د. خلود عبد الحفيظ

pin up pinup

باحثة في وحدة الدراسات الإيرانية

شكل اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي إثر الحملة الأمريكية الإسرائيلية على إيران نقطة تحول مفصلية في بنية النظام السياسي الإيراني، فبمقتل رأس الهرم الدستوري والديني، أصبح منصب الولي الفقيه شاغرًا في لحظة حرب وضغط إستراتيجي غير مسبوقة، ما يستتبع انتخاب قائد أعلى جديد للبلاد لملء هذا الشغور الذي لم يسبق له مثيل في عمر الجمهورية الإسلامية.

المرشد في الدستور

طبقًا للمادة 111 من الدستور الإيراني، يتولى مجلس خبراء القيادة تعيين القائد الجديد وإعلان ذلك في أسرع وقت ممكن إذا شغر المنصب بسبب وفاة أو استقالة أو عزل، وحتى يتم الاختيار، يتم تشكيل مجلس مؤقت يتكون من رئيس الجمهورية، ورئيس السلطة القضائية، وأحد فقهاء مجلس صيانة الدستور على أن ينتخب من قبل مجمع تشخيص مصلحة النظام.

ويضم المجلس المؤقت الحالي الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وآية الله علي رضا أعرافي أحد فقهاء مجلس صيانة الدستور، وغلام حسين محسني إيجئي رئيس السلطة القضائية، غير أن الواقع السياسي يشير إلى أن علي لاريجاني، بصفته أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، يتصدر عمليًا إدارة المشهد وفق المادة 176 من الدستور، خصوصًا أنه قد تم تعيينه قبل وفاة خامنئي وأوكلت إليه صلاحيات واسعة في ظل أجواء ما بعد حرب الـ12 يوم.

وقد عزز علي لاريجاني الذي درس فلسفة إيمانويل كانط، ويحظى بثقة الحرس الثوري، ويجمع في علاقاته الوطيدة بين تياري المحافظين والإصلاحيين، هذا الانطباع بتصريحاته الحاسمة، ومنها موقفه المعلن في 1 مارس 2026 برفض التفاوض مع الولايات المتحدة ورفض الوساطات العربية في الظرف الراهن.

القيادة المؤقتة

تنص المادة 111 على انتقال منظم للسلطة عبر مجلس خبراء القيادة بما يحفظ استمرارية النظام ويمنع الفراغ، ويعكس تشكيل مجلس الشورى المؤقت رغبة واضعي الدستور في ضمان استقرار فوري، بحيث لا تتعطل مؤسسات الدولة في لحظة حساسة.

إلا أن الحرب تفرض واقعًا مختلفًا؛ فإدارة القرار الأمني والعسكري تصبح أولوية قصوى، ما يمنح المجلس الأعلى للأمن القومي دورًا مركزيًا. ومن هنا يبرز علي لاريجاني كفاعل محوري إذ تحول من موقع تنسيقي إلى مركز ثقل سياسي مستندًا إلى شبكة علاقات واسعة داخل النخبة المحافظة.

هذا التباين بين النص الدستوري وموازين القوى الفعلية لا يعني تعطيل الدستور، بل يعكس مرونة النظام في لحظات الطوارئ، فالتاريخ السياسي الإيراني بعد 1979 يظهر قدرة المؤسسات على التكيف مع بقاء المرجعية الدستورية غطاءً شرعيًا لأي إعادة توزيع للأدوار.

مراكز القوى ودور الحرس الثوري

لا شك أن الحرس الثوري الإيراني سيكون فاعلًا رئيسيًا في ترتيب مرحلة ما بعد خامنئي، حيث يذهب بعض الباحثين إلى حد اعتبار أن للحرس الكلمة النافذة الأولى والأخيرة في مسألة الخلافة غير أن هذا التوصيف يتجاهل طبيعة النظام الإيراني فالحرس وفق المادة 150 من الدستور أُنشئ لحفظ الثورة ومكاسبها، وهو مؤسسة عقائدية تدين بالولاء لولاية الفقيه والنخبة الدينية الحاكمة.

