عبدالله فارس القزاز .. باحث بوحدة الدراسات الإفريقية
يشهد الأسبوع الثالث من أغسطس تحولات متزامنة في عدد من الدوائر الأمنية والسياسية المحيطة بمصر، من السودان وإثيوبيا إلى ليبيا، بما يعكس استمرار إعادة تشكيل موازين القوى في محيطها الإقليمي. ففي السودان، تتجه قيادة الجيش إلى توسيع المسار السياسي بالتوازي مع استمرار الحرب، بينما تشهد إثيوبيا تحركات جديدة بين القوى المسلحة قد تعيد ترتيب خريطة الصراع الداخلي. وفي ليبيا، تكثف القاهرة اتصالاتها مع مراكز القوة في الشرق والغرب، في إطار الدفع نحو توحيد المؤسسات والحفاظ على وحدة الدولة. وتكشف هذه التطورات، رغم اختلاف طبيعتها، عن بيئة إقليمية متحركة تفرض على مصر متابعة مسارات الصراع وإعادة بناء الدولة في جوارها المباشر، لما لها من انعكاسات على أمن الحدود والاستقرار الإقليمي والمصالح الاستراتيجية المصرية.

في 15 أغسطس أعلن رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان بدء حوار مع القوى الوطنية لاستكمال مؤسسات الحكم، وفي مقدمتها تشكيل المجلس التشريعي، كما وافق على مبادرة طرحتها مجموعة وطنية مستقلة لإطلاق حوار سوداني شامل، مع توفير ضمانات قانونية وسياسية وأمنية للمشاركين. وأكد انفتاحه على مبادرات السلام، شريطة ألا تؤدي إلى عودة مليشيات الدعم السريع إلى السلطة. وجاء ذلك خلال كلمته بمناسبة الذكرى الـ72 لتأسيس القوات المسلحة السودانية.
سودانيا : يعكس الجمع بين التحرك نحو استكمال مؤسسات الحكم وفتح المجال أمام حوار وطني محاولة من قيادة الجيش لإعادة بناء الإطار السياسي للدولة بالتوازي مع استمرار الحرب. فطرح تشكيل المجلس التشريعي باعتباره استحقاقًا دستوريًا، مع منح مبادرة الحوار الوطني ضمانات قانونية وسياسية، يشير إلى سعي القيادة السودانية إلى الانتقال تدريجيًا من إدارة الدولة في ظروف الحرب إلى بناء مظلة سياسية أوسع يمكن أن تستند إليها السلطة خلال المرحلة المقبلة. وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأنها تأتي في ظل استمرار غياب تسوية نهائية للصراع، بما يعني أن المؤسسة العسكرية تبدو راغبة في إنتاج مسار سياسي لا ينتظر انتهاء الحرب بالكامل، وإنما يتحرك بالتوازي معها.كما تكشف تصريحات البرهان أن الحوار المقترح لا يمثل، في صورته الحالية، مسارًا تفاوضيًا مباشرًا بين الجيش و ومليشيات الدعم السريع، وإنما محاولة لإعادة تنظيم المجال السياسي حول القوى التي تعتبرها قيادة الجيش جزءًا من المعادلة الوطنية. ويظهر ذلك بوضوح في الشروط التي وضعها البرهان لأي تسوية، وعلى رأسها تخلي الدعم السريع عن السلاح وتجميع قواته وعودة المدنيين إلى مناطقهم. وبالتالي، فإن الموقف يعكس رغبة في الفصل بين مسارين: مسار سياسي يمكن توسيعه عبر الحوار مع القوى الوطنية، ومسار عسكري وسياسي يتعلق بمستقبل الدعم السريع وشروط إدماجه في أي ترتيبات لاحقة.ومن زاوية أعمق، فإن الخطوة تفتح معركة موازية حول شكل الدولة السودانية بعد الحرب ومن يمتلك حق تمثيلها. فنجاح الجيش في تشكيل مؤسسات سياسية جديدة بالتزامن مع استمرار العمليات العسكرية يمكن أن يمنحه قدرة أكبر على تحديد قواعد المرحلة الانتقالية المقبلة، ولكن ربما قد ترى قوى سياسية أخرى أن استكمال المؤسسات في ظل استمرار الحرب قد يؤدي إلى إعادة إنتاج ترتيبات سياسية منحازة لأحد طرفي الصراع. لذلك سيكون الاختبار الحقيقي للحوار في مدى اتساع قاعدة المشاركين فيه واستقلالية مخرجاته، وليس فقط في توفير الضمانات القانونية لانعقاده.
