د.مروة إبراهيم
الوجود الإثيوبي في الصومال: كيف استغلت إثيوبيا ورقة “حركة الشباب” لتثبيت نفوذها؟
تعود جذور الوجود العسكري الإثيوبي في الصومال إلى محطات مبكرة أعقبت انهيار الدولة المركزية عام 1991م، وتكررت عبر توغلات متكررة خلال التسعينيات، ولم يكن هذا الوجود الميداني مجرد تحرك أمني لمواجهة التهديدات، بل أتى امتداداً لنهج “إدارة التفتيت واستغلال الشقاق الداخلي” الذي اعتمدت عليه إثيوبيا تاريخياً في إدارتها لملفات الإقليم، وتحول بشكل رسمي ومؤسسي مع التدخل المباشر في أواخر عام 2006م. وقد امتد هذا الوجود لاحقاً عبر مسارين رئيسيين: المشاركة في بعثات حفظ السلام الإفريقية (وصولاً إلى بعثة “AUSSOM” الحالية) والترتيبات الثنائية المباشرة مع مقديشو.
وفي هذا السياق، اتخذت أديس أبابا من مواجهة خطر “حركة الشباب” المتطرفة غطاءً استراتيجياً للتمركز والتغلغل في مناطق حيوية بالوسط والجنوب الصومالي، لا سيما في ولايتي هيرشبيلي وجنوب غرب الصومال (حيث تنفذ عمليات استباقية وتحمي طرق الإمداد، وفقاً لتقارير الاتحاد الإفريقي، ومراكز الأبحاث، ومجلس الأمن الدولي)، متوسعةً لاحقاً في دعم النزعات الانقلابية وتشكيل كيانات هشة ومناطق عازلة، غير أن هذا الوجود بات يواجه اليوم أزمة وجودية وخطوة انسحاب مرتقبة اضطرت إليها أديس أبابا بفعل الاصطدام بعدة أزمات أمنية وعسكرية من الداخل والخارج أيضاً.
محاولات متكررة للانسحاب الإثيوبي إثر حروب أهلية طاحنة وأزمات إنسانية
شهدت إثيوبيا خلال السنوات الأخيرة محاولات عدة دفعتها مراراً للانسحاب وتفكيك وإعادة توزيع القوات والموارد العسكرية المتاحة لمحاولة السيطرة على الانهيارات الداخلية، حيث لم تكن محاولات الانسحاب الإثيوبي من الصومال، وليدة الأزمة الدبلوماسية الحالية فحسب، بل هي امتداد لمسار طويل من التحديات والحروب والأزمات الإنسانية التي طالما أرخت بظلالها على التدخلات العسكرية لأديس أبابا في الخارج، أبرزها خلال مواجهة النزاعات الداخلية والحروب الدامية التي كانت أكثرها تعقيداً في تاريخها الحديث، بدءاً من الحرب الواسعة التي اندلعت في إقليم تيجراي في نوفمبر 2020م، والتي خلّفت مئات الآلاف من الضحايا، وتسببت في دمار هائل بالبنية التحتية، وأزمة إنسانية غير مسبوقة اتسمت بنزوح ملايين السكان ومجاعة واسعة النطاق. ورغم توقيع اتفاقية سلام بريتوريا في نهاية عام 2022م، إلا أن الجبهات الداخلية لم تهدأ بالكامل؛ حيث تجددت الاشتباكات والتوترات بشكل متكرر، وامتدت شرارة العنف لتشمل أقاليم أخرى كبرى مثل إقليم أمهرا عبر المواجهات الضارية بين القوات الحكومية ومجموعات “فانو” المسلحة، إلى جانب النزاعات العرقية المتفرقة والتوترات المستمرة مع إريتريا. ويضاف إلى ذلك كله ما يحدث حاليًا من تكرار الاستنزاف الميداني الذي تواجهه الحكومة الإثيوبية، يشمل تجدد الاشتباكات في إقليم تيجراي، وتوترات على الحدود مع إريتريا، ومواجهات مستمرة مع مجموعات مسلحة، مما يجبر أديس أبابا في نهاية المطاف على إعادة ترتيب أولوياتها العسكرية والاضطرار لتخفيف أعبائها الخارجية.
الضغوط الجيوسياسة تعيد حسابات إثيوبيا لوجودها العسكري في الصومال
تمثل خطوة الانسحاب العسكري الإثيوبي المرتقب من الصومال ضمن شبكة معقدة من التوترات الإقليمية والداخلية؛ إذ يتزامن مع أزمة دبلوماسية حادة بين أديس أبابا ومقديشو على خلفية مذكرة التفاهم المثيرة للجدل الموقعة مع إقليم أرض الصومال (صومالاند)، وهو ما حوّل الوجود العسكري الإثيوبي في الصومال إلى محور تجاذب سياسي ومطالبات صومالية متكررة. وفي إطار هذا، تحول هذا الوجود العسكري الذي لطالما نُظر إليه كدرع أمني وحليف رئيس لمحاربة “حركة الشباب” إلى ورقة تفاوض وابتزاز دبلوماسي موضع شك ورفض سياسي؛ مما وضع الحكومة الصومالية في مأزق دقيق بين حاجتها الميدانية الماسة لهذه القوات لملء الفراغ، وسعيها السيادي لإنهاء أي تواجد لبلد يهدد من وحدتها. ويأتي هذا التوقيت الحساس في ظل حراك دبلوماسي وأمني مكثف يجمع أطرافاً إقليمية على خصومة مع أديس أبابا، وتحديداً عبر التنسيق المتنامي في محور قمة العلمين التي جمعت مصر والسودان وإريتريا والصومال.
