د. يحيى المغربي
باحث بوحدة الدراسات الإيرانية
لم تعد الضغوط الاقتصادية الناتجة عن العقوبات منحسرة في مظاهر الحياة الاقتصادية، مثل صعوبة توفير الاحتياجات الأساسية ورفع أسعار البنزين على المستهلكين وغيرها، وإنما امتدت لتشمل النواة الأساسية للمجتمع وأفراده، ما أدى إلى ظهور ظواهر اجتماعية انتشرت بين أفراد المجتمع في محاولة للتغلب على المشكلات الاقتصادية الناجمة عن العقوبات، ومن بين هذه الظواهر ما يُعرف بـ”تأجير الأرحام”، وتصف بعض التقارير الدولية إيران بأنها “وجهة ناشئة للتأجير التجاري للأمومة”.
ويُعد تأجير الأرحام أحد الوسائل الطبية الحديثة المستخدمة في علاج العقم أو تأخر الإنجاب، وتعتمد هذه الطريقة، في الأساس، على تلقيح البويضة بالحيوانات المنوية معمليًا، ثم وضع الجنين في رحم امرأة أخرى لاستكمال فترة الحمل.
يعود تأجير الأرحام في إيران إلى أكثر من عشرين عامًا، وقد تجاوز اليوم كونه وسيلة لعلاج العقم، ليصبح ظاهرة ذات أبعاد اجتماعية وثقافية وغيرها. وقد أكدت ذلك جلسة حوارية ضمت باحثين في مجالي الطب وعلم الاجتماع، بعنوان: “رحم جایگزین: از بارداری زیستی تا بارداری اجتماعی”، أي “الرحم البديل: من الحمل البيولوجي إلى الحمل الاجتماعي”. وترتبط بهذه الظاهرة الاجتماعية ظاهرة أخرى وثيقة الصلة بها، وهي “مادر جانشین”، أي “الأم البديلة”.
وبعيدًا عن التكاليف الطبية لاستئجار الرحم، يحصل الأم البديلة على مقابل مادي من الوالدين البيولوجيين للطفل طوال مدة الحمل، إلى جانب بعض المزايا الأخرى، مثل توفير الطعام وتحمل نفقات المواصلات والتأمين الصحي. ولا تتدخل الدولة في تحديد هذه النفقات، إذ تخضع كليًا للاتفاق بين الطرفين، بهدف توفير حمل آمن وتجنب النزاعات خلال فترة الحمل. وتُعد شروط اختيار الأم البديلة في إيران صارمة للغاية؛ فإلى جانب تمتعها بالصحة البدنية الجيدة واستيفائها الشروط الطبية، يجب الحصول على موافقة خطية من زوجها أو ولي أمرها.
هناك نوعان من ظاهرة “تأجير الرحم” في إيران، ويمكن التعرف إليهما من خلال تجارب بعض المراكز الطبية الإيرانية، مثل “مركز رويان للأبحاث”، وهو أحد المؤسسات الإيرانية المتخصصة في الأبحاث الطبية المتعلقة بالإنجاب، والمعتمد من الدولة لإجراء هذه العمليات:
• تأجير رحم تجاري: تقبل فيه الأم البديلة الحمل مقابل أجر مادي.
• تأجير رحم إيثاري: يحدث عادة بين أفراد العائلة أو الأقارب، ولا تتقاضى فيه المرأة البديلة أجرًا.
الإطار الشرعي والقانوني لتأجير الرحم في إيران
• الإطار الشرعي: هناك اختلاف بين الفقهاء الشيعة في إيران بشأن حكم تأجير الأرحام بين التحريم والإجازة، إلا أن عددًا من كبار الفقهاء أجازوا هذه الممارسة. كما أباحها المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي، بشرط عدم مخالفة الحدود الشرعية. ويعني ذلك وجود قبول ديني للممارسة، وإن لم يكن بالضرورة اعترافًا قانونيًا شاملًا بكل آثارها.