مصريا : يعد تحرك البرهان أهمية مباشرة لمصر، لأن استكمال مؤسسات الحكم السودانية وفتح مسار حوار وطني يمكن أن يوفرا إطارًا سياسيًا للتعامل مع تداعيات الحرب، بما يقلل من مخاطر تحول السودان إلى دولة بلا مؤسسات سياسية قادرة على إدارة المرحلة الانتقالية. وتتمثل المصلحة المصرية الأساسية في الحفاظ على الدولة السودانية ومؤسساتها الوطنية ومنع تحول الصراع العسكري إلى تفكك سياسي دائم، خصوصًا أن استمرار الانقسام قد يخلق بيئة أكثر ملاءمة لانتشار الجماعات المسلحة وشبكات التهريب بالقرب من الحدود المصرية.كما أن تمسك البرهان برفض أي تسوية تعيد الدعم السريع إلى السلطة يكتسب أهمية بالنسبة للقاهرة من زاوية شكل التسوية التي يمكن أن تنتج عنها الحرب. فمصر معنية بأن تنتهي الحرب إلى ترتيبات تحافظ على وحدة مؤسسات الدولة السودانية، بدل تكريس واقع يقوم على وجود سلطتين أو كيانين متوازيين. ومن ثم فإن أي حوار وطني قادر على توسيع قاعدة التوافق السياسي، دون أن يتحول إلى غطاء لإعادة إنتاج الانقسام المؤسسي، يمكن أن يمثل عاملًا مساعدًا في تثبيت الدولة السودانية ومنع امتداد الأزمة إلى دول الجوار.وفي المقابل، فإن استمرار الحرب بالتوازي مع إعادة بناء مؤسسات الحكم يفرض على القاهرة مراقبة المسار السياسي السوداني بدقة، لأن نجاح الحوار أو فشله سيؤثر في شكل المرحلة التي ستلي الحرب. فإذا تحول الحوار إلى إطار جامع يمكن أن يساهم في إعادة بناء الدولة، فقد يساعد ذلك في استعادة قدر من الاستقرار على الحدود الجنوبية المصرية. أما إذا أدى إلى تعميق الاستقطاب السياسي بين القوى السودانية، فقد يصبح عاملًا إضافيًا لإطالة الصراع، بما يضاعف الضغوط الأمنية والإنسانية على مصر ويزيد من احتمالات حركة السكان والسلاح عبر الحدود.
