حسين محمود التلاوي
المستلخص:
نشر معهد الشئون الخارجية الإثيوبي (التابع لوزارة الخارجية الإثيزبية) مجموعة من الموضوعات عن السياسة الخارجية المصرية على خلفية تطورات الأزمة السودانية والعلاقات بين مصر وجنوب السودان، وركزت الموضوعات على ما تزعم أنه تراجع للدور المصري، حيث قفزت التحليلات على مجموعة من الحقائق الموضوعية سواء في واقع الأزمات الإفريقية أو طبيعة الدبلوماسية المصرية.
تناولت التحليلات السياسية الإثيوبية قضايا عدة مع التركيز على السياسة الخارجية المصرية فيها. وكما جرت العادة، تجاهلت تلك الأوراق طبيعة الأزمات التي تناولتها وسمات الدبلوماسية المصرية؛ في محاولة تتفق مع أسلوب المنابر البحثية الإثيوبية في المحاولة لترويج صورة ذهنية معينة لإثيوبيا تغطي بها على الأزمات الداخلية التي تهدد وجود إثيوبيا الموحدة.
وتلقي هذه الورقة الضوء على مجموعة من تلك الآوراق، مع تفنيدها وتوضيح أوجه القصور المنهجي والفكري فيها.
وهم تراجع الدور المصري عربيًّا
نشر معهد الشئون الخارجية الإثيوبي تحليلًا بعنوان “تفكك الاحتكار السردي”: إثيوبيا ومصر والجامعة العربية” بقلم “ميهيريت زيليكي” يتناول الاتهامات السودانية لإثيوبيا والإمارات بالتورط في دعم متمردي الدعم السريع في السودان خلال اجتماع لجامعة الدول العربية، ودلالات مجريات الاجتماع على السياسة الخارجية المصرية.
يبدأ التحليل بالقول إن جامعة الدول العربية شهدت مؤخرًا انقسامًا حادًّا إثر اتهامات السودان لإثيوبيا والإمارات بالتورط في حربها الداخلية، ويزعم التحليل أن ذلك مثَّل اختبارًا حقيقيًّا للنفوذ الدبلوماسي المصري. ويستمر التحليل في مزاعمه قائلًا إن القاهرة نجحت لعقود طويلة في تحويل خلافاتها الثنائية مع أديس أبابا حول ملف المياه إلى قضية أمن مائي عربي مشترك عبر منصات الجامعة العربية، مستغلة غياب إثيوبيا عنها. ويرى التحليل أن ماأ سماه “التصدي الإماراتي القوي” لهذه الاتهامات الأخيرة “أجهض محاولة تعريب النزاع”، وكشف عما زعم أنه “عجز مصر” عن فرض سرديتها التقليدية المناهضة لإثيوبيا كإجماع مؤسسي تلقائي.
ويقول التحليل إن هذا يعود للتغير الهيكلي و”إعادة التموضع الاستراتيجي” لإثيوبيا منذ عام 2018م وبنائها شراكات استراتيجية متينة مع دول الخليج القائمة على مصالح برجماتية متبادلة مثل الاستثمارات، والأمن الغذائي، وإدارة الموانئ، ويرى أن هذا الانفتاح كسر العزلة الدبلوماسية لأديس أبابا، وأتاح لها قنوات اتصال مباشرة مع العالم العربي دون المرور بـ”المصفاة المصرية”. ويخلص التحليل الى الزعم بأن في ظل ما أسماه “تشظي المواقف العربية” وتعدد حسابات القوى الخليجية في القرن الإفريقي، لم تعد دول المنطقة “ترهن سياساتها بالرؤية المصرية”؛ ما يفرض على إثيوبيا استغلال هذا الواقع التعددي لتثبيت توازن قوى جديد يضمن مصالحها الحيوية.
علاقات تاريخية وثقل استراتيجي لمصر
مثلما الحال مع العديد من الكتابات السياسية الإثيوبية، يقع التحليل في مجموعة “كبيرة” من المغالطات المنهجية والواقعية، وفيما يلي نماذج منها:
-تجاهل العلاقات التاريخية المصرية العربية: يبالغ التحليل في تصوير تراجع النفوذ المصري داخل الجامعة العربية، متجاهلًا أن العلاقات التاريخية، والوزن الديموجرافي والعسكري، والخبرة الطويلة للقاهرة داخل أروقة الجامعة، لا يمكن تحييدها بناءً على خلاف في جلسة استثنائية واحدة؛ فمصر لا تزال تتمتع بأدوات ضغط قوية وروابط أمنية واستخباراتية عميقة مع معظم العواصم العربية؛ وبوجه خاص في ملفات الأمن المائي التي تمس الأمن القومي العربي بشكل مباشر.
