د. خلود عبد الحفيظ
باحثة بوحدة الدراسات الإيرانية
اعتمدت الاحتجاجات في إيران على استخدام وسائل الاتصال الحديثة، وعلى رأسها الإنترنت، وخلال السنوات الأخيرة، أصبح الإنترنت هو الوسيلة الأساسية لتنظيم التحركات وتبادل المعلومات ومعرفة ما يجري في المدن الأخرى؛ لذلك، لم يعد قطع الإنترنت إجراءً تقنيًا عابرًا، بل سياسة متكررة تلجأ إليها الدولة كلما تصاعد الغضب الشعبي، ولعل هذا الواقع يطرح تساؤلات جوهرية وهي هل نجح قطع الإنترنت فعلًا في إخماد الاحتجاجات؟ وما الذي كسبته الدولة أو خسرته من تكرار هذا الأسلوب؟ وهل يمكن السيطرة على المجتمع عبر التحكم في تدفق المعلومات من دون معالجة أسباب الاحتجاج نفسها؟!
التكنولوجيا والاحتجاجات في إيران
غيرت وسائل الاتصال الحديثة شكل النقاش العام في إيران، بعدما كسرت احتكار الدولة للمعلومة. فقد أتاحت المنصات الإلكترونية للناس متابعة ما يجري خارج مدنهم، وتبادل التجارب، وربط المطالب المعيشية بقضايا سياسية أوسع. هذا التوسع في تبادل المعلومات أضعف مركزية الخطاب الرسمي، وجعل من الصعب على الدولة التحكم الكامل فيما يعرفه الناس أو كيفية فهمهم للأحداث.
في المقابل، تعتبر الدولة الإنترنت مجالًا سياسيًا يصعب ضبطه، لا مجرد وسيلة اتصال. لذلك، لا يقتصر تدخلها على حذف محتوى أو إغلاق منصات بعينها، بل يمتد إلى التحكم في الشبكة نفسها. فبدلا من مواجهة الآراء المنتشرة أو مناقشتها، تعمل الدولة على تعطيل إمكانية تداولها من الأساس.
يكشف هذا النهج عن أزمة أعمق في علاقة الدولة بالمجتمع. فبدلا من اعتبار المواطنين أطرافًا فاعلة في نقاش عام مفتوح، ينظر إليهم كمستخدمين يجب التحكم في سلوكهم، وبهذا، يتحول الإنترنت من فرصة لتعزيز الحوار إلى ساحة صراع، تفرض فيها السلطة قيودا عبر المنع والتقييد بدلا من الحوار، ما يفاقم التوتر ويعمق فجوة الثقة بين الطرفين.
قطع الإنترنت في إيران كوسيلة للتحكم بالوعي
لا يقتصر هدف قطع الإنترنت على تعطيل تنسيق الاحتجاجات في الشارع، بل يمتد إلى التأثير في طريقة فهم الناس لما يجري من حولهم. فعندما ينقطع الاتصال، يعجز الأفراد عن معرفة حجم الاحتجاجات أو انتشارها أو عدد المشاركين فيها. وبهذا، يفقد الحدث صورته الكاملة، ويبدو وكأنه احتجاجات محدودة ومتفرقة، لا حركة واسعة ذات امتداد كبير.
تلجأ الدولة إلى هذا الأسلوب باعتباره بديلًا أسهل من المواجهة السياسية المباشرة. فبدلا من الاعتراف بالمشكلات أو تقديم حلول مقنعة، تعطل الدولة القنوات التي تنقل مطالب المحتجين، ومن ثم فإنها لا تدير الأزمة عبر الحوار أو السياسات العامة، بل عبر حجب الرؤية وتأجيل الانفجار.
غير أن هذه السياسة تنطوي على مفارقة واضحة، إذ لا تقتصر آثار الإغلاق على المحتجين وحدهم فالتجار، والطلاب، والعاملون في كل قطاعات الدولة، وحتى الأسر العادية، يتضررون مباشرة من توقف الاتصال. ومع تكرار هذه التجربة يتحول قطع الإنترنت من إجراء موجه إلى عقاب جماعي يولد غضبًا أوسع ويضيف فئات جديدة إلى دائرة الغضب الشعبي بدلا من تقليصها.
التكيّف المجتمعي وحدود السيطرة التقنية
منح التكرار المستمر لقطع الإنترنت خبرة جماعية للتعامل مع الإغلاق. فقد تعلم كثير من الإيرانيين استخدام وسائل بديلة للبقاء على اتصال، سواء عبر أدوات كسر الحجب أو وسائل تقنية أخرى. وبذلك، لم يعد المستخدم فردًا عاجزًا أمام قرار الإغلاق بل طرفًا يسعى باستمرار لإيجاد حلول، ما يقلل من فعالية هذا الإجراء مع مرور الوقت.
داخليا، تترك هذه المواجهة غير المتكافئة أثرًا تراكميًا على صورة الدولة. فالاعتماد المتكرر على الإغلاق يؤكد على عجز السلطة على إدارة الخلافات عبر الحوار أو الإقناع. ومع كل موجة قطع يزداد الشعور بانعدام الشفافية وتترسخ قناعة بأن الدولة تخشى التواصل المفتوح، وهو ما يضعف ثقة المجتمع في مؤسسات الدولة.
أما على المستوى الخارجي، فلا تمر هذه السياسات دون ثمن، فالإغلاق المتكرر يزيد الانتقادات الحقوقية الموجهة لإيران، ويؤكد صورتها كدولة تقيد الحريات. كما تدفع المستخدمين للاعتماد على منصات خارج السيطرة المحلية، ما يؤدي تدريجيًا إلى فقدان الدولة قدرتها على تنظيم المجال الرقمي حتى في الأوقات العادية، لا في لحظات الاحتجاج فقط.
خاتمة
في المحصلة، لا يمكن اعتبار قطع الإنترنت أداة مستدامة لإدارة الاحتجاجات أو ضبط الداخل في إيران. فرغم ما يوفره من مكاسب أمنية قصيرة المدى، فإن فعاليته الإستراتيجية تتآكل مع تكرار استخدامه، كما أن قطع الإنترنت في إيران ليس حلًا أمنيًا بقدر ما هو تعبير عن أزمة في إدارة الداخل. فالغلق يحقق ضبطًا مؤقتًا لتدفق المعلومات، لكنه يفشل في معالجة جذور الاحتجاجات وينتج آثارًا عكسية تتراكم مع الزمن.