ولا تحتاج عملية تأجير الرحم، وفق التصور الفقهي الذي يجيزها، إلى عقد زواج مؤقت بين الأب البيولوجي والأم البديلة؛ لأن الجنين يتكون خارج جسم الأم ثم يُنقل إلى رحم امرأة أخرى، ومن ثم لا تنشأ علاقة زوجية بين الأب والأم البديلة. وتتم العملية وفق الإجراءات الطبية والقانونية المعمول بها.
والصورة التي تحظى بقبول فقهي لدى عدد من الفقهاء في إيران هي أن يتكون الجنين من بويضة الأم الأصلية والحيوانات المنوية للأب الأصلي، بحيث لا تكون هناك صلة وراثية بين الطفل والأم البديلة، بينما تظل مسائل النسب والأمومة محل نقاش فقهي وقانوني في بعض الحالات.
• الإطار القانوني: كان تأجير الأرحام في إيران يفتقر في السابق إلى قانون محدد ينظمه بصورة مباشرة، وكانت ممارسته تتم في إطار قانون “التبرع بالأجنة” الصادر عام 1382هـ.ش/2003م. كما يتخذ قانون حماية الأسرة والشباب الصادر عام 1400هـ.ش/2021م موقفًا داعمًا لعلاج العقم، ويمكن النظر إليه أيضًا في سياق السياسات الرامية إلى مواجهة تدني معدلات المواليد وشيخوخة المجتمع.
وعلى هذا الأساس، يُسمح بإجراء عمليات تأجير الرحم في مراكز علاج العقم المرخصة، مثل رويان وابن سينا ومراكز جهاد دانشگاهی. غير أن هذا الإطار القانوني لا يعالج بصورة تفصيلية جميع المسائل المتعلقة بنسب الطفل ووصايته وحقوق الأم البديلة.
ويُشترط على الزوجين الراغبين في اللجوء إلى تأجير الرحم تقديم ما يثبت وجود مشكلة في القدرة على الحمل من خلال مراكز طبية معتمدة، فضلًا عن القدرة على تحمل النفقات الطبية والقانونية المرتبطة بالعملية.
ولضمان إتمام العملية بسلاسة وتجنب النزاعات، يجب إبرام عقد مفصل وشامل بين الأطراف، ويُنظر إليه بوصفه وثيقة قانونية يمكن الاستناد إليها أمام القضاء. ويُنسب الطفل من الناحية الوراثية إلى الوالدين البيولوجيين، ولا تتمتع الأم البديلة، في الحالة التي لا تكون فيها البويضة منها، بأي صلة جينية بالطفل. إلا أن بعض الجوانب المتعلقة بحقوقها القانونية والحضانة والنسب لا تزال محل نقاش فقهي وقضائي.
وطبقًا لدراسة قدمها مهدي حريري وآخرون بعنوان: “بررسی فرایند رحم جایگزین در حقوق ایران و فقه امامیه با شمایی در حقوق بینالملل”، أي “دراسة عملية تأجير الأرحام في القانون الإيراني والفقه الإمامي في ضوء القانون الدولي”، تتباين آراء الفقهاء الإيرانيين بشأن هذه المسألة. فبعضهم يعتبر العقد صحيحًا وساريًا، بينما يراه آخرون باطلًا لمخالفته النظام العام.
ولا يكفي لإثبات صحة عقد تأجير الأرحام الاستشهاد بالمادة العاشرة من القانون المدني، التي تقوم على مبدأ حرية التعاقد وإرادة الأطراف، والقواعد العامة للعقود؛ إذ لا يمكن تحديد جميع آثار العقد بناءً على إرادة الأطراف وحدها، فبعض هذه الآثار ترتبط بمسائل قسرية أو غير قابلة للتنظيم الكامل تعاقديًا، وأهمها مسائل القرابة والنسب المترتبة عليه.
ويبدو أن سن قوانين أكثر تحديدًا، وتشكيل لجان متخصصة لدراسة حالات علاج العقم عن طريق تأجير الأرحام، من شأنه أن يحد من المضاعفات والتبعات المحتملة الناتجة عن الفراغ التشريعي في هذا المجال.
