د. خلود عبد الحفيظ

باحثة في وحدة الدراسات الإيرانية

دخلت إيران مرحلة سياسية شديدة الحساسية بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية عليها، وما ارتبط بها من استهداف مباشر لرأس الدولة واغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي في صباح يوم السبت 28 فبراير 2026م.

وعلى الرغم من أن هذه الحرب تمثل تحديًا وجوديًا للنظام الإيراني، فإنها في الوقت ذاته تفتح أمامه فرصة كبيرة لإعادة تشكيل شرعيته السياسية داخليًا؛ فقبل اندلاع المواجهة العسكرية كان النظام يواجه حالة من التآكل في الثقة الشعبية نتيجة الضغوط الاقتصادية والاحتجاجات المتكررة، غير أن العدوان الخارجي غيّر إلى حد كبير طبيعة المشهد الداخلي، حيث تحولت الأولويات داخل المجتمع الإيراني من انتقاد النظام إلى الدفاع عن الدولة، وبدأت ملامح مرحلة سياسية جديدة تتشكل في ظل الحرب.

التهديد الخارجي كأداة لإعادة إنتاج الشرعية

منذ قيام الجمهورية الإسلامية في إيران عقب الثورة الإيرانية عام 1979م، ارتبطت شرعية الدولة بدرجة كبيرة بخطاب المقاومة ومواجهة القوى الخارجية التي تُقدَّم في الخطاب الرسمي باعتبارها تسعى إلى إضعاف الدولة الإيرانية. وقد تعزز هذا الخطاب خلال الحرب العراقية الإيرانية 1980–1988م، التي تحولت في الذاكرة السياسية الإيرانية إلى نموذج للصمود الوطني في مواجهة التهديد الخارجي.

ومنذ ذلك الحين ظل استحضار فكرة “الدفاع عن الثورة والوطن” أحد أهم مصادر الشرعية السياسية للنظام. وفي هذا الإطار توفر الحرب الحالية مع الولايات المتحدة وإسرائيل بيئة مثالية لإعادة تفعيل هذا النمط؛ فعندما تُصوَّر المواجهة على أنها محاولة خارجية لإضعاف إيران، يصبح الدفاع عن الدولة مسألة تتجاوز الخلافات السياسية الداخلية، ويتحول دعم النظام إلى جزء من الدفاع عن الوطن ذاته.

ولقد كان المشهد الداخلي في إيران قبل الحرب يتسم بدرجة عالية من التوتر السياسي والاجتماعي؛ فقد شهدت البلاد خلال السنوات الأخيرة موجات متكررة من الاحتجاجات المرتبطة بالأوضاع الاقتصادية والقيود السياسية، كما تصاعدت أصوات المعارضة التي انتقدت أداء النظام وقدرته على إدارة الأزمات الداخلية. وفي هذا السياق بدا أن العلاقة بين قطاعات من المجتمع والدولة تمر بمرحلة من التباعد، خصوصًا مع استمرار الضغوط الاقتصادية الناتجة عن العقوبات الدولية. لكن التطورات العسكرية الأخيرة أحدثت تحولًا ملحوظًا في المزاج العام داخل البلاد؛ إذ إن فكرة تعرض إيران لعدوان خارجي مباشر دفعت قطاعات واسعة من المجتمع إلى إعادة النظر في أولوياتها السياسية، وبرزت حالة من الالتفاف الوطني حول الدولة باعتبارها الجهة المسؤولة عن حماية البلاد في مواجهة التهديد الخارجي.

وقد انعكس هذا التحول في خروج مظاهرات حاشدة في عدد من المدن الإيرانية دعمًا للنظام ومؤسساته، وهو ما يشير إلى أن الحرب نجحت في إعادة توحيد جزء مهم من المجتمع حول فكرة الدفاع عن الدولة؛ ففي لحظات التهديد الوجودي تميل المجتمعات عادة إلى تجاوز خلافاتها الداخلية مؤقتًا، وهو ما يبدو واضحًا في الحالة الإيرانية الحالية.

