عبدالله فارس القزاز .. باحث بوحدة الدراسات الإفريقية
مع بداية سبتمبر يشهد شمال إفريقيا والقرن الإفريقي تحركًا دوليًا متزايدًا، تتعدد أدواته وتختلف ساحاتها ، بين شراكات اقتصادية وتكنولوجية، وتعاون أمني وعسكري، ومحاولات للتأثير في مسارات بناء الدول وترتيباتها السياسية ولا يعتمد هذا التحرك على نمط واحد، بل قد تتجه القوى الدولية والإقليمية إلى توسيع علاقاتها مع دول المنطقة من خلال دعم قطاعاتها وقدراتها، بينما تركز تحركات أخرى على المؤسسات الأمنية والسياسية ومسارات الانتقال وبناء على ذلك تبرز التحركات المرتبطة بإثيوبيا والصومال وليبيا باعتبارها نماذج مختلفة لهذا الحضور الدولي ، من توسيع التعاون الإسرائيلي مع إثيوبيا، إلى التحرك المصري تجاه مقديشو ، وصولًا إلى التفاعلات المرتبطة بالمسار الأممي في ليبيا.وتكشف هذه التحركات مجتمعة عن بيئة إقليمية أصبحت فيها العلاقات الخارجية مترابطة مع التطورات الداخلية للدول، بما يجعل متابعة طبيعة هذا الحضور وأدواته واتجاهاته مدخلًا أساسيًا لفهم التحولات الجارية في شمال إفريقيا والقرن الإفريقي وتقيم الانعكاس على الأمن القومي المصري والإقليمي
في 4 سبتمبر أكد السفير الإسرائيلي لدى إثيوبيا، أبراهام نغوسي، أن إسرائيل ستواصل دعمها لإثيوبيا، بهدف تعزيز قدراتها الاقتصادية والتكنولوجية ودعم مساعيها للتحول إلى قوة اقتصادية مؤثرة في إفريقيا، بالتوازي مع توسع مجالات التعاون بين البلدين لتشمل التكنولوجيا والابتكار والزراعة والرعاية الصحية والاستثمار. ويأتي هذا التوجه بالتزامن مع مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الحديثة بين البلدين، وفي ظل تصاعد الاتصالات السياسية والاقتصادية خلال عام 2026.استراتيجيًا، لا ينبغي التعامل مع الإعلان الإسرائيلي باعتباره مجرد تعهد اقتصادي يستهدف دعم مسار التنمية في إثيوبيا، وإنما يأتي في إطار توجه إسرائيلي أوسع لإعادة توسيع الحضور داخل منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر. فإسرائيل تنظر إلى إثيوبيا باعتبارها دولة محورية في شرق إفريقيا، وهو ما برز خلال زيارة هرتسوغ إلى أديس أبابا، عندما وصفها بأنها دولة محورية في إفريقيا ومركز مهم للنمو في القارة. ومن ثم، فإن توسيع التعاون في قطاعات التكنولوجيا والزراعة والصحة والاستثمار يمنح إسرائيل أدوات نفوذ ممتدة داخل الاقتصاد ومؤسسات الدولة الإثيوبية، بما يتجاوز نمط العلاقات السياسية التقليدية. وتزداد أهمية هذا المسار مع انتقال التعاون الإسرائيلي الإثيوبي تدريجيًا من التكنولوجيا الزراعية وإدارة المياه إلى مجالات الابتكار والتجارة والاقتصاد الرقمي، بما يتيح لإسرائيل بناء روابط أكثر رسوخًا مع القطاعات الإنتاجية والمؤسساتية، وقابلة للاستمرار حتى في حال حدوث تغيرات على مستوى الحكومات.