أسباب انتشار هذه الظاهرة في إيران
يقف العامل الاقتصادي الناجم عن العقوبات، وفق بعض الباحثين، وراء جانب من انتشار هذه الظاهرة، حيث تؤكد شيرين أحمد نيا، إحدى الشخصيات البارزة في مجال علم الاجتماع الطبي بجامعة طباطبائي، أن “تأجير الرحم” ليس قرارًا فرديًا لدى النساء بقدر ما يرتبط بضغوط اقتصادية تلجأ النساء في ظلها إلى هذا الخيار للتغلب على الظروف المعيشية الصعبة، مثل سداد الديون وإعالة الأسرة ومواجهة الفقر والبطالة. كما أن أغلب النساء اللواتي يقمن بدور “الأم البديلة” ينتمين إلى الطبقات الاجتماعية والاقتصادية الأضعف في المجتمع، ويُعد الدافع الاقتصادي عاملًا رئيسيًا لدى نسبة كبيرة منهن.
كما أن هذه الظروف الاقتصادية الصعبة قد تجعل توفير نفقات عمليات الإنجاب أكثر صعوبة بالنسبة إلى الأزواج الراغبين في الإنجاب، وفي الوقت نفسه تدفع بعض النساء إلى اللجوء إلى تأجير أرحامهن للحصول على موارد مالية تساعدهن على تأمين سبل العيش. وقد يؤدي ذلك إلى ظهور سوق غير رسمية أو غير منظمة في هذا المجال، بما قد يدفع الممارسة بعيدًا عن أهدافها الطبية والإنسانية.
وأكد الدكتور خشايار بيجي، أستاذ الأنثروبولوجيا الطبية، أن العقد المبرم قد يسهم في حل مشكلة طبية، لكنه قد يؤدي في الوقت نفسه إلى تسليع جسد المرأة في ظل التفاوتات الاجتماعية والضغوط الاقتصادية.
ومع ذلك، تشير الدراسة السابقة إلى أن الأبحاث أكدت خلال السنوات الأخيرة، في إيران وعدد من دول العالم، وجود عدد محدود من النساء اللواتي يتطوعن للحمل البديل لأسباب غير اقتصادية، وهو ما يعكس تعدد الدوافع المرتبطة بهذه الظاهرة وعدم إمكانية اختزالها بالكامل في العامل الاقتصادي.
خاتمة
مع استمرار تصاعد الضغوط الاقتصادية، فإن الآثار الاجتماعية الناتجة عنها تتزايد أيضًا. وبغض النظر عن حجم ظاهرة تأجير الأرحام في إيران، يتعين على الدولة وضع هذا الموضوع ضمن أولوياتها، نظرًا إلى حساسية المسألة وتشابك أبعادها الطبية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية والدينية.
ولا تقتصر أهمية الظاهرة على كونها وسيلة لعلاج العقم وتأخر الإنجاب، وإنما تمتد إلى علاقتها بالظروف الاقتصادية للنساء، واحتمالات استغلال الفئات الأكثر هشاشة اجتماعيًا، فضلًا عن القضايا المرتبطة بالنسب والحضانة والحقوق القانونية للأم البديلة والطفل.
ومن ثم، فإن استمرار الضغوط الاقتصادية، بالتزامن مع التحديات السكانية وانخفاض معدلات المواليد وارتفاع معدلات الشيخوخة، يجعل من الضروري وضع إطار قانوني أكثر وضوحًا ينظم هذه الممارسة ويحمي جميع أطرافها، ولا سيما النساء اللاتي قد تدفعهن الحاجة الاقتصادية إلى اتخاذ قرار يتعلق بأجسادهن وحياتهن الإنجابية.
