لم تعد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين في مجال الذكاء الاصطناعي مقتصرة على سباق تطوير النماذج المختلفة بشتى أنواعها، وإنما تحولت إلى منافسة شاملة على تشكيل النظام العالمي للذكاء الاصطناعي، بما يتضمن التحكم في سلاسل القيمة، والبنية التحتية للحوسبة، والمعايير التقنية، ونظم الحوكمة، والشراكات الدولية، وقدرة كل طرف على نشر تقنياته وبناء منظومة عالمية يكون هو المتحكم فيها.
وفي هذا السياق، تمتلك الولايات المتحدة السيطرة على التقنيات الحيوية وفقًا للتفوق التكنولوجي الذي استطاعت تحقيقه على مدار السنوات السابقة، وعلى رأسها الرقائق الإلكترونية المتقدمة ومعدات تصنيعها، والبنية التحتية للحوسبة، إلى جانب توظيف التحالفات الغربية لتأمين سلاسل الإمداد وتعزيز التعاون في البحث والتطوير ووضع المعايير. في المقابل، تعمل الصين على بناء نماذج مختلفه ترتكز على النماذج مفتوحة الأوزان، وخفض تكلفة الوصول إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتوسيع البنية التحتية الرقمية، وتدريب الكوادر، وبناء شراكات مؤسسية مع دول الجنوب العالمي.
الصين من تطوير التكنولوجيا إلى بناء منظومة نفوذ
تكشف التحركات الصينية الأخيرة أنها لا تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره قطاعًا اقتصاديًا وتكنولوجيًا فقط، وإنما باعتباره أداة لإعادة تشكيل موازين القوة الدولية. وقد عكست فعاليات المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي في شنجهاي هذا التوجه، من خلال الجمع بين التطور التقني للنماذج الصينية وبين بناء أطر مؤسسية دولية تستهدف توسيع دائرة التعاون والاعتماد على التكنولوجيا الصينية.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في ضوء طرح الرئيس الصيني شي جين بينج تصورًا لحوكمة عالمية للذكاء الاصطناعي يقوم على الانفتاح التكنولوجي، وتعزيز النماذج مفتوحة الأوزان، وإدارة المخاطر، واحترام التنوع الثقافي والقيمي، وتعزيز التعددية ودعم دول الجنوب العالمي في بناء قدراتها التكنولوجية.
ومن ثم، فإن بكين تسعى إلى الانتقال من موقع الدولة المنافسة في إنتاج التكنولوجيا إلى الدولة القادرة على التأثير في القواعد والمؤسسات التي تحكم انتشار التكنولوجيا عالميًا، من خلال تدريب 5000 خبير في الذكاء الاصطناعي من الدول النامية على مدى السنوات الخمس المقبلة؛ وإنشاء مراكز تعاون مع مجموعة البريكس، ورابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، ومنظمة شنجهاي للتعاون، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأفريقي، ومجموعة دول أمريكا اللاتينية والكاريبي (سيلاك)؛ وإتاحة نظام إنذار مبكر للأرصاد الجوية قائم على الذكاء الاصطناعي لـ 30 دولة. وبذلك، لم تُظهر الصين نفسها كمطورة للتكنولوجيا فحسب، بل كدولة تسعى إلى توفير القدرات والمعرفة والبنية التحتية لشركائها.
المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي في شنجهاي
عُقد المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي (WAIC 2026) في مدينة شنجهاي خلال الفترة من 17 إلى 20 يوليو 2026، بالتزامن مع الاجتماع رفيع المستوى بشأن الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي، بمشاركة دولية واسعة وأكثر من 140 منتدى متخصصًا. وتجاوزت أهمية المؤتمر البعد التقني، فقد تحوّل إلى منصة لطرح تصور صيني متكامل بشأن مستقبل الذكاء الاصطناعي، وركزت الرؤية التي طرحتها بكين على جعل الذكاء الاصطناعي مجالًا للتعاون الدولي، مع التأكيد على الانفتاح التكنولوجي، وتشجيع النماذج مفتوحة المصدر، وتوسيع إتاحة تقنيات الذكاء الاصطناعي أمام الدول النامية، إلى جانب وضع أطر قانونية وتنظيمية تضمن السلامة وإبقاء الأنظمة تحت السيطرة البشرية. كما ارتبط المؤتمر بتأسيس المنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي (WAICO)، بما يعكس سعي الصين إلى الانتقال من موقع المنافس التكنولوجي إلى موقع أكثر تأثيرًا في صياغة قواعد الحوكمة والمعايير الدولية للذكاء الاصطناعي.