إقليميًا، يمكن قراءة التحرك الإسرائيلي باعتباره محاولة لتوسيع هامش النفوذ وتوظيف الشراكة مع إثيوبيا كأداة تأثير غير مباشر في عدد من الملفات المرتبطة بالمنطقة، وفي مقدمتها سد النهضة والبحر الأحمر والسودان. فإثيوبيا تمتلك وزنًا جغرافيًا وسياسيًا مهمًا في شرق إفريقيا، في الوقت الذي ترتبط فيه أزماتها مع دول حوض النيل، وعلى رأسها مصر والسودان، بملف سد النهضة وإدارة الموارد المائية، بالتزامن مع سعي أديس أبابا إلى توسيع خياراتها للوصول إلى البحر الأحمر. وبذلك، فإن تعزيز القدرات الاقتصادية والتكنولوجية الإثيوبية لا يعني بالضرورة حدوث تحول مباشر في موازين القوى، لكنه قد يمنح أديس أبابا قدرة أكبر على المناورة والتمسك بمواقفها في الملفات الإقليمية، كما يوفر لإسرائيل شريكًا أكثر قدرة على الحركة داخل بيئة جيوسياسية شديدة الحساسية. ويكتسب هذا المسار أهمية إضافية عند وضعه في سياق التقارب الإسرائيلي المتسارع مع إقليم أرض الصومال الانفصالي إذ استقبلت إسرائيل رئيس “أرض الصومال الانفصالي” في يونيو 2026. كما تشير بعض التقارير وجود تعاون أمني وتدريب إسرائيلي لقوات أرض الصومال الغير معترف بيها دوليا ، رغم نفي وجود ترتيبات حالية لإقامة قاعدة عسكرية إسرائيلية هناك.ومن زاوية القرن الإفريقي والبحر الأحمر، فإن الجمع بين تعزيز الشراكة مع إثيوبيا وتطوير العلاقات مع أرض الصومال يوسع المجال الجغرافي المتاح للحركة الإسرائيلية على جانبي البيئة المحيطة بخليج عدن والبحر الأحمر. ولا يعني تزامن المسارين بالضرورة وجود مشروع إسرائيلي موحد يربط إثيوبيا وأرض الصومال ضمن ترتيبات أمنية واحدة، إلا أنه يمنح إسرائيل إمكانية بناء شبكة من العلاقات مع دول وكيانات تتمتع بمواقع جغرافية مختلفة داخل الإقليم. وتزداد قيمة هذا التوجه في ظل اضطراب الملاحة في البحر الأحمر، وتهديدات الحوثيين، واستمرار الحرب في السودان، بما يجعل الممرات البحرية ومراقبة التحولات السياسية في القرن الإفريقي جزءًا أكثر أهمية من الحسابات الإسرائيلية. وبهذا المعنى، لا تكمن الأهمية الأساسية للتحرك في حجم الاستثمارات الإسرائيلية داخل إثيوبيا فحسب، وإنما في تراكم أدوات النفوذ الاقتصادي والسياسي والتكنولوجي حول منطقة البحر الأحمر وخليج عدن، بما يوسع هامش الحركة الكيان الإسرائيلي داخل بيئة إقليمية تتسم بتداخل المصالح والتوترات.وفي المقابل، توجد حدود واضحة للرهان على إثيوبيا، إذ إن الصورة التي يقدمها الخطاب الإسرائيلي عن إثيوبيا باعتبارها قوة اقتصادية صاعدة لا تعني امتلاك أديس أبابا قدرة غير مقيدة على التحول إلى قوة إقليمية. فالدولة لا تزال تواجه ضغوطًا أمنية وسياسية واقتصادية داخلية، بينما تمثل عملية بناء الدولة والمؤسسات وقدرتها على احتواء التوترات الداخلية عوامل مؤثرة في قدرتها على توظيف الشراكات الخارجية وتحويلها إلى نفوذ مستدام. وبالتالي، فإن الدعم الإسرائيلي قد يسهم في تحسين بعض القدرات النوعية لإثيوبيا، لكنه لا يستطيع بمفرده معالجة الاختلالات البنيوية التي تحد من قدرتها على تحويل الموارد والاستثمارات إلى قوة إنتاجية ونفوذ مستدام. بالنسبة إلي القاهرة لا تأتي أهمية التحرك الإسرائيلي–الإثيوبي من الدعم الاقتصادي في حد ذاته، وإنما من احتمالات انعكاسه على قدرة إثيوبيا على