ملخص:
تتناول هذه المقالة ظاهرة تأجير الأرحام في إيران، التي بدأت بوصفها وسيلة طبية لعلاج العقم وتأخر الإنجاب، ثم تطورت لتأخذ أبعادًا اجتماعية واقتصادية وقانونية متشابكة، وتبحث في الإطار الشرعي والقانوني المنظم لهذه الممارسة، إلى جانب أشكالها التجارية والإيثارية، ودور المراكز الطبية المتخصصة في تنظيمها.د. يحيى المغربي
باحث بوحدة الدراسات الإيرانية
لم تعد الضغوط الاقتصادية الناتجة عن العقوبات منحسرة في مظاهر الحياة الاقتصادية، مثل صعوبة توفير الاحتياجات الأساسية ورفع أسعار البنزين على المستهلكين وغيرها، وإنما امتدت لتشمل النواة الأساسية للمجتمع وأفراده، ما أدى إلى ظهور ظواهر اجتماعية انتشرت بين أفراد المجتمع في محاولة للتغلب على المشكلات الاقتصادية الناجمة عن العقوبات، ومن بين هذه الظواهر ما يُعرف بـ”تأجير الأرحام”، وتصف بعض التقارير الدولية إيران بأنها “وجهة ناشئة للتأجير التجاري للأمومة”.
ويُعد تأجير الأرحام أحد الوسائل الطبية الحديثة المستخدمة في علاج العقم أو تأخر الإنجاب، وتعتمد هذه الطريقة، في الأساس، على تلقيح البويضة بالحيوانات المنوية معمليًا، ثم وضع الجنين في رحم امرأة أخرى لاستكمال فترة الحمل.
يعود تأجير الأرحام في إيران إلى أكثر من عشرين عامًا، وقد تجاوز اليوم كونه وسيلة لعلاج العقم، ليصبح ظاهرة ذات أبعاد اجتماعية وثقافية وغيرها. وقد أكدت ذلك جلسة حوارية ضمت باحثين في مجالي الطب وعلم الاجتماع، بعنوان: “رحم جایگزین: از بارداری زیستی تا بارداری اجتماعی”، أي “الرحم البديل: من الحمل البيولوجي إلى الحمل الاجتماعي”. وترتبط بهذه الظاهرة الاجتماعية ظاهرة أخرى وثيقة الصلة بها، وهي “مادر جانشین”، أي “الأم البديلة”.
وبعيدًا عن التكاليف الطبية لاستئجار الرحم، يحصل الأم البديلة على مقابل مادي من الوالدين البيولوجيين للطفل طوال مدة الحمل، إلى جانب بعض المزايا الأخرى، مثل توفير الطعام وتحمل نفقات المواصلات والتأمين الصحي. ولا تتدخل الدولة في تحديد هذه النفقات، إذ تخضع كليًا للاتفاق بين الطرفين، بهدف توفير حمل آمن وتجنب النزاعات خلال فترة الحمل. وتُعد شروط اختيار الأم البديلة في إيران صارمة للغاية؛ فإلى جانب تمتعها بالصحة البدنية الجيدة واستيفائها الشروط الطبية، يجب الحصول على موافقة خطية من زوجها أو ولي أمرها.
هناك نوعان من ظاهرة “تأجير الرحم” في إيران، ويمكن التعرف إليهما من خلال تجارب بعض المراكز الطبية الإيرانية، مثل “مركز رويان للأبحاث”، وهو أحد المؤسسات الإيرانية المتخصصة في الأبحاث الطبية المتعلقة بالإنجاب، والمعتمد من الدولة لإجراء هذه العمليات:
• تأجير رحم تجاري: تقبل فيه الأم البديلة الحمل مقابل أجر مادي.
• تأجير رحم إيثاري: يحدث عادة بين أفراد العائلة أو الأقارب، ولا تتقاضى فيه المرأة البديلة أجرًا.
الإطار الشرعي والقانوني لتأجير الرحم في إيران
• الإطار الشرعي: هناك اختلاف بين الفقهاء الشيعة في إيران بشأن حكم تأجير الأرحام بين التحريم والإجازة، إلا أن عددًا من كبار الفقهاء أجازوا هذه الممارسة. كما أباحها المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي، بشرط عدم مخالفة الحدود الشرعية. ويعني ذلك وجود قبول ديني للممارسة، وإن لم يكن بالضرورة اعترافًا قانونيًا شاملًا بكل آثارها.
