تداولت المواقع الصحيفة الإسرائيلية أخبارًا عن نية طائفة “ساتامار” اليهودية الحسيدية توزيع ملايين الشواكل على آلاف العائلات المنتمية إلى هذه الطائفة، التي تعلن عدم مشاركتها في انتخابات الكنيست، كجزء من حملة الحسيديم الرسمية ضد المشاركة في الانتخابات الإسرائيلية.
بموجب هذا الإعلان، ستحصل كل عائلة قامت بالتسجيل في سجلات “القوائم الطاهرة” المخصصة لهذا الغرض على شيك بقيمة ٢٠٠ دولار، بشرط الإعلانٌ الصريحٌ من أفراد الأسرة بأنهم لن يصوتوا في الانتخابات المقبلة، حيث يُعدّ الامتناع عن التصويت في الانتخابات تقليدًا راسخًا منذ سنوات.
وسيقوم بتمويل هذه الحملة مجموعة من الحاخامات المقيمين في الخارج وأبرزهم “يوئيل لاندو”، تمت الموافقة على هذه الخطوة قبل حلول عيد المظال حتى تتمكن العائلات من الحصول عليها قبل العيد.
ويُعدّ توزيع هذه الأموال جزءًا من حملة أوسع تشنّها الحركة الحسيدية ضد إسرائيل ومؤسساتها، ويُشكّل الامتناع عن المشاركة في انتخابات الكنيست ركنًا أساسيًا في التوجه الأيديولوجي لحركة ساتمار منذ قيام إسرائيل 1948م.
وكان الحاخام “آرون تيتلباوم” زعيم طائفة ساتمار خارج إسرائيل، قد أعرب عن استياؤه من التراجع الروحي الهائل في صفوف أتباعه من المتشددين دينيًا، وقال لا يمكن أن يكون هناك “حل وسط” حول قضية تجنيد طلاب المعاهد الدينية، بعد ما لاحظه على بعض أتباعه من إعجاب متزايد بإسرائيل وجيشتها وإنجازاتها السياسية والعسكرية وكلامهم عن ذكاء رئيس حكومتها، مطالبا إياهم بالحفاظ على خط الطائفة المتشدد المناهض للصهيونية، وقال لهم: “لا علاقة لنا بالصهيونية، ولا علاقة لنا بحروبهم، ولا علاقة لنا (بدولة) إسرائيل، سنواصل حربنا ضد الصهيونية وكل ما يتعلق بها، واعتبرها حربهم المقدسة.
طائفة ساتامار ومعارضة الحركة الصهيونية وإسرائيل
تُعد جماعة ساتمار إحدى أكبر الجماعات الحسيدية في العالم، وهي مناهضة بشدة للحركة الصهيونية ولا تعترف بإسرائيل، وترى أنه لا يجب أن تكون هناك دولة يهودية قبل ظهور المسيح المنتظر.
واسم الطائفة هو اسم محكمة يهودية أسسها الحاخام يوئيل تيتلبوم عام ١٩٠٥م في مدينة ساتو ماري في رومانيا الحالية وانتقلت بعد الحرب العالمية الثانية إلى نيويورك التي أصبحت من أكبر المراكز الحسيدية في العالم.
ومن أبرز سمات حركة ساتمار الحسيدية نضالها الشرس ضد إسرائيل والمشروع الصهيوني، متبعة في ذلك منهج مؤسسها يوئيل تيتلبوم عام 1905م، وكان يرى في الصهيونية أصل كل شر والسبب الرئيسي لكل المصائب التي حلت باليهود في 100عام سابقة على هذا التاريخ.
وله في ذلك مقولة شهيرة: “لو جمعنا كل عيوب هذا الجيل والذنوب الكثيرة التي اقترفها كل العالم، ووضعناها في كفة، وإسرائيل (الدولة الصهيونية بحسب تعبيره) في الكفة الأخرى، لرجحت كفة الصهيونية، وهي أصل كل فساد في العالم أجمع”.
وعكف على تأليف كتاب شامل يحتوي على ثلاث مقالات، تُبرهن الأولى بشكل قاطع على تحريم إقامة إسرائيل بالنسبة لليهودي المتدين، ولم تلقَ قبولًا عند عامة اليهود القوميين ولا المتشددين الحريديم، ومقالًا آخر لتبرير وجوب أداء فريضة الاستيطان في أرض إسرائيل اليوم، وخلص فيه إلى أن هذه الفريضة تنطبق عندما يكون الهدف هو الالتزام بالتوراة والوصايا وليس كوسيلة لتعزيز السيطرة على الأرض أو احتلالها، وثالثة يشرح فيها موقفه المعارض لاستخدام اللغة العبرية الحديثة (المحكية) كلغة تحدث يومية ويستبدلونها بالييديشية.