وقد ألقى الرئيس الصيني شي جين بينج خطابًا لأول مرة في المؤتمر العالمي، واستهلّ شي خطابه بالإشارة إلى مؤتمر دارتموث عام 1956، حيث صِيغ مصطلح “الذكاء الاصطناعي”. باختياره حدثًا تاريخيًا أمريكيًا كنقطة انطلاق، أقرّ شي بالمساهمة التاريخية للولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه قدّم تطور الذكاء الاصطناعي كعملية عالمية تسعى الصين الآن إلى لعب دور ريادي فيها. شبّه شي الذكاء الاصطناعي بالثورات التي أحدثها المحرك البخاري والكهرباء والإنترنت، موضحًا أن الذكاء الاصطناعي تقنية ستعيد تشكيل الاقتصاد والمجتمع والنظام الدولي، وبالتالي تتطلب آليات حوكمة جديدة.
وحدد شي أربعة مبادئ للحوكمة العالمية لمجال الذكاء الاصطناعي:الانفتاح التكنولوجي وتعزيز النماذج مفتوحة الوزن، والتي تسمح للمستخدمين بتنزيل النماذج وتشغيلها بشكل مستقل وتكييفها مع احتياجاتهم؛ السلامة وإدارة المخاطر، إلى جانب انتقاد ضمني لتوسيع اعتبارات الأمن القومي في الولايات المتحدة لتبرير قيود التصدير؛ احترام التنوع الثقافي والقيمي بين الدول؛ والتعددية تحت قيادة الأمم المتحدة، إلى جانب مساعدة دول الجنوب العالمي في بناء القدرات.
ويمكن استخلاص أبرز التوجهات التي خرج بها المؤتمر في عدة محاور رئيسية:
(1) تعزيز الانفتاح والتعاون الدولي وتوسيع الوصول إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي، خاصة بالنسبة إلى دول الجنوب العالمي، بدل احتكار القدرات المتقدمة من جانب عدد محدود من الدول.
(2) تعزيز سلامة الذكاء الاصطناعي وإدارة مخاطره من خلال تطوير التشريعات، وآليات المراقبة والإنذار المبكر والاستجابة للطوارئ، مع التأكيد على بقاء الإنسان صاحب القرار النهائي.
(3) دعم بناء القدرات في الدول النامية عبر التدريب والتعاون في البنية التحتية والبحث العلمي؛ إذ أعلنت الصين عن توفير 5000 فرصة تدريبية في مجال الذكاء الاصطناعي للخبراء من الدول النامية خلال السنوات الخمس المقبلة، وإنشاء مراكز تعاون مع أطر مثل بريكس وآسيان والاتحاد الأفريقي.
(4) إتاحة نظام للإنذار المبكر بالأرصاد الجوية قائم على الذكاء الاصطناعي لـ30 دولة.
ومن منظور استراتيجي، تعكس هذه التوصيات محاولة صينية لربط التكنولوجيا بالحوكمة وبناء القدرات والشراكات الدولية، بما يمنح بكين أدوات إضافية للتأثير في النظام العالمي للذكاء الاصطناعي.
WAICO كأداة لبناء نفوذ تكنولوجي صيني
يمثل إنشاء المنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي (WAICO) أحد أبرز مظاهر هذا التوجه. فالمنظمة لا تقتصر أهميتها على كونها إطارًا للتعاون التقني، وإنما يمكن النظر إليها باعتبارها جزءًا من استراتيجية أوسع لتأسيس بنية مؤسسية دولية يكون للصين فيها دور قيادي.