-الخليج وأمن البحر الأحمر وعزل إثيوبيا: تركز الورقة بشكل مكثف على الشراكة الاقتصادية والاستثمارية بين إثيوبيا ودول الخليج، لكنه يتجاهل حدود هذا التقارب والعوامل الهيكلية التي تكبحه. تضع القوى الخليجية – تحديدًا السعودية – حماية أمن البحر الأحمر واستقرار الدول المشاطئة له في مقدمة أولوياتها؛ وهي ملفات تثير فيها التحركات الإثيوبية الأخيرة، مثل الاتفاق مع إقليم أرض الصومال الانفصالي للحصول على منفذ بحري، قلقًا كبيرًا لدى العواصم العربية. لذلك يفرض هذا البعد الأمني الحرج قيودًا قوية على أي تقارب خليجي مع إثيوبيا؛ وهي نقطة لم يناقشها التحليل من الأساس.
-الإمارات تدافع عن نفسها لا عن إثيوبيا: يفترض الكاتب أن الموقف الإماراتي الأخير يمثل تحولًا شاملًا وهيكليًّا في آليات اتخاذ القرار داخل جامعة الدول العربية تجاه إثيوبيا. لكن هذا أحد أوجه القصور الكثيرة في التحليل، ويكمن القصور هنا في أن الرفض الإماراتي كان مدفوعًا بشكل أساسي بالدفاع عن النفس ضد اتهامات السودان المباشرة لأبوظبي بدعم قوات الدعم السريع، ولم يكن حراكًا دبلوماسيًّا للدفاع عن مصالح إثيوبيا. لذلك يبدو الحديث عن الموقف الاماراتي باعتباره دليلًا على تفكك الإجماع العربي مجرد أمنيات من الكاتب لا خلاصة منهجية مبنية على أسس.
-الخلط بين الخلافات العربية والاصطفاف مع إثيوبيا: يفترض التحليل أن انقسام الدول العربية حول الحرب في السودان ينعكس تلقائيًّا على الموقف من إثيوبيا. لكن الخلاف حول السودان لا يعني بالضرورة تغيرًا في المواقف تجاه ملف النيل أو تجاه الدور الإقليمي الإثيوبي. وقد تكون بعض الدول مختلفة مع مصر في الملف السوداني، ومتقاربة معها في ملفات أخرى.
القاهرة وجوبا: علاقات متعددة المستويات
تحليل آخر نشره المعهد نفسه حول السياسة المصرية في جنوب السودان بعنوان “العقدة المكسورة: حدود استراتيجية التطويق المصرية”، بقلم الباحث “سيفان تاديسي”.
يدعى التحليل أن ما أسماه “إنهاء النشاط العسكري المصري” في ممر “باجاك” الحدودي بولاية أعالي النيل بجنوب السودان يمثل “تحولًا بارزًا في موازين القوى” في حوض النيل. ويوضح تقرير المعهد البحثى ما يعنيه ذلك بالزعم أن بعد اكتمال ملء سد النهضة و”ترسيخ واقعه السياسي”، انتقل التنافس المصري الإثيوبي من المسار الفني حول السد إلى جبهات جغرافية أوسع عبر “محاولات مصرية لتطويق إثيوبيا” بتحالفات أمنية مع جيرانها مثل الصومال وإريتريا.
ويزعم الكاتب أن ما سماها “حادثة باجاك” أثبتت أن استراتيجية الضغط المصرية “هشة”، وتعتمد بالأساس على حسابات الدول المضيفة التي تتغير مواقفها بتغير مصالحها الذاتية وظروفها الأمنية والاقتصادية.
ويرى التحليل أن التدهور الاقتصادي في جنوب السودان نتيجة تضرر خطوط تصدير نفطها جراء الحرب السودانية دفع الدولة إلى إعادة تقييم علاقاتها مع إثيوبيا، والبحث عن ممرات برية بديلة وخيارات ربط اقتصادي عبر أديس أبابا وصولاً إلى جيبوتي؛ مما جعل التواجد العسكري المصري قبالة الحدود الإثيوبية “عبئًا سياسيًّا” يهدد خيارات النجاة الاقتصادية لجوبا.
ويزعم الكاتب أن هذه التطورات توضح أن دبلوماسية الممرات، والربط الكهربائي، والمصالح المتبادلة هي أدوات إثيوبيا الفعالة لـ”تفكيك شبكات التطويق المصرية” عقدةً وراء أخرى.