ورغم ذلك فقد أظهر للحاخام يوئيل سلوكًا براجماتيًا في بعض المواقف، وكان أتباع طائفة ناتوري كارتا أكثر تشددًا منه في كثير من القضايا؛ فلم يعترض على المشاركة في الانتخابات البلدية (المحليات) على سبيل المثال واعتبرها أشبه بانتخابات لجنة مجلس محلي، ولم يستطع البتّ في ميزانيات الكنس أو القرارات المتعلقة بالقتل، وعارض المظاهرات ضد إسرائيل خلال يونيو 1967م، وعلى عكس ناتوري كارتا، لم يلتقِ هو أو أتباعه بأي من الفصائل الفلسطينية أو الحركات الجهادية ولم يدعموها، وكان موقفهم مستقل ضد إسرائيل خلال طوفان الأقصى، عارضوا المظاهرات المشتركة التي نظمها أتباع ناتوري كارتا والفلسطينيون وأنصارهم أو مؤيدو حماس، واصفًا إياها بـ”التجديف” (الكُفر).
طائفة ساتمار في إسرائيل
يعتبر أتباع طائفة ساتمار الحسيديون وجود إسرائيل خطيئة كبرى وتمرّد على الإرادة الإلهية، ويرون في الصهيونية محاولة لاستبدال الهوية الدينية بهوية قومية علمانية، ويرفضون رفضاً قاطعاً في انتخابات الكنيست (ترشيحاً أو تصويتاً)، تلقي أي تمويل أو مخصصات مالية من الحكومة الإسرائيلية لمدارسهم ومعاهدهم الدينية.
ويُقدّمون أنفسهم كحُماة فكريين لطائفة اليهود الحريديم وهم أكبر المتبرعين لها على مستوى الأفراد والمؤسسات الحريدية التي لا تتلقى ميزانيات من إسرائيل، ويتجنب حسيديو طائفة ساتمار زيارة حائط البراق (المبكى) منذ عام 1967م خشية أن يُعدّ ذلك اعترافًا بإسرائيل أو يمنحها الشرعية.
ويقع كنيس ساتمار القديم في القدس “أوهيل راحيل” (نسبةً إلى ابنة الحاخام يوئيل) في حي بني براك، ويعيش داخل مجمع ساتمار السكني في القدس حوالي خمسمائة عائلة ينتمي معظمهم إلى فصيلين تابعين لحاخامين مختلفين، ويدرسون في مدارس تلمودية (تلمود توراة) ومعاهد دينية (يشيفوت)، وتوجد تجمعات أصغر في إلعاد وبيت شيمش.
وتدير طائفة ساتمار الحسيدية في بني براك منظمة خيرية تُسمى “هاتامار”، تُوزع الطعام والمستلزمات على المستشفيات، ويشتهر الكنيس القديم بالاحتجاجات التي تنطلق منه، ولا سيما حادثة عام 2005م عندما اقتحمت الشرطة الموقع عقب مظاهرة ضد تدنيس القبور على أحد الطرق، وفي مايو 2020م، نشب خلاف داخلي في هذه الطائفة بين أنصار الحاخام أهارون وأنصار ابن أخيه الحاخام حاييم هيرش، تصاعد التوتر بين الطرفين إلى مواجهات عنيفة.
تأثير المال الحسيدي على الانتخابات والمجتمع في إسرائيل
تُخصص طائفة ساتمار الحسيدية أموالاً تُعرف بمنحة “الشيكل الطاهر”، لدفع أتباعها والطلاب الحريديين في إسرائيل للامتناع عن التصويت في انتخابات الكنيست، وتهدف هذه الحملات إلى تقليص نسبة المشاركة في الحياة السياسية داخل إسرائيل، وقد أدت إلى جدل قانوني وسياسي واسع، دفع لجنة المحكمة العليا في إسرائيل إلى إصدار أوامر مؤقتة، تمنع دفع أموال للناخبين واعتبارها شكلاً من أشكال التأثير غير القانوني أو الرشاوى الانتخابية، التي تحكمها مجموعة من قوانين الأساس التي تشرف على تنفيذها عليها لجنة الانتخابات المركزية ومراقب الدولة، ولذلك تُصنف المحاكم الإسرائيلية ولجنة الانتخابات الأموال التي تدفعها جمعيات مثل الشيكل الطاهر (التابعة لساتمار) شبهة رشوة انتخابية أو محاولة غير قانونية للتدخل في الانتخابات، وقد شهدت جولات الانتخابات الإسرائيلية المتعاقبة صدامات قانونية متزايداً بين السلطات وهذه الجمعية، خاصة وأن الطائفة تعتمد على منظومة اقتصادية عالمية مستقلة بالكامل في تمويل مؤسساتها، حتى أنها تُعرف بأغنى الإمبراطوريات الدينية اليهودية في العالم.
ويمكن إيجاز تأثير هذه المنح، في خسارة مقاعد مضمونة للكتلة الحريدية واليمينية بحجب آلاف الأصوات المنتمين لساتمار والأوساط القريبة منها، وقد يؤدي ذلك إلى صعوبة في بلوغ نسبة الحسم نتيجة انخفاض إجمالي عدد الأصوات وتغيير الخارطة السياسية نتيجة الاستفادة غير المباشرة للأحزاب غير المتدينة، وتقليص حجم الكتلة المتشددة دينيًا داخل الكنيست؛ ما يؤدي إلى الحد من النفوذ اليميني المتشدد دينيًا في الحكومة الإسرائيلية، إضافة إلى زيادة التوتر الداخلي بين المتشددين دينيًا والمزيد من الانقسام الشارع الإسرائيلي.