المناورة داخل الملفات الإقليمية ذات الصلة بالمصالح المصرية. ويأتي سد النهضة في مقدمة هذه الملفات، إذ إن أي تحسن مستدام في القدرات الاقتصادية والتكنولوجية الإثيوبية قد يمنح الحكومة مساحة أكبر لمواصلة سياساتها المتعلقة الغير قانونية اي التصرف الأحادي بالسد والتعامل مع الضغوط الخارجية من موقع أكثر ثقة. وفي الوقت ذاته، تضيف الحرب المستمرة في السودان عنصرًا آخر إلى هذه الحسابات، في ظل وقوع إثيوبيا مباشرة في محيط الصراع السوداني، بما يجعل أي توسع في نفوذها أو قدرتها على الحركة عاملًا يمكن أن ينعكس على التوازنات في شرق السودان والحدود السودانية الإثيوبية. وعليه، فإن التأثير المحتمل على مصر لا ينبغي اختزاله في معادلة الكيان الاسرائيلي تدعم إثيوبيا ضد مصر، وإنما في احتمال تشكل بيئة إقليمية تمنح أديس أبابا أدوات إضافية للحركة في ملفات تمس المصالح المصرية بصورة مباشرة.أما ملف المنفذ البحري، فيحمل بعدًا مختلفًا يرتبط بصورة أكبر بالبحر الأحمر، إذ إن محاولات إثيوبيا تأمين منفذ بحري، بالتوازي مع التطور الكبير في العلاقات الإسرائيلية مع أرض الصومال الغير معترف بيها دوليا ، تجعل منطقة خليج عدن وباب المندب أكثر أهمية في الحسابات المصرية، ولا سيما أن أمن البحر الأحمر يرتبط بصورة مباشرة بأمن قناة السويس. ومن هنا، فإن اتساع الحضور الإسرائيلي في البيئة المحيطة بالبحر الأحمر يستدعي متابعة طبيعة التعاون الأمني والاستخباراتي والتكنولوجي، إلى جانب مواقع الاستثمار والبنية التحتية التي يمكن أن تتحول مستقبلًا إلى أدوات نفوذ، وليس الاكتفاء بمتابعة الاتفاقيات الرسمية، بالإضافة إلي وجود تقاطعً في المصالح والوجود الجغرافي يمكن أن يتطور إلى تأثير أكبر في حال استمرار التوترات الإقليمية.بالتالي قد يستمر المسار الإسرائيلي في تعزيز العلاقة مع إثيوبيا بصورة تدريجية، مع التركيز على الاقتصاد والتكنولوجيا والزراعة والصحة والاستثمار، بالتوازي مع الحفاظ على قنوات سياسية وأمنية تتيح لإسرائيل توسيع نفوذها داخل منطقة القرن الإفريقي. وفي المقابل، ستظل قدرة إثيوبيا على الاستفادة من هذا الدعم مرتبطة بدرجة كبيرة بقدرتها على احتواء أزماتها الداخلية وتحويل الدعم والاستثمار الخارجي إلى قدرات إنتاجية و مؤسساتية حقيقية. وفي هذا السياق، تبرز ثلاثة مؤشرات رئيسة ستكون فاصلة في العلاقة الإثيوبية الإسرائيلية : أولها انتقال التعاون الإسرائيلي الإثيوبي من المجالات الاقتصادية والتكنولوجية إلى تعاون أمني واستخباراتي أكثر وضوحًا، وثانيها أي تطور في ملف وصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر أو خليج عدن، خصوصًا إذا تزامن مع تطور علاقاتها بأرض الصومال الانفصالي ، وثالثها انعكاس هذا التعاون على مواقف أديس أبابا تجاه ملفي سد النهضة والسودان. وفي حال تزامن تقدم هذه المسارات الثلاثة، فقد تنتقل الشراكة الإسرائيلية الإثيوبية من إطار ثنائي ذي طابع تنموي إلى أداة يمكن أن تدخل ضمن عملية أوسع لإعادة تشكيل موازين النفوذ في القرن الإفريقي والبحر الأحمر.