علاقات مصرية وثيقة وجبهات أخرى
يعاني التحليل من أوجه قصور منهجية وفكرية عدة، ومن أهمها:
-المبالغة في دلالة التطور: يمنح التحليل أهمية استراتيجية كبيرة لما جرى في منطقة باجاك، ويصوره باعتباره مؤشرًا على تصدع بنية إقليمية واسعة. لكن المعلومات المتاحة حول الواقعة نفسها محدودة ومحل جدل، كما أن حجم الوجود المصري وطبيعته وأسباب إنهائه لا تزال غير واضحة؛ فهناك آراء تفيد بأن إنهاء التمركز العسكري المصري في تلك المنطقة جاء بالتوافق مع جوبا ضمن تفاهمات إقليمية. لذلك يبدو الاستناد إلى حادثة محل جدل في صياغة استنتاجات إقليمية واسعة لإثبات خطوة تحليلية أكبر من حجم الأدلة المتوافرة.
-إغفال العلاقات الدبلوماسية والتنموية للقاهرة في جوبا: يقدم التحليل السلوك المصري وكأنه يقتصر على محاولات “التطويق العسكري والضغط” فقط، متجاهلًا القوة الناعمة والدبلوماسية التنموية التي تمتلكها مصر في جنوب السودان. ترتبط القاهرة بجوبا عبر مشروعات مائية تنموية ضخمة، وحفر آبار مياه، ومستشفيات ميدانية، ومنح تعليمية، فضلًا عن الدعم السياسي المستمر للحكومة المركزية في المحافل الدولية. هذا الحضور التنموي يجعل العلاقات بين البلدين أعقد بكثير من مجرد “استضافة قاعدة عسكرية للضغط على إثيوبيا”.
-التقليل من مرونة الاستراتيجية المصرية: تفترض الورقة أن تراجع نفوذ مصر في نقطة مثل “باجاك” يعني بداية النهاية لاستراتيجية التطويق كاملة. فى حين يعكس هذا الاستنتاج قراءة قاصرة؛ فالسياسة الخارجية المصرية أثبتت تاريخيًّا قدرتها على التكيف ونقل مراكز ثقلها بحسب المتغيرات. لذلك لا يعني ما يراه التحليل “تراجعًا مصريًّا” في جنوب السودان أن المنظومة تفككت، بل قد يدفع القاهرة إلى تكثيف ضغوطها وتحالفاتها في جبهات أخرى أكثر استجابة مثل الصومال؛ وهو ما يوضح أن “تآكل العقدة” لا يعني بالضرورة تآكل الشبكة بالكامل.
-المبالغة في تقدير النفوذ الإثيوبي الاقتصادي: يفترض التحليل أن مشروعات الممرات والبنية التحتية التي تربط جنوب السودان بإثيوبيا كفيلة بإعادة تشكيل الحسابات الاستراتيجية للدول المجاورة. لكن كثيرًا من هذه المشروعات ما يزال في مرحلة التصور أو التخطيط ويواجه تحديات مالية وأمنية ولوجستية كبيرة؛ ومن ثم فإن الاستنتاجات المبنية على نتائج مستقبلية غير مؤكدة تبدو سابقة لأوانها.
-إغفال نقاط الضعف الإثيوبية: يركز الباحث على هشاشة ما يسميه استراتيجية التطويق المصرية، لكنه لا يناقش التحديات التي قد تحد من النفوذ الإثيوبي نفسه؛ مثل التوترات الداخلية والصراعات المسلحة والأعباء الاقتصادية والخلافات مع بعض الجيران.
-تبسيط دوافع جنوب السودان: يربط الكاتب إنهاء مصر وجودها العسكري بتوقيع جنوب السودان على الاتفاقية الإطارية لحوض النيل، معتبرًا ذلك تحولًا أيديولوجيًّا كاملًا نحو معسكر دول المنبع. لكن هذا الطرح يتجاهل أن سلوك جوبا الدبلوماسي يتسم بالبراجماتية الشديدة ومحاولة إمساك العصا من المنتصف؛ فالتوقيع قد يكون مجرد ورقة للمساومة وجلب مكاسب من الطرفين (مصر وإثيوبيا)، وليس عداءً مطلقًا للمصالح المصرية؛ لاسيما وأن جنوب السودان تعاني من فيضانات ضخمة وتحتاج للمشروعات المصرية للتحكم في المياه.
-إغفال تأثير القوى الدولية الكبرى في المنطقة: يقدم التحليل المشهد في القرن الإفريقي وحوض النيل كأنه ملعب حصري للقوى الإقليمية الثلاث (مصر، إثيوبيا، جنوب السودان)، متجاهلًا تمامًا أدوار القوى الدولية المؤثرة؛ مثل الولايات المتحدة، والصين، والقوى الخليجية بجانب إسرائيل؛ حيث لدى هذه الأطراف الدولية مصالح حيوية في استقرار جنوب السودان وأمن البحر الأحمر؛ ما يعني أن تدخلاتها أو ضغوطها غير المعلنة خلف الكواليس هي ما يصيغ كواليس القرار في جوبا، وليس فقط التنافس الثنائي بين القاهرة وأديس أبابا.

اترك تعليقاً