وتستهدف المنظمة مجالات متعددة تشمل تدريب الكوادر، والبحوث المشتركة، ووضع المعايير، وتقليص الفجوة الرقمية، وتوسيع الوصول إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي. وبالتالي، فإن أهمية WAICO بالنسبة لبكين تكمن في قدرتها المحتملة على ربط التكنولوجيا الصينية بالشراكات الدولية والمعايير والمؤسسات، بما قد يحول الانتشار التقني إلى نفوذ سياسي واقتصادي طويل الأجل.
لكن من المهم، من منظور تحليلي، عدم المبالغة في تقدير تأثير المنظمة في الوقت الراهن؛ إذ لا تزال بنيتها المؤسسية وآليات عملها ومواردها بحاجة إلى الاختبار العملي، وبالتالي فإن وزنها الحقيقي سيتحدد بمدى قدرتها على جذب الدول والموارد والمطورين وتحويل المبادرة السياسية إلى منظومة تعاون مستدامة.
النموذج الصيني: التكنولوجيا كوسيلة للنفوذ
لا يمكن أن تنجح الاستراتيجية الصينية من دون قاعدة تكنولوجية قادرة على المنافسة. ولهذا تكتسب نماذج مثل DeepSeek و Qwen و GLM وERNIE، إلى جانب Kimi K3، أهمية تتجاوز حدود الأداء التقني.
فالنموذج الصيني الذي يجمع بين الأداء المقبول أو التنافسي، وانخفاض التكلفة، وإتاحة الأوزان، وسهولة الوصول يمكن أن يكون أكثر جاذبية لعدد من الدول والمؤسسات التي لا تستطيع تحمل تكلفة الاعتماد على النماذج الغربية الأكثر تطورًا أو لا ترغب في الارتهان لمزود تكنولوجي واحد.
ومن منظور النفوذ الدولي، لا يشترط أن تتفوق الصين على الولايات المتحدة في جميع مؤشرات الأداء حتى تحقق مكاسب استراتيجية؛ إذ يمكن أن يتحول الانتشار الواسع لنماذجها إلى مصدر قوة بحد ذاته. فكلما زاد عدد المطورين والجامعات والشركات والدول التي تبني تطبيقاتها وقدراتها المحلية على هذه النماذج، نشأت منظومة تقنية يصعب الانتقال منها إلى بدائل أخرى، وهو ما قد يؤدي تدريجيًا إلى تكوين اعتماد تكنولوجي طويل الأجل على البيئة الصينية.
التفوق التكنولوجي الإسرائيلي:
إن المنافسة الأمريكية – الصينية في الذكاء الاصطناعي لها أهمية خاصة بالنسبة لإسرائيل؛ لأن التفوق التكنولوجي الإسرائيلي يرتبط بصورة وثيقة بالوصول إلى التكنولوجيا الأمريكية، والرقائق المتقدمة، والبنية التحتية للحوسبة، والبحث العلمي، وشبكات الابتكار الدولية.
ومن ثم، فإن التحول في الذكاء الاصطناعي من مجال اقتصادي إلى مورد استراتيجي مرتبط بالأمن القومي يضع إسرائيل أمام معادلة أكثر تعقيدًا. فاختيارها لمصادر التكنولوجيا ونماذج الذكاء الاصطناعي لم يعد قرارًا تجاريًا بحتًا، وإنما أصبح مرتبطًا بعلاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وأمن سلاسل الإمداد، وحماية البيانات، والأمن السيبراني، واستقلالية القرار التكنولوجي.
وفي هذا الإطار، تبدو مشاركة إسرائيل في الأطر التكنولوجية التي تقودها الولايات المتحدة، ومن بينها مبادرة Pax Silica ، التي جعلت العلاقة بينهما أكثر انسجامًا مع موقعها الاستراتيجي داخل المنظومة الغربية، خصوصًا في مجالات الرقائق، والحوسبة، وسلاسل التوريد والبحث والتطوير.
مشكلة النماذج الصينية أمام إسرائيل
لا يمكن لإسرائيل تجاهل النماذج الصينية، خصوصًا إذا استمرت في تقديم مستويات أداء تنافسية بتكاليف أقل وبدرجة أكبر من سهولة الوصول، وقد يكون استخدام التكنولوجيا الصينية مفيدًا اقتصاديًا وتقنيًا على المدى القصير، لكنه قد ينتج عنه اعتماد تكنولوجي واستراتيجي على المدى الطويل.
