محمود سامح همام
كشفت تقارير صحفية عن انعقاد لقاء سري في العاصمة البحرينية جمع ممثلين عن مجلس السيادة السوداني ومسؤولين إماراتيين، في خطوة وُصفت بأنها تحول لافت في مسار الأزمة السودانية بعد سنوات من القطيعة والتصعيد المتبادل. ويأتي هذا اللقاء في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، وسط تحركات دبلوماسية متسارعة تقودها مصر وتركيا في إطار وساطة تهدف إلى احتواء الأزمة السودانية وفتح مسارات جديدة للحوار بين الأطراف الإقليمية الفاعلة. هذا التطور يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول دلالات هذا التقارب المفاجئ بين الخرطوم وأبوظبي، وحدود التحول في مواقف الأطراف، وكذلك طبيعة وأبعاد الدور المصري التركي في إعادة تشكيل مسار التسوية داخل السودان.
أولًا: دلالات اللقاء الإماراتي – السوداني بعد سنوات من القطيعة والتصعيد
يمثل اللقاء الذي جمع ممثلين عن مجلس السيادة السوداني ومسؤولين إماراتيين في البحرين تطورًا سياسيًا بالغ الأهمية في مسار الأزمة السودانية، ليس فقط لأنه يأتي بعد فترة طويلة من التوتر والاتهامات المتبادلة، وإنما لأنه يعكس إدراكًا متزايدًا لدى الأطراف المعنية بأن استمرار القطيعة لم يعد يخدم مصالحها الاستراتيجية في ظل التحولات الميدانية والسياسية والإقليمية التي تشهدها المنطقة. فمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023م، تبنى مجلس السيادة السوداني بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان خطابًا شديد الانتقاد تجاه الإمارات، واتهمها بصورة مباشرة وغير مباشرة بتقديم أشكال مختلفة من الدعم السياسي والاقتصادي واللوجستي لقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”. وقد تطورت هذه الاتهامات تدريجيًا من مستوى التصريحات السياسية إلى التحركات الدبلوماسية والقانونية ومحاولات تدويل القضية أمام المؤسسات الدولية، ما جعل العلاقات بين الجانبين تصل إلى واحدة من أكثر مراحلها توترًا منذ عقود.
وفي هذا السياق، فإن مجرد قبول الطرفين الجلوس إلى طاولة واحدة بعد سنوات من التصعيد المتبادل يحمل مجموعة من الدلالات الاستراتيجية المهمة التي تعكس طبيعة التحولات الجارية داخل المشهد السوداني والإقليمي، منها:
1-اعتراف متبادل باستحالة الحسم العسكري الكامل: تشير هذه الخطوة إلى أن الأطراف الإقليمية باتت تدرك أن الحرب السودانية دخلت مرحلة الاستنزاف طويل الأمد، وأن خيار الحسم العسكري الشامل أصبح أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى. فبعد سنوات من القتال لم تتمكن أي جهة من فرض سيطرة كاملة على السودان أو إنهاء الصراع بصورة نهائية، ما دفع الفاعلين الإقليميين إلى إعادة النظر في سياساتهم السابقة والبحث عن مسارات سياسية موازية للمسار العسكري. كما يعكس اللقاء اعترافًا ضمنيًا بأن مستقبل السودان لن يُحسم فقط عبر المعارك الميدانية، وإنما عبر تفاهمات سياسية وإقليمية قادرة على إنتاج توازنات جديدة أكثر استقرارًا.