ولا تحتاج عملية تأجير الرحم، وفق التصور الفقهي الذي يجيزها، إلى عقد زواج مؤقت بين الأب البيولوجي والأم البديلة؛ لأن الجنين يتكون خارج جسم الأم ثم يُنقل إلى رحم امرأة أخرى، ومن ثم لا تنشأ علاقة زوجية بين الأب والأم البديلة. وتتم العملية وفق الإجراءات الطبية والقانونية المعمول بها.
والصورة التي تحظى بقبول فقهي لدى عدد من الفقهاء في إيران هي أن يتكون الجنين من بويضة الأم الأصلية والحيوانات المنوية للأب الأصلي، بحيث لا تكون هناك صلة وراثية بين الطفل والأم البديلة، بينما تظل مسائل النسب والأمومة محل نقاش فقهي وقانوني في بعض الحالات.
• الإطار القانوني: كان تأجير الأرحام في إيران يفتقر في السابق إلى قانون محدد ينظمه بصورة مباشرة، وكانت ممارسته تتم في إطار قانون “التبرع بالأجنة” الصادر عام 1382هـ.ش/2003م. كما يتخذ قانون حماية الأسرة والشباب الصادر عام 1400هـ.ش/2021م موقفًا داعمًا لعلاج العقم، ويمكن النظر إليه أيضًا في سياق السياسات الرامية إلى مواجهة تدني معدلات المواليد وشيخوخة المجتمع.
وعلى هذا الأساس، يُسمح بإجراء عمليات تأجير الرحم في مراكز علاج العقم المرخصة، مثل رويان وابن سينا ومراكز جهاد دانشگاهی. غير أن هذا الإطار القانوني لا يعالج بصورة تفصيلية جميع المسائل المتعلقة بنسب الطفل ووصايته وحقوق الأم البديلة.
ويُشترط على الزوجين الراغبين في اللجوء إلى تأجير الرحم تقديم ما يثبت وجود مشكلة في القدرة على الحمل من خلال مراكز طبية معتمدة، فضلًا عن القدرة على تحمل النفقات الطبية والقانونية المرتبطة بالعملية.
ولضمان إتمام العملية بسلاسة وتجنب النزاعات، يجب إبرام عقد مفصل وشامل بين الأطراف، ويُنظر إليه بوصفه وثيقة قانونية يمكن الاستناد إليها أمام القضاء. ويُنسب الطفل من الناحية الوراثية إلى الوالدين البيولوجيين، ولا تتمتع الأم البديلة، في الحالة التي لا تكون فيها البويضة منها، بأي صلة جينية بالطفل. إلا أن بعض الجوانب المتعلقة بحقوقها القانونية والحضانة والنسب لا تزال محل نقاش فقهي وقضائي.
وطبقًا لدراسة قدمها مهدي حريري وآخرون بعنوان: “بررسی فرایند رحم جایگزین در حقوق ایران و فقه امامیه با شمایی در حقوق بینالملل”، أي “دراسة عملية تأجير الأرحام في القانون الإيراني والفقه الإمامي في ضوء القانون الدولي”، تتباين آراء الفقهاء الإيرانيين بشأن هذه المسألة. فبعضهم يعتبر العقد صحيحًا وساريًا، بينما يراه آخرون باطلًا لمخالفته النظام العام.
ولا يكفي لإثبات صحة عقد تأجير الأرحام الاستشهاد بالمادة العاشرة من القانون المدني، التي تقوم على مبدأ حرية التعاقد وإرادة الأطراف، والقواعد العامة للعقود؛ إذ لا يمكن تحديد جميع آثار العقد بناءً على إرادة الأطراف وحدها، فبعض هذه الآثار ترتبط بمسائل قسرية أو غير قابلة للتنظيم الكامل تعاقديًا، وأهمها مسائل القرابة والنسب المترتبة عليه.
ويبدو أن سن قوانين أكثر تحديدًا، وتشكيل لجان متخصصة لدراسة حالات علاج العقم عن طريق تأجير الأرحام، من شأنه أن يحد من المضاعفات والتبعات المحتملة الناتجة عن الفراغ التشريعي في هذا المجال.