صعود مجتبى خامنئي وتحول المزاج السياسي

لعل أحد أهم التحولات التي أفرزتها الحرب يتمثل في التغير الملحوظ في الموقف من صعود مجتبى خامنئي إلى موقع القيادة؛ فقبل اندلاع الحرب كان اسمه يثير جدلًا واسعًا داخل إيران، حيث كانت بعض التيارات السياسية تعارض فكرة توليه القيادة باعتبارها تعبيرًا عن نزعة نحو توريث السلطة داخل النظام.

غير أن الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد ساهمت في تغيير هذا المشهد بصورة ملحوظة؛ فقد شهدت البلاد إعلان العديد من الفئات دعمها لمجتبى خامنئي، بل وظهرت موجة من المبايعات له باعتباره القائد القادر على إدارة البلاد في هذه المرحلة الحساسة. وبناءً على ما سبق، فإن هذا التحول يعكس إدراكًا متزايدًا لدى قطاعات من المجتمع بأن البلاد تحتاج إلى قيادة تمتلك خبرة مسبقة في إدارة الدولة خلال فترة الحرب.

كما أن شخصية مجتبى خامنئي تحمل بعض العناصر التي قد تعزز من فرص قبوله في هذه المرحلة؛ فإلى جانب خبرته الطويلة في العمل داخل دوائر الحكم خلال فترة قيادة والده، كان يُنظر إليه داخل النظام باعتباره شخصية مطلعة على كثير من تفاصيل إدارة الدولة، حتى إن بعض الأوساط السياسية كانت تطلق عليه لقب “بوابة المرشد”، في إشارة إلى أن العديد من الملفات كانت تمر عبره قبل الوصول إلى المرشد.

الحرب كفرصة لإعادة بناء الشرعية السياسية

تمنح الظروف الحالية النظام الإيراني فرصة مهمة لإعادة بناء شرعيته السياسية، خاصة إذا تمكن من إدارة الحرب بصورة تحافظ على مكانة الدولة وهيبتها؛ ذلك أن المجتمعات التي تتعرض لتهديد خارجي تميل غالبًا إلى دعم القيادات التي تُظهر قدرة على حماية الدولة ومواجهة التحديات بثبات.

وفي هذا السياق تبدو القيادة الجديدة أمام اختبار حاسم؛ فإذا نجحت في إدارة الحرب بطريقة تُظهر أن إيران قادرة على الصمود في مواجهة الضغوط العسكرية والسياسية، فقد يؤدي ذلك إلى تعزيز الثقة الشعبية بالنظام وإعادة ترسيخ شرعيته السياسية لسنوات قادمة. كما قد يسهم ذلك في ترسيخ موقع مجتبى خامنئي بوصفه وليَّ فقيهٍ قاد البلاد خلال مرحلة صعبة ونجح في الحفاظ على تماسكها.

وفي المقابل تظل هذه الفرصة مرتبطة بدرجة كبيرة بنتائج الحرب وطريقة إدارتها؛ فإذا انتهت المواجهة بصورة تحافظ على هيبة الدولة الإيرانية، سواء عبر تحقيق مكاسب واضحة أو عبر إنهاء الصراع دون إضعاف مكانة إيران، فقد يتحول ذلك إلى مصدر دعم سياسي مهم للنظام. أما إذا فشلت القيادة في إدارة هذه المرحلة، فستعود الخلافات الداخلية إلى الواجهة، وستتحول قضية توريث السلطة إلى نقطة ضعف كبيرة ستستغلها قوى المعارضة لإعادة تعبئة الداخل ضد النظام.

خاتمة

لا تمثل الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران مجرد صراع عسكري، بقدر ما تشكل لحظة سياسية حاسمة قد تعيد تشكيل معادلة الشرعية داخل النظام الإيراني؛ فبينما كانت الدولة تواجه قبل الحرب تحديات داخلية متزايدة، أدت المواجهة الخارجية إلى خلق حالة من الالتفاف الوطني وإعادة ترتيب مراكز القوة داخل النظام.

وتبقى النتيجة النهائية لهذه العملية مرتبطة بقدرة القيادة الإيرانية على إدارة الحرب والحفاظ على مكانة الدولة؛ فإذا نجحت في ذلك فقد تتحول هذه الأزمة إلى نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من الاستقرار السياسي، أما إذا أخفقت فستفتح الباب أمام تحديات داخلية أكثر تعقيدًا، ستضع النظام أمام خطر وجودي في المستقبل القريب.

 

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version