في 7 سبتمبر 2026، بحث وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره الصومالي عبد السلام عبدي علي في القاهرة سبل تعزيز الشراكة المصرية الصومالية، إلى جانب تطورات الأوضاع في الصومال، حيث أكدت مصر دعمها لوحدة وسيادة الأراضي الصومالية ورفض أي إجراءات أحادية بالتوازي مع استمرار دعم بناء مؤسسات الدولة الصومالية وتعزيز قدراتها، والدفع نحو توفير تمويل مستدام لبعثة الاتحاد الأفريقي للدعم والاستقرار في الصومال، مع التأكيد على المشاركة المصرية فيها. كما تناول اللقاء ملف البحارة المصريين المحتجزين قبالة السواحل الصومالية، بما يعكس اتساع نطاق الاهتمام المصري بالعلاقات مع مقديشو من القضايا الثنائية المباشرة إلى الأبعاد الأمنية والمؤسساتية المرتبطة باستقرار الدولة الصومالية وبيئتها الإقليمي
دبلوماسيا:، يعكس اللقاء استمرار ثوابت السياسة الخارجية المصرية في التعامل مع الأزمات الإقليمية، وفي مقدمتها احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها ورفض التدخلات الخارجية والإجراءات الأحادية التي تستهدف فرض وقائع جديدة. بالتي أهمية هذا الموقف في الحالة الصومالية تتجاوز البعد الدبلوماسي، بالنظر إلى أن القاهرة تربط بين حماية السيادة وبين قدرة الدولة على امتلاك مؤسسات وطنية قادرة على ممارسة هذه السيادة فعليًا. ولذلك جاء تأكيد عبد العاطي على دعم بناء مؤسسات الدولة الصومالية وتعزيز قدراتها بالتوازي مع رفض أي مساس بوحدة الأراضي الصومالية، بما يعكس تصورًا مصريًا يقوم على أن معالجة هشاشة الدولة لا تقتصر على مكافحة حركة الشباب أو تقديم الدعم السياسي للحكومة، وإنما تمتد إلى إعادة بناء قدرة الدولة على احتكار أدوات الأمن وممارسة سلطتها على أراضيها وسواحلها.وعلية ، فإن المشاركة المصرية في بعثة الاتحاد الأفريقي لا تمثل مجرد مساهمة عسكرية في مهمة متعددة الأطراف، وإنما توفر للقاهرة قناة للمساهمة في بناء البيئة الأمنية التي يمكن للدولة الصومالية من خلالها استعادة وظائفها تدريجيًا، مع الحفاظ على إطار أفريقي يحول دون تحول الدعم الأمني إلى وجود أجنبي منفصل عن مؤسسات الدولة. وتكتسب هذه المقاربة أهمية أكبر في ظل تحول الصومال إلى ساحة متعددة الشراكات ومراكز النفوذ، إذ تعمل مقديشو على تنويع علاقاتها الأمنية والعسكرية، في ظل وجود شراكة متقدمة مع تركيا، وتنامي التعاون مع باكستان، إلى جانب الشراكة الاستراتيجية مع الصين. وهذا التنوع يمنح الصومال هامشًا أكبر للحصول على التدريب والتسليح والدعم السياسي والاقتصادي، لكنه في المقابل يفتح المجال أمام احتمال تحول مؤسسات الدولة الأمنية إلى مجال للتنافس بين القوى الخارجية، إذا لم تتمكن مقديشو من الحفاظ على قرار أمني وطني موحد.وهنا تتحدد خصوصية المقاربة المصرية، فالقاهرة لا تحتاج إلى منافسة أنقرة أو بكين أو إسلام آباد في جميع المجالات، وإنما تتمثل مصلحتها الأساسية في ضمان وجودها داخل عملية بناء الدولة الصومالية باعتبارها شريكًا مؤسسيًا قادرًا على تقديم قيمة أمنية وسياسية طويلة المدى. كما أن رفض مصر للإجراءات الأحادية التي تمس وحدة الصومال يرتبط بهذا السياق، إذ تنظر القاهرة إلى الحفاظ على الدولة المركزية باعتباره شرطًا للحد من تحول الانقسامات الداخلية إلى مداخل لترسيخ ترتيبات جيوسياسية أو أمنية خارج إرادة الحكومة الصومالية، خصوصًا في منطقة تتمتع بأهمية استثنائية بالنسبة لأمن البحر الأحمر وخليج عدن