وتزداد حساسية هذا الأمر عندما يتعلق الأمر بالأنظمة الحكومية، والبنية التحتية الحيوية، والقطاعات الدفاعية والأمنية؛ إذ لا تكفي كفاءة النموذج وحدها للحكم على صلاحيته، وإنما يجب تقييم مصدره، وبيئة تشغيله، وأمن البيانات، ودرجة شفافية تطويره، وإمكانات الاعتماد طويل الأجل عليه.
ولهذا، فإن عدم انضمام إسرائيل في المرحلة الحالية إلى WAICO يمكن فهمه في ضوء حسابات أوسع تتعلق بتجنب خلق تناقض بين ارتباطها الاستراتيجي بالولايات المتحدة وبين الانخراط المؤسسي في إطار تقوده الصين في قطاع أصبح أحد أهم ميادين التنافس بين القوتين.
يمكن تلخيص الموقف الإسرائيلي في ثلاث دوائر رئيسية:
أولًا: دائرة التحالفات.
من المرجح أن تستمر إسرائيل في تعزيز اندماجها داخل المنظومة التكنولوجية الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، للحفاظ على وصولها إلى الرقائق المتقدمة والبنية التحتية للحوسبة والتقنيات الحيوية.
ثانيًا: دائرة المراقبة والاحتواء.
لن يكون من الحكمة تجاهل التطور المؤسسي الصيني، ولذلك تحتاج إسرائيل إلى متابعة تطور WAICO، والدول المنضمة إليها، والمعايير التي ستتبناها، والشراكات التي ستنشئها، ومدى قدرتها على التحول إلى مؤسسة مؤثرة في النظام الدولي للذكاء الاصطناعي.
ثالثًا: دائرة الأمن التكنولوجي الداخلي.
تحتاج إسرائيل إلى وضع إطار وطني واضح للتعامل مع نماذج الذكاء الاصطناعي الأجنبية، بحيث تخضع النماذج المستخدمة في المؤسسات الحكومية والقطاعات الحساسة والدفاعية لتقييمات مسبقة للمخاطر، مع مراقبة مستويات الاعتماد عليها داخل الاقتصاد الإسرائيلي.
الخاتمة
المنافسة الأمريكية – الصينية في الذكاء الاصطناعي تمثل بالنسبة لإسرائيل أكثر من مجرد سباق تكنولوجي، إنها منافسة على البيئة الاستراتيجية.
فالولايات المتحدة تراهن على التفوق التكنولوجي والتحالفات وسلاسل القيمة، بينما تراهن الصين على الانتشار، وخفض التكلفة، والنماذج مفتوحة الأوزان، والتدريب، والمؤسسات الدولية. ومن ثم، فإن المعركة الحقيقية قد لا تكون حول أي نموذج هو الأفضل تقنيًا فحسب، وإنما حول أي منظومة تكنولوجية ستصبح أكثر انتشارًا وقدرة على تشكيل المعايير والاعتماد الدولي.
أحدث المنشورات
- التنافس الأمريكي – الصيني في الذكاء الاصطناعي التداعيات الاستراتيجية على إسرائيل
- السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية من إدارة الصراع إلى الضم الفعلي وإعادة إنتاج الجغرافيا
- القرن الأفريقي في مرحلة إعادة تشكيل القوة
- اتفاق مكة الدفاعي وانعكاساته على الأمن الإقليمي ( تقدير موقف)
- إفريقيا في مرآة الأمن القومي المصري (قراءة أسبوعية)
- أزمة السودان في الصحافة العالمية: الجيش يتقدم و”الدعم” يرتكب الإبادة
- إثيوبيا في اوراق بحثية: فشل الرهانات الإقليمية وداخل قابل للانفجار
- انتخابات التجديد النصفي الأمريكية 2026 في الصحافة الإيرانية بين فرصة الضغط على ترامب وخطر التصعيد
الثلاثاء, 25 أغسطس
