تشهد إيران منذ صباح الأحد 28 ديسمبر 2025م، موجة احتجاجات متصاعدة تمثل واحدة من أكثر اللحظات الداخلية تعقيدًا منذ سنوات، سواء من حيث السياق الزمني أو طبيعة التفاعل بين الداخل الإيراني والبيئتين الإقليمية والدولية.
وقد بدأت هذه الاحتجاجات من قلب بازار طهران الكبير، بما يحمله من رمزية تاريخية وسياسية في الذاكرة الإيرانية، قبل أن تمتد إلى عشرات المدن، بما فيها مدن صغيرة لم تكن تقليديًا في صدارة المشهد الاحتجاجي، الأمر الذي منحها دلالة اجتماعية وسياسية مضاعفة.
في هذا السياق، لفت الانتباه غياب المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، آية الله علي خامنئي، عن منبر صلاة الجمعة في 9 يناير 2026م، واختياره إلقاء خطاب من داخل قاعة مغلقة ومحصنة أمنيًا، بحضور عناصر من قوات الباسيج ونخب محسوبة على النظام.
وقد حمل الخطاب رسائل متعددة، تمحورت حول التأكيد على الثبات في مواجهة الولايات المتحدة، واعتبار ما يجري نتاجًا لتخريب منظم تقف خلفه أطراف خارجية، على رأسها الولايات المتحدة وإسرائيل، مع الإشارة إلى أن التحركات انطلقت من المحافظات الحدودية نحو المركز بهدف زعزعة الأمن الداخلي، في مقابل تعهد صريح بالتصدي لها.
ولقد انسجم هذا الخطاب مع بيان المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، الذي اعتبر الأحداث الأخيرة جزءًا من “حرب مركبة” تستهدف الأمن الداخلي الإيراني، محمّلًا إسرائيل مسؤولية السعي المستمر لإضعاف المجتمع الإيراني، خاصة منذ حرب الأيام الاثني عشر، ويعكس هذا التوصيف الرسمي إدراكًا واضحًا في دوائر صنع القرار بأن الاحتجاجات لا تجري في فراغ داخلي، بل تتقاطع مع لحظة إقليمية ودولية شديدة الاحتقان.
غير أن الاقتصار على البعد الخارجي لا يفسر وحده حجم الغضب الشعبي واتساع رقعته، فمنذ اليوم الأول للاحتجاجات، كان الدافع الاقتصادي والمعيشي قائدة ومسيطرا على الشعارات المطلبية، في ظل تدهور غير مسبوق في قيمة العملة الإيرانية، وتآكل القدرة الشرائية، وتراجع مستويات الأمان الاجتماعي.
وقد بلغ سعر صرف الدولار مستويات صادمة، بحيث بات الدولار الواحد يعادل نحو مليون ونصف المليون ريال إيراني (نحو 150 ألف تومان إيراني لكل دولار أمريكي)، وهو رقم يصعب استيعابه دون إسقاطه ذهنيًا على أوضاع دول أخرى لفهم حجم الانهيار الذي يعيشه المواطن الإيراني يوميًا.
في الأيام الأولى للاحتجاجات، بدا أن الدولة تتعامل مع الموقف باعتباره قابلًا للاحتواء، وهو ما انعكس في عدم نشر الحرس الثوري وعدم اللجوء الفوري إلى قطع الإنترنت، ما دفع إلى إمكانية تبني مقاربة حذرة تقوم على “الصبر التحليلي”، غير أن التحول المفصلي وقع مساء الخميس 8 يناير 2026م، مع تسارع وتيرة الأحداث وبدء عزل البلاد إعلاميًا، سواء عبر تعطيل الوصول إلى المواقع الإخبارية المحلية أو صعوبة التواصل مع مصادر من داخل إيران، الأمر الذي جعل وسائل التواصل الاجتماعية، المدعومة بخدمات الإنترنت الفضائي مثل “ستارلينك”، هي المصدر شبه الوحيد للمعلومات، إلى جانب الإعلام الغربي المعارض بطبيعته للنظام الإيراني.
يتزامن هذا المشهد الداخلي المضطرب مع لجوء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى القوة الصلبة المباشرة والتهديد المباشر ضد إيران، وما يحمله ذلك من اختلاف جذري في فلسفة التعامل مع إيران مقارنة بإدارة باراك أوباما.
ففي حين كان أوباما يتجنب أي تدخل مباشر في الاحتجاجات الإيرانية خشية توحيد المجتمع خلف النظام، يبدو أن ترامب وإدارته أكثر استعدادًا للرهان على التدخل العنيف، سواء سياسيًا أو أمنيًا، في ظل اعتقاد راسخ بأن الضغط المركب يمكن أن يؤدي إلى تصدعات داخلية أعمق، كما حدث في تجارب أخرى مثل فنزويلا.