بالنسبة إلى الأمن القومي المصري، فإن أهمية الصومال لا تنبع من العلاقات الثنائية وحدها، وإنما من موقعه داخل المنظومة الأمنية الممتدة من القرن الإفريقي إلى البحر الأحمر وقناة السويس. فكلما ازدادت قدرة الحكومة الصومالية على ضبط أراضيها ومجالها البحري، تراجعت مساحة الفراغ التي يمكن أن تستغلها الجماعات المسلحة وشبكات الجريمة والتهريب والقرصنة، بما يخدم بصورة مباشرة استقرار الملاحة في خليج عدن والبحر الأحمر. ومن هنا، فإن دعم مصر لبناء مؤسسات الدولة الصومالية يمثل استثمارًا أمنيًا غير مباشر في البيئة المحيطة بالممرات البحرية المرتبطة بالمصالح المصرية. وفي المقابل، فإن استمرار ضعف الدولة قد يجعل الساحل الصومالي نقطة جذب لمزيد من الفاعلين المسلحين، ويجعل الأمن البحري أكثر ارتباطًا بترتيبات مؤقتة قابلة للتغير.وبالتالي، فإن المشاركة المصرية في بعثة الاتحاد الأفريقي تكتسب قيمة تتجاوز حجم المشاركة ذاتها، لأنها تمنح القاهرة موقعًا داخل منظومة أمنية تعمل على الحد من الفراغ خلال المرحلة الانتقالية التي تتجه فيها المسؤولية الأمنية تدريجيًا نحو المؤسسات الصومالية. وفي الوقت ذاته، فإن تعدد الشركاء الأمنيين للصومال لا ينبغي النظر إليه بالنسبة لمصر باعتباره تهديدًا في حد ذاته، وإنما باعتباره متغيرًااستراتيجيًا يتطلب إدارته. فالشراكة التركية تمنح مقديشو قدرات عسكرية وبحرية متقدمة، بينما يضيف التعاون الباكستاني خبرات في التدريب وبناء القدرات، في حين تمنح الصين الصومال وزنًا سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا متزايدًا. وإذا جرى توظيف هذه الشراكات تحت مظلة الدولة الصومالية، فقد تكون النتيجة بناء مؤسسات أكثر قوة، وهو ما يمثل تطورًا إيجابيًا للمصالح المصرية.أما في حال تحولت هذه الشراكات إلى مراكز نفوذ متنافسة داخل المؤسسة الأمنية الصومالية، فقد يصبح تعدد الشركاء عاملًا لإضعاف القرار الوطني بدلًا من تقويته. ولذلك تتمثل المصلحة المصرية في دعم مؤسسة أمنية صومالية موحدة، ذات قرار وطني وقادرة على الاستفادة من مختلف الشراكات دون الارتهان لأي منها، بالتوازي مع الحفاظ على الحضور المصري في المجالات المرتبطة بأمن البحر الأحمر ومكافحة الإرهاب وبناء القدرات. وبهذا المعنى، فإن الرهان المصري لا يرتبط فقط بحجم التعاون الثنائي مع مقديشو، وإنما بقدرة هذا التعاون على الإسهام في بناء دولة صومالية أكثر قدرة على إدارة بيئتها الأمنية والاستفادة من علاقاتها الخارجية ضمن إطار مؤسساتي موحد
وعلية : تستمر مقديشو في سياسة تنويع الشركاء، بما يجعل المنافسة على النفوذ داخل الصومال أكثر تعقيدًا، بالتي المؤشر الحاسم بالنسبة إلى مصر لن يتمثل في حجم النفوذ التركي أو الصيني أو الباكستاني في حد ذاته، وإنما في اتجاه تطور الدولة الصومالية وقدرتها على الاحتفاظ بقرار أمني وسياسي موحد. فإذا نجحت الحكومة في توظيف الدعم الخارجي لبناء مؤسسات وطنية أكثر قدرة، فإن ذلك يهيئ بيئة أكثر استقرارًا ويعزز أمن البحر الأحمر، ويمكن لمصر عندها الاستفادة من تعدد الشركات الصومالية بدل الدخول في منافسة مباشرة معها. أما إذا أدى تعدد الشركاء إلى تنازع على المؤسسات والقرار الأمني، فقد يتحول الصومال إلى ساحة أكثر تعقيدًا للتنافس الجيوسياسي، بما يزيد المخاطر المرتبطة بالأمن البحري الإقليمي،ولذلك فإن الاتجاه المصري الأكثر فاعلية سيتمثل في الاستمرار في دعم الدولة المركزية ومؤسساتها، وتوسيع التعاون الأمني والعسكري والاقتصادي ، مع الحفاظ على المبدأ المصري القائم على احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها ورفض التدخل الخارجي في شؤونها، بما يضمن بقاء الدعم المصري جزءًا من عملية بناء الدولة الصومالية وليس مجرد أداة للتعامل مع الأزمات الأمنية الحالية
