محمود سامح همام
في خطوة تعمق المخاوف الإقليمية وتزيد من حدة التوتر في منطقة القرن الإفريقي وشرق القارة، أقدمت الحكومة الإثيوبية على تعزيز ترسانتها العسكرية بتسلم دفعة استراتيجية تضم اثنتي عشرة مقاتلة روسية متطورة من طراز “سو-35” (Su-35)، بالتزامن مع ترتيبات جارية لاستلام منظومات الدفاع الجوي المتقدمة “إس-400” (S-400). يأتي هذا الدعم العسكري الروسي المفتوح في توقيت بالغو الحساسية لتغذية النزعة التوسعية وسياسات الهيمنة الأحادية التي تنتهجها أديس أبابا، متجاهلة التداعيات الخطيرة لهذه الصفقات على الاستقرار الإقليمي وأمن الملاحة في البحر الأحمر، وهذا يطرح تساؤلات جوهرية حول ما دلالات هذا الدعم العسكري الروسي وما دوافعه الخفية في توفير الغطاء لمثل هذه السياسات.
المحور الأول: الخلفية التاريخية للعلاقات الإثيوبية الروسية وتوظيفها الاستراتيجي
فالبداية يجب أن ننظر للخلفية التاريخية للعلاقات بين البلدين، حيث تعود الجذور الأولى للتواصل الدبلوماسي والعسكري بين موسكو وأديس أبابا إلى أواخر القرن التاسع عشر، وتحديداً في عام 1896 خلال معركة “أدوا” الشهيرة؛ حين أرسلت الإمبراطورية الروسية بعثة طبية وعسكرية تطوعية لدعم القوات الإثيوبية في مواجهة الاستعمار الإيطالي. هذا الدعم المبكر أرسى مدماكاً رمزياً طالما حرصت أديس أبابا على استدعائه في الخطاب الدبلوماسي الحديث، محاولةً تصوير تحالفاتها الحالية على أنها امتداد طبيعي لتاريخ طويل من التضامن المتبادل، متغاضية عن الطبيعة الظرفية لتلك العلاقات في ذلك الإبان.
وفي مرحلة الحرب الباردة، شهدت العلاقات قفزة نوعية ودموية في آن واحد؛ فبعد الإطاحة بالإمبراطور هيلا سيلاسي وصعود النظام العسكري الماركسي المعروف بـ “الديرج” (Derg) بقيادة منجستو هايلي مريام في عام 1974، تحولت إثيوبيا لتصبح حليفاً استراتيجياً مركزياً للاتحاد السوفيتي في القرن الإفريقي. وقد ضخت موسكو خلال الفترة بين عامي 1977 و1991 مساعدات عسكرية ضخمة قُدرت بمليارات الدولارات، شملت آلاف الدبابات والمقاتلات الحربية والخبراء العسكريين لتمكين النظام الإثيوبي من قمع حركات التحرر والمعارضة الداخلية وخوض حروبه الإقليمية، مما خلف إرثاً ثقيلاً من النزاعات المسلحة وعدم الاستقرار الذي تئن المنطقة تحت وطأته حتى يومنا هذا.
واليوم، تعيد أديس أبابا إحياء هذا الإرث الصراعي ولكن بأدوات ومقاصد تكشف عن رغبة جامحة في فرض هيمنتها الإقليمية؛ إذ تستغل الحكومة الإثيوبية الذاكرة التاريخية للتعاون مع موسكو لتبرير صفقات التسليح المتقدمة الراهنة والالتفاف على الانتقادات الدولية لسلوكياتها الأحادية. وفي المقابل، لا تتعامل روسيا مع هذا الإرث بمنظور الوفاء التاريخي، بل باعتباره ورقة جيوسياسية جاهزة للاستثمار في صراع نفوذها المحتدم مع القوى الغربية، مستغلة الشغف الإثيوبي بالتسلح لإعادة موطئ قدم سوفيتي قديم يهدد أمن ومستقرار دول الجوار ويزيد من تأجيج بؤر التوتر في ممر البحر الأحمر الحيوي.
المحور الثاني: دوافع الدعم العسكري الروسي لإثيوبيا
لا يمكن قراءة صفقات التسليح المتقدمة وتدفق المقاتلات ومنظومات الدفاع الجوي الروسية إلى أديس أبابا بمعزل عن استراتيجية موسكو الكبرى لإعادة رسم خارطة النفوذ الدولي؛ إذ تتجاوز الدوافع الروسية حدود التعاون التجاري التقليدي لتلامس أهدافاً جيوسياسية عميقة. فمن جهة، تسعى القيادة الروسية إلى استغلال الطموحات الإثيوبية المتنامية لفرض الهيمنة الإقليمية كأداة رئيسية لتثبيت موطئ قدم عسكري واستراتيجي دائم في منطقة القرن الإفريقي الحيوية، والمطلة على الملاحقات البحرية الدولية بالغة الأهمية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وهو ما يمنح موسكو ورقة ضغط جبارة في مواجهة الحضور العسكري الغربي والأمريكي في القارة الإفريقية.