2-الدور المصري عامل حاسم في التحول الإماراتي: لا يمكن فصل هذا التحول عن الحراك السياسي والدبلوماسي الذي قادته القاهرة خلال الفترة الأخيرة. فقد جاءت زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الإمارات ولقاؤه بالرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في توقيت بالغ الحساسية، فعكست مستوى متقدمًا من التنسيق السياسي والاستراتيجي بين البلدين تجاه القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها الأزمة السودانية. كما حملت الزيارة رسائل سياسية وأمنية مهمة أكدت استمرار الشراكة الاستراتيجية بين القاهرة وأبوظبي في ظل التحديات التي تواجه المنطقة. وتدرك الإمارات أن مصر تمثل الركيزة الأساسية للاستقرار العربي وأحد أهم الفاعلين في معادلات الأمن الإقليمي، كما تدرك أن أي تهديد طويل الأمد للأمن القومي المصري، خاصة في الاتجاه الجنوبي، لا يتوافق مع المصالح الاستراتيجية المشتركة بين البلدين. فالقاهرة لا تنظر إلى السودان باعتباره دولة جوار فقط، وإنما باعتباره امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي وعمقًا استراتيجيًا لا يمكن التفريط فيه. لذلك فإن الحفاظ على الشراكة الاستراتيجية مع مصر يفرض بالضرورة مراعاة الرؤية المصرية تجاه السودان، والقائمة على الحفاظ على وحدة الدولة السودانية ومؤسساتها الوطنية ومنع تفككها أو تحولها إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح. ومن هذا المنطلق، تشير المؤشرات إلى أن التقارب المصري الإماراتي قد ينعكس خلال المرحلة المقبلة على طبيعة السياسات الإماراتية تجاه الأزمة السودانية، مع ترجيح توجه أبوظبي بصورة متزايدة نحو دعم المسارات السياسية والتفاوضية وتخفيف أي سياسات قد تؤدي إلى استمرار الحرب أو تعميق الانقسام الداخلي. كما يمكن قراءة اللقاء باعتباره مؤشرًا على بداية مرحلة جديدة تتجه فيها الإمارات إلى الاقتراب أكثر من الرؤية المصرية الهادفة إلى إنهاء الحرب والحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية باعتبارها الضامن الرئيسي لوحدة البلاد واستقرارها.
3-انتقال مجلس السيادة من سياسة المواجهة إلى سياسة إدارة الأزمة: رغم استمرار الخلافات الجوهرية بين الطرفين، فإن قبول مجلس السيادة السوداني الحوار مع الإمارات يعكس تحولًا من استراتيجية التصعيد الدبلوماسي والمواجهة المفتوحة إلى استراتيجية إدارة التناقضات والخلافات. فالقيادة السودانية تدرك أن إنهاء الحرب لا يتوقف فقط على التوازنات الداخلية، بل يرتبط أيضًا بمعالجة الأبعاد الإقليمية للصراع وإعادة صياغة العلاقات مع القوى المؤثرة في المشهد السوداني. كما يعكس هذا التحول رغبة سودانية في توظيف أي انفتاح إقليمي محتمل لخدمة هدف أكبر يتمثل في استعادة الاستقرار وتخفيف حدة التدخلات الخارجية المرتبطة بالحرب.
4-تغير الحسابات الإماراتية وإعادة ترتيب الأولويات الإقليمية: من الواضح أن أبوظبي تسعى إلى إعادة تموضعها داخل الملف السوداني. فاستمرار الاتهامات السودانية للإمارات أضر بصورة الأخيرة إقليميًا ودوليًا، كما أن التطورات الميدانية داخل السودان والتغيرات التي شهدتها موازين القوى دفعت الإمارات إلى إعادة تقييم مقاربتها للأزمة السودانية والبحث عن قنوات اتصال مباشرة مع القيادة السودانية. ويأتي هذا التحول في ظل بيئة إقليمية مختلفة عن تلك التي سادت خلال السنوات الأولى للحرب. فقد شهدت منطقة الخليج والشرق الأوسط خلال الفترة الماضية توترات أمنية واسعة على خلفية المواجهة الإيرانية الأمريكية، وما صاحبها من استهداف لمنشآت حيوية ومرافق اقتصادية وبنى تحتية وممرات تجارية ومراكز لوجستية مؤثرة في المنطقة. ومن منظور استراتيجي، تركت هذه التطورات آثارًا مباشرة على حسابات العديد من القوى الإقليمية، بما فيها الإمارات، التي وجدت نفسها أمام تحديات أمنية واقتصادية متزايدة فرضت عليها إعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية والتركيز بصورة أكبر على احتواء الأزمات الإقليمية بدلًا من الانخراط في مسارات استنزاف طويلة الأمد. وفي هذا السياق، تبدو الساحة السودانية أحد الملفات التي تسعى أبوظبي إلى إعادة ترتيبها، خصوصًا بعد أن أثبتت سنوات الحرب أن استمرار الصراع لم يؤد إلى تسوية مستقرة أو إلى بناء ترتيبات سياسية قابلة للاستمرار. ومن ثم فإن الانفتاح الإماراتي على مجلس السيادة السوداني يمكن قراءته باعتباره محاولة لإعادة التموضع السياسي والاستعداد لمرحلة جديدة تتسم بقدر أكبر من البراجماتية السياسية، خاصة في ظل تزايد القناعة بأن استقرار السودان يمثل مدخلًا مهمًا لاستقرار البحر الأحمر ومحيطه الإقليمي.