وعلى هذا لا يمكن مقارنته بمؤسسات عسكرية في أنظمة أخرى تسعى للوصول إلى السلطة فشرعيته مستمدة من حماية النظام لا الحلول محله. ومع ذلك، فإن قرب بعض قادته من دوائر القرار الديني والسياسي يتيح لهم التأثير عبر المشورة، أو ترجيح كفة مرشح بعينه تحت مظلة حفظ الدولة في هذه المرحلة المفصلية.

إلى جانب الحرس يظل مجلس الخبراء ومجلس صيانة الدستور ومجمع تشخيص مصلحة النظام أطرافًا دستورية لا يمكن تجاوزها، وقد يسعى بعض رجال الدين النافذين إلى الاستعانة بالحرس لترجيح مرشح على آخر، لكن القرار النهائي سيحتاج توافقًا أوسع داخل النخبة تجنبًا لشرخ داخلي في لحظة حرب.

سيناريوهات اختيار المرشد الجديد

السيناريو الأول: الانتقال السلمي التقليدي، حيث يعقد مجلس الخبراء جلسة ويعلن المرشد الجديد سريعًا، وسط دعم مؤسسات الدولة. هذا السيناريو يفترض استمرار الوضع الطبيعي وتفعيل الدستور بصورة كاملة، مع نقاشات حقيقية حول توافر الشروط الشرعية والسياسية في المرشح.

السيناريو الثاني: تنفيذ “وصية” محتملة لخامنئي بتحديد خليفته مسبقًا، هنا ستكون المداولات أقرب إلى نقاشات شكلية لتثبيت خيار معد سلفًا. غير أن هذا الاحتمال قد يواجه تحديات إذا رأت مؤسسات نافذة كالحرس أو مجلس الخبراء ضرورة ممارسة صلاحياتها كاملة دون التقيد بتوصية مسبقة.

السيناريو الثالث: شغور المنصب لفترة نتيجة خلاف داخل مجلس الخبراء أو بينه وبين الحرس لكن في ظل الحرب، يبدو هذا الاحتمال أقل ترجيحًا لأن استمرار الفراغ قد يفسر كونه ضعفًا إستراتيجيًا في منظومة الحكم بالبلاد وقد يعطي إشارات غير مرغوبة إيرانيا للولايات المتحدة وإسرائيل بتصعيد وتيرة الضربات العسكرية.

تتفاقم المسألة بسبب غياب شخصية كاريزمية من جيل المؤسسين، فالأسماء المطروحة وعلى رأسها أعرافي لا تتمتع بإجماع واسع، أما مجتبى خامنئي فرغم علاقاته الواسعة فإن فكرة “التوريث” قد تتسبب في انقسام عميق داخل النخبة، كما أن وفاة إبراهيم رئيسي في حادث المروحية في مايو 2024 أزاحت أحد أبرز المرشحين الأقوياء المحتملين ما زاد من تعقيد المشهد.

خاتمة:

إن اغتيال علي خامنئي في ظل حرب مفتوحة يضع النظام الإيراني أمام اختبار غير مسبوق، وبينما يوفر الدستور آلية واضحة لانتقال السلطة، فإن موازين القوى الفعلية ودور الحرس الثوري وثقل شخصيات مثل لاريجاني ستؤثر في كيفية تطبيق هذه الآلية، وبالرغم من تعدد السيناريوهات يبدو أن السيناريو الأرجح هو أن يكون المرشد قد حدد خليفته سلفًا، وأن يتم إعلان الاسم سريعًا لتفادي أي فراغ يهدد تماسك الدولة غير أن مرحلة ما بعد خامنئي ستظل مختلفة إذ تنتهي حقبة المرشدين الأقوياء من جيل المؤسسين لتبدأ مرحلة قد تتسم بتوازنات أكثر هشاشة، أو توازنات مفتوحة على كل الاحتمالات.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version