أسباب انتشار هذه الظاهرة في إيران
يقف العامل الاقتصادي الناجم عن العقوبات، وفق بعض الباحثين، وراء جانب من انتشار هذه الظاهرة، حيث تؤكد شيرين أحمد نيا، إحدى الشخصيات البارزة في مجال علم الاجتماع الطبي بجامعة طباطبائي، أن “تأجير الرحم” ليس قرارًا فرديًا لدى النساء بقدر ما يرتبط بضغوط اقتصادية تلجأ النساء في ظلها إلى هذا الخيار للتغلب على الظروف المعيشية الصعبة، مثل سداد الديون وإعالة الأسرة ومواجهة الفقر والبطالة. كما أن أغلب النساء اللواتي يقمن بدور “الأم البديلة” ينتمين إلى الطبقات الاجتماعية والاقتصادية الأضعف في المجتمع، ويُعد الدافع الاقتصادي عاملًا رئيسيًا لدى نسبة كبيرة منهن.
كما أن هذه الظروف الاقتصادية الصعبة قد تجعل توفير نفقات عمليات الإنجاب أكثر صعوبة بالنسبة إلى الأزواج الراغبين في الإنجاب، وفي الوقت نفسه تدفع بعض النساء إلى اللجوء إلى تأجير أرحامهن للحصول على موارد مالية تساعدهن على تأمين سبل العيش. وقد يؤدي ذلك إلى ظهور سوق غير رسمية أو غير منظمة في هذا المجال، بما قد يدفع الممارسة بعيدًا عن أهدافها الطبية والإنسانية.
وأكد الدكتور خشايار بيجي، أستاذ الأنثروبولوجيا الطبية، أن العقد المبرم قد يسهم في حل مشكلة طبية، لكنه قد يؤدي في الوقت نفسه إلى تسليع جسد المرأة في ظل التفاوتات الاجتماعية والضغوط الاقتصادية.
ومع ذلك، تشير الدراسة السابقة إلى أن الأبحاث أكدت خلال السنوات الأخيرة، في إيران وعدد من دول العالم، وجود عدد محدود من النساء اللواتي يتطوعن للحمل البديل لأسباب غير اقتصادية، وهو ما يعكس تعدد الدوافع المرتبطة بهذه الظاهرة وعدم إمكانية اختزالها بالكامل في العامل الاقتصادي.
خاتمة
مع استمرار تصاعد الضغوط الاقتصادية، فإن الآثار الاجتماعية الناتجة عنها تتزايد أيضًا. وبغض النظر عن حجم ظاهرة تأجير الأرحام في إيران، يتعين على الدولة وضع هذا الموضوع ضمن أولوياتها، نظرًا إلى حساسية المسألة وتشابك أبعادها الطبية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية والدينية.
ولا تقتصر أهمية الظاهرة على كونها وسيلة لعلاج العقم وتأخر الإنجاب، وإنما تمتد إلى علاقتها بالظروف الاقتصادية للنساء، واحتمالات استغلال الفئات الأكثر هشاشة اجتماعيًا، فضلًا عن القضايا المرتبطة بالنسب والحضانة والحقوق القانونية للأم البديلة والطفل.
ومن ثم، فإن استمرار الضغوط الاقتصادية، بالتزامن مع التحديات السكانية وانخفاض معدلات المواليد وارتفاع معدلات الشيخوخة، يجعل من الضروري وضع إطار قانوني أكثر وضوحًا ينظم هذه الممارسة ويحمي جميع أطرافها، ولا سيما النساء اللاتي قد تدفعهن الحاجة الاقتصادية إلى اتخاذ قرار يتعلق بأجسادهن وحياتهن الإنجابية.
ملخص:
تتناول هذه المقالة ظاهرة تأجير الأرحام في إيران، التي بدأت بوصفها وسيلة طبية لعلاج العقم وتأخر الإنجاب، ثم تطورت لتأخذ أبعادًا اجتماعية واقتصادية وقانونية متشابكة، وتبحث في الإطار الشرعي والقانوني المنظم لهذه الممارسة، إلى جانب أشكالها التجارية والإيثارية، ودور المراكز الطبية المتخصصة في تنظيمها.