5-البحرين ساحة دبلوماسية محايدة نسبيًا: يحمل اختيار البحرين لاستضافة اللقاء دلالات سياسية مهمة، إذ لم يكن مجرد تفصيل بروتوكولي. فالمملكة تحتفظ بعلاقات متوازنة مع مختلف الأطراف العربية، كما توفر بيئة تفاوضية أقل حساسية من العواصم المرتبطة مباشرة بالأزمة السودانية، وهو ما منح الاجتماع مساحة أكبر من المرونة السياسية وساعد على إطلاق قنوات اتصال بعيدة عن الضغوط الإعلامية والسياسية المباشرة.
6-إعادة هندسة التوازنات الإقليمية حول السودان: في المجمل، يمكن النظر إلى اللقاء الإماراتي السوداني في البحرين باعتباره أكثر من مجرد اجتماع دبلوماسي عابر، بل يمثل مؤشرًا على إعادة تشكيل التوازنات السياسية المرتبطة بالأزمة السودانية ومحاولة لفتح صفحة جديدة في العلاقات بين الطرفين تحت تأثير متغيرات إقليمية متسارعة، ويعكس هذا اللقاء تنامي القناعة لدى مختلف الأطراف بأن استمرار الحرب لم يعد يخدم الاستقرار الإقليمي، وأن التسوية السياسية أصبحت ضرورة تفرضها اعتبارات الأمن القومي العربي، خاصة في ظل أهمية السودان بالنسبة لأمن البحر الأحمر ووادي النيل. كما يعكس إدراكًا متزايدًا بأن أي مسار جاد لتسوية الأزمة السودانية لا يمكن أن ينجح دون دور مصري فاعل وقادر على الجمع بين الأطراف المتنافسة وصياغة تفاهمات تضمن الحفاظ على وحدة الدولة السودانية ومؤسساتها الوطنية ومنع انزلاقها إلى سيناريوهات التفكك أو التقسيم.ْ
ثانيًا: دلالات الوساطة المصرية – التركية في الأزمة السودانية
تمثل الوساطة المصرية التركية بين مجلس السيادة السوداني والإمارات تطورًا سياسيًا لافتًا لا تقتصر أهميته على الملف السوداني فقط، بل تمتد دلالاته إلى طبيعة التحولات الجارية في بنية التفاعلات الإقليمية داخل الشرق الأوسط والقرن الأفريقي. ومن منظور مصري، فإن هذه الوساطة تكشف عن مجموعة من المؤشرات الاستراتيجية المهمة التي تتجاوز هدف احتواء الأزمة السودانية إلى إعادة صياغة أدوار القوى الإقليمية المؤثرة في المنطقة، ومنها:
-ترجمة عملية للتقارب المصري التركي: تشكل الوساطة الحالية أحد أبرز المؤشرات على وصول العلاقات المصرية التركية إلى مرحلة متقدمة من التنسيق السياسي بعد سنوات من التوتر والخلاف. فبعد أن انشغل الطرفان خلال السنوات الماضية بإعادة بناء الثقة وتطبيع العلاقات الثنائية، يبدو أن القاهرة وأنقرة بدأتا الانتقال إلى مرحلة أكثر تقدمًا تقوم على التنسيق المشترك في إدارة الملفات الإقليمية المعقدة. ومن منظور مصري، فإن انخراط تركيا إلى جانب مصر في الملف السوداني يعكس نجاح القاهرة في تحويل مسار المصالحة مع أنقرة من مجرد تفاهمات ثنائية إلى شراكة سياسية قابلة للتوظيف في إدارة أزمات المنطقة، وهو ما يمنح مصر مساحة أوسع للحركة الإقليمية ويعزز قدرتها على بناء تكتلات دبلوماسية داعمة لرؤيتها تجاه قضايا الأمن الإقليمي.
-اعتراف إقليمي بمركزية الدور المصري في السودان: تكشف الوساطة المشتركة أن أي محاولة جادة لمعالجة الأزمة السودانية لا يمكن أن تتجاوز الدور المصري أو تتجاهل المصالح الأمنية للقاهرة. فالسودان يمثل بالنسبة لمصر عمقًا استراتيجيًا مباشرًا، وترتبط تطورات الأوضاع فيه بصورة وثيقة بالأمن القومي المصري. ولذلك فإن قبول مختلف الأطراف الإقليمية، بما فيها تركيا والإمارات، بالتحرك عبر قناة تقودها القاهرة بصورة رئيسية يعكس إدراكًا متزايدًا بأن مصر ما تزال الطرف الأكثر قدرة على التأثير في الملف السوداني بحكم الجغرافيا والتاريخ وتشابك المصالح الأمنية والسياسية بين البلدين.