لكن المجتمع الإيراني، الذي يعاني منذ سنوات من عقوبات معقدة ومتراكبة، ليس مجرد ضحية لضغوط خارجية، بل هو أيضًا أسير اختلالات داخلية بنيوية، فقد ساهمت سياسات النظام خلال العقود الماضية في تعميق آثار العقوبات، سواء عبر تفشي الفساد المحمي سياسيًا، أو تفضيل الولاء على الكفاءة في شغل المناصب التنفيذية، أو الإقصاء الواسع لمكونات اجتماعية ومذهبية، مع استثناءات محدودة برزت في فترات متأخرة، وقد عززت هذه السياسات شعورًا متناميًا بانفصال جزء من النخبة الحاكمة عن معاناة المجتمع.
وتكتسب ملفات الفساد الأخيرة، مثل قضيتي “چاي دبش” و”بابك زنجاني”، أهمية خاصة في تغذية الغضب الشعبي، ليس فقط بسبب الخسائر المالية الضخمة، بل لأن الرأي العام بات مقتنعًا بأن مثل هذه القضايا ما كانت لتستمر لولا وجود مظلة حماية سياسية عليا، وقد تكرّس في الخطاب العام الإيراني، لا سيما الإصلاحي، مفهوم “تجار العقوبات”، في إشارة إلى شبكات تستفيد من الالتفاف على العقوبات وتحويل الأزمة إلى مصدر ربح ونفوذ.
في المقابل، حاول خطاب السلطة الجمع بين الاحتواء والردع، من خلال التفريق بين “الاحتجاج” و”الشغب”، والتأكيد على أن الحوار ممكن مع المحتجين، لكنه مستحيل مع من يلجأ إلى العنف، كما سعت السلطة إلى إعادة تأكيد ولاء البازار للنظام، ونفي إمكانية توظيفه سياسيًا ضد الجمهورية الإسلامية، مع تحميل “العدو الخارجي” المسؤولية الأساسية عن تدهور العملة، رغم إقرار لافت من الرئيس مسعود بزشكيان بمسؤولية الحكومة والبرلمان عن جانب من الأزمة.
ويرى قطاع وازن في مجتمع الخبراء بإيران أن الاحتجاجات الحالية تختلف عن سابقاتها من حيث تزامنها مع تهديدات خارجية متصاعدة، وتراجع هامش حركة إيران الإقليمي، وتصاعد الحديث عن مواجهات محتملة مع إسرائيل، بما في ذلك سيناريوهات تستهدف حلفاء طهران في المنطقة.
وتبرز خصائص إضافية تزيد من تعقيد المشهد، مثل غياب قيادة موحدة للاحتجاجات، وغموض المطالب في بعض المناطق، وانتشارها في مدن صغيرة ذات روابط اجتماعية وثيقة، ما يشير إلى تراكم كبت طويل الأمد، كما أن ظهور شعارات هامشية، من بينها الدعوة إلى عودة الأسرة البهلوية، يعكس ارتباكا في المخيال الاحتجاجي أكثر مما يعبر عن مشروع سياسي متماسك، خاصة أن ولي العهد لا يحظى بقبول في أغلب الأوساط الإيرانية، لأنه أيد وبارك العملية الإسرائيلية على إيران فجر الجمعة 13 يونيو 2025م، والتي عرفت باسم “الأسد الصاعد”.
في الوقت ذاته، لا يمكن تجاهل مظاهر العنف التي رافقت بعض الاحتجاجات، من إحراق للممتلكات والاعتداء على عناصر الأمن، وهي مظاهر تشير إلى اختراق واضح للحراك من قبل أطراف منظمة تسعى لدفعه نحو العسكرة، بما يبرر تدخلًا أمنيًا واسعًا، وربما يفتح الباب أمام سيناريوهات تدخل خارجي.
وقد حذر علماء اجتماع بارزون، مثل سعيد معيد فر، من أن تآكل الأمل الاجتماعي وانسداد الأفق السياسي يرفعان احتمالات الانزلاق نحو العنف، خاصة حين تختزل السلطة أدواتها في المقاربة الأمنية.
خلاصة القول إن الاحتجاجات الإيرانية الراهنة لا يمكن اختزالها في كونها موجة مطلبية عابرة، ولا في اعتبارها مؤامرة خارجية مكتملة الأركان، إذ إنها نتاج تفاعل معقد بين أزمة اقتصادية خانقة، واختلالات سياسية واجتماعية داخلية، وضغوط دولية غير مسبوقة، في لحظة تاريخية دقيقة يمر بها النظام والمجتمع معًا.
وبينما تميل بعض التقديرات إلى ترجيح قدرة النظام على الاحتواء عبر مزيج من الإجراءات السياسية والأمنية، يبقى المشهد مفتوحًا على احتمالات متعددة، يحدد مسارها النهائي أسلوب إدارة الأزمة وحدود صبر المجتمع الإيراني.