إلى جانب ذلك، تمثل إثيوبيا بالنسبة لقطاع الصناعات الدفاعية الروسية سوقاً مالية استراتيجية واعدة لتعويض جزء من الخسائر الناجمة عن العقوبات الغربية المفروضة على موسكو، ولتصدير منظومات متطورة مثل مقاتلات “سو-35” وبطاريات الدفاع الجوي “إس-400” بما يثبت كفاءة السلاح الروسي تسويقياً. وفي الوقت ذاته، تهدف روسيا من خلال هذا الدعم المفتوح إلى خلق حالة من عدم الاستقرار المضبط في محيط دول الإقليم، وتوظيف التناقضات الإقليمية والصراعات البينية في توريط الخصوم الغربيين، عبر تقديم نفسها كشريك بديل وموثوق للأنظمة الساعية للتحرر من القيود والشروط الحقوقية والسياسية التي تفرضها واشنطن وعواصم الاتحاد الأوروبي، مما يخدم مباشرة استراتيجية الكرملين الهادفة لتفكيك التحالفات التقليدية وبناء “عالم متعدد الأقطاب” تقوده موسكو وحلفاؤها الجدد.
علاوة على ما سبق، يندرج الدعم العسكري الروسي لإثيوبيا ضمن حسابات الاستباق الجيوسياسي والصراع المفتوح على النفوذ مع القوى الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وإسرائيل. وتدرك موسكو تمام الإدراك أن منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر تمثل خلفية حيوية تلتقي عندها المصالح الأمنية والاستخباراتية الأمريكية والإسرائيلية، نظراً لارتباطها المباشر بأمن باب المندب وقناة السويس وحماية الملاحة الحيوية. من هنا، تسعى القيادة الروسية إلى استباق أي محاولات غربية وأمريكية أو اختراقات إسرائيلية لفرض الهيمنة المنفردة على قرار أديس أبابا الاستراتيجي، فتبادر موسكو إلى حجز مقعد مبكر ومتقدم عبر صفقات التسليح المتقدمة لقطع الطريق أمام واشنطن وتل أبيب، وتحويل إثيوبيا إلى نقطة ارتكاز تمنع الغرب من الاحتكار التام لهذا الممر الجيوسياسي بالغ الخطورة.
على صعيد اخر، يأتي الدعم العسكري الروسي لإثيوبيا كجزء أداتي من استراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز تكتل “بريكس” وتوطيد أواصر التعاون مع الدول الخارجة عن الهيمنة الاقتصادية الغربية؛ إذ تسعى موسكو إلى مكافأة أديس أبابا على مواقفها السياسية الداعمة أو المحايدة تجاه الملفات الدولية الحساسة، وتحويلها إلى حلقة وصل أمنية وعسكرية قوية داخل المنظومة الموازية التي تحاول روسيا والصين بنائها لمنافسة المؤسسات المالية والسياسية الغربية. من هذا المنطلق، لا تُنظر صفقات التسليح باعتبارها مجرد تبادل تجاري للدفاع، بل كأداة هندسة سياسية لربط المنظومة العسكرية الإثيوبية بالمحور الشرقي الصاعد، وضمان اصطفافها ضمن رؤية الكرملين الرامية لتقويض نظام العقوبات المالية الدولي وإيجاد بدائل لنظام العملات وهيمنة الدولار.
ولا يمكن فصل توقيت الإعلان عن هذه الصفقة العسكرية —التي تُعد قديمة نسبياً في مسار التعاون الثنائي— عن محطة القمة الروسية الإفريقية، إذ جرى استثمار هذا التزامن لخدمة الأهداف الاستراتيجية المشتركة للبلدين؛ فمن جهة، سعت أديس أبابا إلى منح طموحاتها إحداثياً سياسياً ودولياً وازناً، ومن جهة أخرى، استغلت موسكو الحدث لترسيخ صورتها كقوة عظمى قادرة على تلبية الاحتياجات الأمنية لحلفائها الأفارقة. وفي السياق ذاته، لم تقتصر التحركات الروسية على البعد العسكري، بل امتدت لتشمل الدبلوماسية الوقائية من خلال إعراب الكرملين عن استعداده لإطلاق مبادرة وساطة لتسوية الخلافات بين أديس أبابا وأسمرة، وهو تحرك يهدف بالدرجة الأولى إلى تثبيت حضور موسكو كلاعب إقليمي فاعل يمتلك أدوات التأثير وصناعة الاستقرار في القرن الإفريقي.
وعلى صعيد هندسة التحالفات الإقليمية، تتبنى الدبلوماسية الروسية مقاربة بالغة الدقة لإحداث توازن استراتيجي بين علاقاتها مع كل من القاهرة وأديس أبابا. وتتجلى هذه المقاربة في سعي موسكو المتواصل لتلمس فرص الوساطة ورعاية الحوار بين الجانبين، بغض النظر عن مدى قابليتها للتحقق الميداني أو نجاحها الفعلي. إن الغاية الأساسية من هذه المناورات الدبلوماسية هي البرهنة على تميز شبكة علاقات روسيا وتفردها في التعاطي مع مختلف أزمات المنطقة، فضلاً عن قطع الطريق أمام أي محاولات أمريكية أو غربية للانفراد بإدارة الملفات الحيوية وحصر النفوذ الجيوسياسي في دوائر الحلفاء التقليديين لواشنطن.
ختامًا، يتبين أن الشراكة العسكرية المتنامية بين موسكو وأديس أبابا وتدفق صفقات التسليح المتقدمة لا يمثلان مجرد تعاون ثنائي عابر، بل يعكسان تقاطعاً معقداً بين الطموحات الإثيوبية لفرض الهيمنة الإقليمية والاستراتيجية الروسية الهادفة لخلخلة النفوذ الغربي في القرن الإفريقي، وهو ما ينذر بمزيد من تأجيج بؤر التوتر وإعادة رسم خارطة التحالفات في ممر البحر الأحمر الحيوي على حساب أمن واستقرار دول الجوار.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version