-سعي تركيا لترسيخ صورتها كوسيط إقليمي مؤثر: بالنسبة لأنقرة، فإن الانخراط في هذه الوساطة لا ينفصل عن توجه أوسع تتبناه السياسة الخارجية التركية خلال السنوات الأخيرة، يقوم على تعزيز دور تركيا كقوة إقليمية قادرة على إدارة النزاعات وقيادة مسارات التفاوض في مناطق الأزمات. فبعد أدوار الوساطة التي لعبتها تركيا في عدد من الملفات الدولية والإقليمية، تسعى أنقرة إلى توسيع حضورها الدبلوماسي داخل أفريقيا والبحر الأحمر والقرن الأفريقي، وهي مناطق تمثل أهمية استراتيجية متزايدة للسياسة الخارجية التركية. ومن ثم فإن المشاركة في جهود احتواء الأزمة السودانية تمنح تركيا فرصة لتعزيز مكانتها كوسيط مقبول لدى مختلف الأطراف، وليس فقط كفاعل يمتلك مصالح مباشرة داخل المنطقة.
-تقاطع المصالح المصرية والتركية في السودان: الملف السوداني يمثل أحد المجالات التي شهدت تقاربًا ملحوظًا في الرؤى المصرية التركية خلال الفترة الأخيرة. الطرفان يدركان أن استمرار الحرب يهدد استقرار البحر الأحمر ويزيد من احتمالات تفكك الدولة السودانية ويفتح المجال أمام مزيد من التدخلات الخارجية. ومن هذا المنطلق، تبدو الوساطة الحالية انعكاسًا لتقاطع المصالح المصرية والتركية حول هدف مشترك يتمثل في الحفاظ على وحدة الدولة السودانية ومنع انهيار مؤسساتها، باعتبار أن أي سيناريو للفوضى الممتدة ستكون له تداعيات مباشرة على الأمن الإقليمي وممرات التجارة الدولية.
-دلالة التوقيت الإقليمي للوساطة: لا يقل توقيت الوساطة أهمية عن مضمونها. فهي تأتي في مرحلة تشهد فيها المنطقة سلسلة من التحولات الكبرى، سواء على مستوى إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية أو على مستوى مراجعة العديد من القوى الإقليمية لسياساتها السابقة بعد موجات التصعيد التي شهدها الشرق الأوسط خلال الفترة الماضية. وفي هذا السياق، تبدو الوساطة المصرية التركية جزءًا من اتجاه إقليمي أوسع يهدف إلى تخفيف حدة الاستقطاب واحتواء بؤر التوتر المفتوحة. كما أن توقيتها يعكس إدراكًا لدى القاهرة وأنقرة بأن اللحظة الحالية قد تكون أكثر ملاءمة لدفع الأطراف السودانية والإقليمية نحو مسار تفاوضي يصعب تحقيقه في أوقات التصعيد الحاد.
-بناء نموذج جديد للتعاون الإقليمي: من منظور مصري، ربما تكمن إحدى أهم دلالات هذه الوساطة في أنها تقدم نموذجًا مختلفًا لإدارة الأزمات الإقليمية، يقوم على التعاون بين القوى الإقليمية المؤثرة بدلًا من التنافس بينها. فطوال السنوات الماضية كانت العديد من أزمات المنطقة تتفاقم نتيجة تضارب أجندات القوى الإقليمية، أما في الحالة السودانية فإن التنسيق المصري التركي يعكس توجهًا معاكسًا يقوم على توظيف النفوذ المشترك لدفع الأطراف نحو التسوية.
-تعزيز مكانة مصر كقائد لمسارات التسوية في المنطقة: تكشف الوساطة كذلك عن نجاح القاهرة في استعادة جزء مهم من دورها التقليدي كدولة قائدة لمسارات التسوية في محيطها الإقليمي. فجمع أطراف متباعدة المواقف مثل مجلس السيادة السوداني والإمارات عبر قناة تقودها مصر وتشارك فيها تركيا يعكس قدرة القاهرة على توظيف شبكة علاقاتها الإقليمية لخدمة أهدافها الاستراتيجية.
وفي المحصلة، فإن الوساطة المصرية التركية لا تعكس فقط محاولة لاحتواء أزمة سودانية متصاعدة، وإنما تمثل مؤشرًا على تشكل معادلة إقليمية جديدة تتزايد فيها مساحات التنسيق بين القاهرة وأنقرة، وتتقدم فيها مصر بوصفها الفاعل الأكثر ارتباطًا بالأزمة السودانية والأكثر حرصًا على منع تحولها إلى تهديد دائم للأمن القومي المصري والعربي.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version