الشبهات المثارة حول الانسحاب الإثيوبي وتداعيات الفراغ الأمني
بالرغم من أن قرار الانسحاب الإثيوبي يكتنفه الغموض وذلك مع غياب التأكيد الرسمي حتى الآن؛ حيث لم يصدر أي تأكيد رسمي لهذه الخطة من قبل الحكومة الإثيوبية أو الصومالية أو قيادة الاتحاد الإفريقي. وفي ذات السياق، صرح مسؤول في وزارة الدفاع الصومالية لوكالة بلومبرغ بأن مقديشو لم تلقَ أي إخطار رسمي من أديس أبابا بشأن انسحاب محتمل للقوات. كما يكتنف الغموض تفاصيل الوحدات المشمولة بالانسحاب، وما إذا كان القرار سيؤثر على القوات الثنائية أم تلك العاملة تحت مظلة الاتحاد الإفريقي، وكيفية سد الفراغ المحتمل. وفي المقابل تتردد في كواليس السياسة والإعلام بعض الشبهات والتكهنات حول تداعيات التحركات الإثيوبية، ويبدو المشهد الميداني جلياً في كون أديس أبابا تخوض صراعاً دموياً وعداءً مستمراً مع “حركة الشباب”، لا سيما بعد نجاح التنظيم في اختراق الحدود وشن هجمات مباشرة داخل الأراضي الإثيوبية عام 2022م. ومن هذا المنطلق، فإن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في صحة تلك التكهنات الموجهة، بل في “المكاسب الضمنية” التي قد تحصدها الحركات المتطرفة من أي فراغ أمني محتمل؛ إذ يحذر الخبراء من أن أي انسحاب فجائي للقوات الإثيوبية سيخلق ثغرات ميدانية حرجة في الولايات الصومالية، وهي بيئة خصبة تسارع الجماعات الإرهابية لاستغلالها بغض النظر عن طبيعة الصراعات أو العداء التاريخي، مما يضع أديس أبابا أمام معادلة بالغة الصعوبة تدفعها للموازنة بين إطفاء نيران جبهاتها الداخلية وحماية استقرار محيطها الإقليمي.
سيناريوهات المستقبل ومآلات الأزمة
في ظل هذا التقاطع المعقد بين الضغوط الداخلية والتهديدات الإقليمية، تتعدد السيناريوهات المحتملة لمستقبل الوجود العسكري الإثيوبي في الصومال وتداعياته على المنطقة. يتمثل السيناريو الأول في “الانسحاب التكتيكي الجزئي”، حيث تعمد أديس أبابا إلى سحب جزء من قواتها المنشورة وفق الترتيبات الثنائية، أو إعادة توجيه بعض وحداتها العاملة ضمن بعثة الاتحاد الإفريقي بطريقة مدروسة لتجنب إحداث صدمة أمنية مفاجئة، بالتوازي مع محاولة تسليم المواقع للجيش الصومالي أو لقوات بديلة.
أما السيناريو الثاني والأكثر خطورة، فهو “الانسحاب الفجائي المشتعل” تحت وطأة الانهيار الميداني الداخلي المتفاقم؛ وهو سيناريو ينذر بحدوث فراغ أمني واسع النطاق تتأهب “حركة الشباب” لاستغلاله. إذ يُتوقع أن تتجنب الحركة المواجهة المباشرة لاقتحام المدن الكبرى في البداية، مكتفية بالامتداد التدريجي وتوسيع رقعة نفوذها في المناطق الريفية وشبكات الطرق الاستراتيجية المحيطة بها. ومن شأن هذا التموضع البديل أن يُمكنها تدريجياً من خنق الحاميات العسكرية وعزلها، وقطع خطوط الإمداد الحيوي عن الحكومة، فضلاً عن تعزيز مواردها المالية عبر فرض الضرائب وتكثيف عمليات التجنيد؛ مما يحول الفراغ الناتج عن الانسحاب إلى فرصة ذهبية لإعادة بناء قوتها العسكرية، وبالتالي إعادة خلط الأوراق الإقليمية، ودفع مقديشو وحلفائها الإقليميين والدوليين إلى إعادة هندسة المشهد الأمني في القرن الإفريقي برمته بمعزل عن أديس أبابا.
في الختام، يُجسد التلويح بسحب آلاف الجنود الإثيوبيين من الصومال انعكاساً صارخاً لحجم المأزق الوجودي والضغوط الميدانية المتصاعدة التي تواجهها أديس أبابا على جبهاتها الداخلية. فبينما تحاول الحكومة الفيدرالية احتواء نيران الصراعات الدامية والاضطرابات المشتعلة في الداخل — بدءاً من شمال البلاد وصولاً إلى امتدادات التوتر مع الجوار الإقليمي — تأتي هذه الخطوة لتكشف عن كلفة باهظة تدفعها المؤسسة العسكرية في إعادة ترتيب أولوياتها على حساب الاستقرار الإقليمي. ومع غياب التنسيق الرسمي واتساع رقعة الغموض حول مصير الفراغ الأمني المحتمل، تبدو منطقة القرن الإفريقي برمتها وكأنها تقف أمام مفترق طرق حرج، تتقاطع فيه تداعيات الحروب الداخلية مع هشاشة التوازنات الجيوسياسية، مما يضع استقرار المنطقة بأكملها على المحك.
