حيث قدّمت الجبهة الإصلاحية تقدير موقف إلى بيت القيادة في إيران يطلب النظر في ضرورة تحقيق اختراق في المفاوضات يتمثل في وقف البرنامج النووي لإيران لمدة محددة يتم الاتفاق عليها في المفاوضات، تجنبًا للعقوبات الضاغطة على الاقتصاد الإيراني، والتي تسببت في خروج تظاهرات «البازار» الأخيرة، غير أن ذلك الموقف لم يلقَ قبولًا لدى الجناح المتشدد الذي يسيطر على مفاصل الدولة الأمنية والعسكرية الاستراتيجية، وعلى دوائر صناعة القرار الاستراتيجي.
كما تنظر أجنحة النظام في إمكانية تخفيض نسبة التخصيب التي كان متفقًا عليها في اتفاق 2015 لما دون الـ3.67%، بشرط أن يحافظ النظام على بقاء البرنامج النووي الإيراني، لإقناع الداخل الإيراني بنجاح النظام في مهمته المتمثلة في التفاوض مع واشنطن ورفع العقوبات الاقتصادية، مع الحفاظ على البرنامج النووي الإيراني الذي يمثل عصب القوة الإيرانية الضاغطة على واشنطن وتل أبيب.
الموقف الإقليمي
تضغط دول الإقليم في سبيل إعادة إحياء جهود الوساطة بين الجانبين في ظل الحشد العسكري الذي ينذر بعملية عسكرية خاطفة، وتهدد إيران بجعلها حربًا مفتوحة إذا ما غامرت الولايات المتحدة بتوجيه ضربة إلى العمق الإيراني، غير أن دول منطقة الشرق الأوسط، وأبرزها المملكة العربية السعودية ومصر وتركيا وسلطنة عمان وقطر، يبذلون جهودًا لاحتواء الموقف وإيقاف أي عملية عسكرية مرتقبة ضد إيران لعدة أسباب، أبرزها:
- الحد من تدهور مناخ الاستقرار الإقليمي
وذلك في ظل تقديرات تشير إلى ضغوط إسرائيلية على الولايات المتحدة لتوجيه ضربة كبرى إلى إيران تسهم في إسقاط النظام الإيراني، الذي يضغط بوكلائه على تل أبيب من وقت لآخر، وهو ما قد يفتح الباب أمام النزعات الانفصالية للظهور على السطح في الداخل الإيراني، خاصة وأن إيران مكوّنة من عرقيات وقوميات مختلفة، وتحمل في طياتها قوميات انفصالية مثل البلوش في محافظة سيستان وبلوشستان، الذين شكّلوا ما يعرف باسم «جيش العدل البلوشي» الذي يدعو إلى الانفصال عن إيران، بجانب الأحوازيين السنّة الذين يطالبون بالاستقلال عن إيران وإنشاء دولة الأحواز العربية السنية، وهو ما قد يفتح الباب أمام أزمات أمنية وإقليمية بالغة الخطورة على أمن الخليج خاصة، ومنطقة الشرق الأوسط عامة.
- مخاوف من إعادة إنتاج نظام الشاه
خاصة وأن رضا، نجل الشاه محمد رضا بهلوي، يظهر من وقت لآخر خلال مراحل ضعف النظام الإيراني، ويطلب من الإيرانيين الخروج ضد النظام الحاكم، ويعلن أنه بصدد العودة مرة أخرى إلى إيران، وهو ما أثار المخاوف حول إعادة إنتاج نظام أبيه الذي كان يُسمّى بـ«شرطي الخليج»، والذي كان مدعومًا من الولايات المتحدة الأمريكية بشكل كبير، بجانب إسرائيل، وهما ما سهّلا له الاستحواذ على جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى في نهاية نوفمبر عام 1971، إلى جانب الدعم العسكري الأمريكي السخي خلال فترة حكم الدولة البهلوية.
3– ترسيخ الخلل في موازين القوى بالإقليم
يشكل انهيار النظام الإيراني الحاكم نهاية استراتيجية «توازن الردع»، وتجعل من تل أبيب القوة الكبرى في الإقليم بعد أن تم قطع أذرع إيران في الإقليم من خلال الحرب الإسرائيلية على الفصائل الفلسطينية المدعومة من إيران في غزة، كحركة حماس والجهاد، وكذا ما تعرّض له حزب الله اللبناني من ضربات استهدفت قيادات الحركة، مع تقديم الولايات المتحدة الأمريكية لورقة حصر السلاح بيد الدولة لتقويض قدرات حزب الله في الأساس، فضلًا عن الضربات التي مُني بها الحوثيون مؤخرًا وأفقدتهم القدرة على الاستمرار في مهاجمة إسرائيل بموجب اتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية بوساطة عمانية، فيما يفتح إسقاط النظام الإيراني الباب أمام سيطرة إسرائيل أمنيًا على منطقة الشرق الأوسط.
خاتمة
فتحت الحشود العسكرية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط المجال أمام اندلاع حرب جديدة سيكون لها تداعيات أمنية واقتصادية بالمنطقة، فضلا عن انعكاساتها السلبية على مستقبل النظام الإيراني ومستقبل تعاملات واشنطن مع طهران في المرحلة المقبلة، حيث تزداد التكهنات حول رغبة الولايات المتحدة في تقليص عوامل القوة الإيرانية لصالح التفوق العسكري الإسرائيلي في منطقة الشرق الأوسط، علاوة على الحفاظ على تحقيق نظرية الأمن الإسرائيلي من خلال وقف تدفق الدعم الإيراني لوكلاء إيران بعد القضاء عليهم وعلى نفوذ إيران في المنطقة، إلى جانب تقليص قدرات النظام على تهديد إسرائيل.
لذا يمكن القول إن واشنطن ترغب في أن تكون إيران دولة ضعيفة مسلوبة القوة والإرادة، بحيث يمكن الحفاظ على أمن تل أبيب دون أية تهديدات في المستقبل، حتى مع بقاء النظام الحالي في السلطة، مستندةً إلى التعاون الأمريكي الإيراني خلال فترة الحرب الأمريكية العراقية، وما صدر من وثائق حول تعاون إيراني مع إسرائيل في قضية «إيران جيت» أو «إيران كونترا»، وهو ما يشير إلى إمكانية تحقيق نوع من التجانس الخفي بين الجانبين في المراحل المقبلة دون إسقاط النظام.
فيما يأتي على رأس أولويات الولايات المتحدة الأمريكية، تقويض النفوذ الصيني في منطقة الشرق الأوسط، وتقويض مشروع «طريق الحرير الصيني» و«مبادرة الحزام والطريق»، إذ تشير بعض مراكز الفكر إلى أنه خلال الحرب الإسرائيلية الإيرانية نجحت الصين في إبرام اتفاق مع الحوثيين برعاية سلطنة عمان وبمباركة إيرانية، حصلت بموجبه الصين على امتياز مرور السفن التجارية الصينية في البحر الأحمر دون استهداف، والتي كان يكفيها رفع علم الصين لتمر تجارة الصين بأمان عبر البحر الأحمر من وإلى قناة السويس دون استهداف، ومن ثم رغبة الإدارة الأمريكية في توجيه رسائل ردع لكل من الصين وروسيا عبر اللجوء لاستخدام القوة العسكرية الغاشمة ضد إيران لإجبارها على الامتثال للمطالب الأمريكية.