وبالتالي، فإن إعادة تشكيل المفوضية قد تمثل في الوقت نفسه بوابة للحل ومصدرًا لصراع جديد. فإذا اعتبرت الأطراف أن التشكيل الجديد متوازن وقادر على العمل، يمكن أن يصبح الاتفاق نقطة انطلاق فعلية نحو الانتخابات. أما إذا اعتبر طرف ما أن إعادة تشكيل المفوضية تمنح خصمه أفضلية مؤسسية، فإن الخلاف قد يتجمد عند هذه النقطة تحديدًا، حتى لو استمر الجميع في إعلان تأييده للانتخابات. ومن ثم، فإن جوهر المسألة لا يتعلق فقط بالتوافق على إجراء الانتخابات، وإنما بالتوافق على المؤسسة التي ستديرها والقواعد التي ستنظم الوصول إليها. مصربا ، ترتبط المصلحة الأساسية بشكل السلطة التي ستنتج عن الانتخابات ومدى قبول الأطراف الليبية بها، وليس بمجرد إجراء الانتخابات في موعدها. فانتخابات تُجرى بموجب مفوضية وقوانين محل نزاع قد تنتج مؤسسة منتخبة، لكنها لا تنهي الصراع بالضرورة، وإنما يمكن أن تنقل الانقسام من المؤسسات الانتقالية إلى المؤسسات المنتخبة، وهو سيناريو أكثر خطورة لأنه يمنح الصراع غطاءً انتخابيًا بدلًا من إنهائه.من هنا ، تمثل إعادة تشكيل المفوض بالنسبة لمصر مؤشرًا مبكرًا على طبيعة التسوية المقبلة. فإذا جرى تشكيلها على أساس توازن مقبول بين القوى الليبية، وأصبحت قراراتها قابلة للنفاذ في الشرق والغرب، فإنها قد تشكل إحدى أهم أدوات إنهاء المرحلة الانتقالية. أما إذا تحولت عملية التشكيل إلى ساحة لتوزيع النفوذ، فقد تصبح المفوضية نفسها هدفًا للصراع السياسي، بما يعطل الانتخابات ويطيل عمر الترتيبات الانتقالية. وبالتالي، فإن أهمية المفوضية لا تنبع فقط من دورها الفني في إدارة العملية الانتخابية، وإنما من موقعها داخل معادلة التوازن السياسي التي ستحدد قابلية نتائج الانتخابات للقبول.
كما أن تحديد سقف زمني للانتخابات يحمل أهمية أمنية لمصر، لأنه يضع مسارًا زمنيًا للخروج من حالة السيولة السياسية، إن الزمن وحده لا يمثل ضمانة لتنفيذ الاستحقاق. فإذا لم يترافق مع توحيد السلطة التنفيذية والمؤسسات الوطنية وحسم القوانين الانتخابية، فقد تتحول المهلة إلى مجرد إعداد سياسي جديد ينتهي دون انتخابات، ثم يبدأ التفاوض على تمديدها. ولذلك، فإن المؤشر الأكثر أهمية بالنسبة للقاهرة لن يكون الإعلان عن موعد الانتخابات، وإنما مراقبة قدرة الأطراف على تنفيذ المراحل السابقة لها ، وتحويل الإطار الزمني إلى خطوات عملية قابلة للتنفيذ.، سيكون الصراع متمثل في ثلاث حلقات مترابطة: اعتماد اتفاق 4+4, وإعادة تشكيل مفوضية الانتخابات، ثم تحويل السقف الزمني البالغ 24 شهرًا إلى جدول تنفيذي قابل للفرض على الأطراف. فإذا نجح مجلسا النواب والدولة في اعتماد الاتفاق وتوفير الغطاء المؤسسي له، فقد يتحول الاتفاق إلى مسار فعلي لإعادة بناء العملية الانتخابية. أما إذا تعذر التوافق، فإن احتمال انتقال الصراع إلى مستوى أعلى سيزداد، بحيث يصبح الخلاف ليس حول الانتخابات نفسها، وإنما حول من يحدد قواعدها، ومن يشكل الجهة المشرفة عليها، ومن يملك إعلان أن شروط إجرائها قد اكتملت.و ولذلك ، ستكون هذه النقطة الأكثر حساسية في تحديد طبيعة المسار السياسي المقبل؛ فإذا نجحت الأطراف في تحويل مخرجات 4+4 إلى ترتيبات مؤسسية مقبولة، فقد يمثل الاتفاق بداية فعلية للخروج من المرحلة الانتقالية. أما إذا ظل الخلاف قائمًا حول شرعية المخرجات، وتشكيل المفوضية، والقوانين الانتخابية، والقدرة على تنفيذ السقف الزمني، فقد يتحول الاتفاق بدلًا من ذلك إلى وسيلة لإعادة إنتاج المرحلة الانتقالية بصيغة جديدة.