بالتالي : تسعى قيادة الجيش خلال المرحلة المقبلة إلى الجمع بين استمرار الضغط العسكري على الدعم السريع وبين بناء مسار سياسي أكثر تنظيمًا من خلال المجلس التشريعي والحوار الوطني. وسيكون نجاح هذا المسار مرتبطًا بمدى قدرته على جذب قوى سياسية واجتماعية واسعة وعدم تحوله إلى عملية سياسية تقتصر على القوى المؤيدة للجيش.وفي ملف السلام، سيظل موقف البرهان قائمًا على محاولة فرض شروط مسبقة قبل الدخول في تسوية شاملة، وهو ما قد يجعل استئناف التفاوض المباشر مع مليشيا الدعم السريع أكثر صعوبة على المدى القريب. وفي المقابل، فإن استمرار الضغوط الدولية والإقليمية قد يدفع الأطراف تدريجيًا إلى البحث عن صيغة تجمع بين الترتيبات الأمنية والمسار السياسي، بدل استمرار الحرب دون أفق واضح.وبالنسبة لمصر، سيظل السيناريو الأكثر ملاءمة هو تطور الحوار السوداني في اتجاه يحافظ على وحدة الدولة ومؤسساتها ويمنع نشوء كيانات موازية، بالتزامن مع مسار تفاوضي يؤدي إلى وقف الحرب. أما استمرار القتال مع إعادة تشكيل المؤسسات السياسية بصورة منفصلة عن تسوية شاملة، فقد يؤدي إلى مرحلة جديدة من الاستقطاب ويجعل استقرار السودان أكثر ارتباطًا بنتائج الصراع العسكري على الأرض.
في 18 أغسطس 2026، أعلنت جماعة «فانو» المسلحة في إثيوبيا عن تحالفات جديدة مع قوى مسلحة من إقليم تيغراي بالإضافة إلي سبعة من الجماعات الأخرى ، بهدف توحيد القوى المناهضة للحكومة الفيدرالية بقيادة رئيس الوزراء آبي أحمد والسعي إلى إسقاطها. ويكتسب الإعلان أهمية خاصة لكون الأمهرة والتيغراي كانتا طرفين متحاربين خلال حرب تيغراي بين عامي 2020 و 2022. ولا تزال طبيعة هذا التحالف ومدى شموله غير محسومة، إذ لم تعلن الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي رسميًا انضمامها إلى تحالف مع «فانو»، ولم يصدر عنها تأكيد رسمي حتى الآن. وبالتالي، فإن التطور يمثل في مرحلته الحالية إعلانًا من جانب «فانو» عن تقارب مع قوى تيغراوية، وليس اتفاقًا مكتملًا ومعلنًا بين جميع الأطراف.
استراتيجيا : تكمن أهمية التطور في أن مجرد طرح تحالف بين «فانو» وقوى من تيغراي يعكس تحولًا مهمًا في حسابات القوى المسلحة الإثيوبية. فالطرفان يحملان إرثًا من الصراع المباشر والخلافات السياسية والمجتمعية والحدودية، ومع ذلك فإن ظهور مصلحة مشتركة في مواجهة الحكومة الفيدرالية قد يدفعهما إلى إعادة ترتيب أولوياتهما. ومن منظور أمني، فإن انتقال جماعات كانت تنظر إلى بعضها باعتبارها خصمًا مباشرًا إلى التفكير في التنسيق ضد مركز السلطة يمثل مؤشرًا على أن الصراع الإثيوبي بدأ يتجاوز خطوط الانقسام التقليدية بين الأقاليم والقوميات، ويتجه نحو إعادة تشكيل التحالفات على أساس الموقف من الحكومة المركزية. ولا يقتصر هذا التحول في التحالفات على العلاقة بين فانو وقوى تيغراي، إذ سبق أن شهدت العلاقة بين تيغراي وإريتريا نفسها انتقالًا لافتًا من العداء والصدام خلال حرب تيغراي إلى تقارب وتنسيق في مواجهة الحكومة الفيدرالية، بما يعكس مدى قابلية التحالفات في شمال إثيوبيا لإعادة التشكل وفقًا لمعادلة الخصومة مع المركز.وإذا تحول هذا التحالف من إعلان سياسي إلى تنسيق ميداني فعلي، فقد يفرض على الحكومة الفيدرالية معادلة أمنية أكثر تعقيدًا من تلك التي واجهتها خلال السنوات الماضية. فوجود ضغط مسلح في الأمهرة بالتزامن مع احتمال نشوء تقارب مع قوى من تيغراي يعني أن الحكومة قد تواجه تهديدات من اتجاهات متعددة، بما يصعب عليها تركيز قدراتها الأمنية في جبهة واحدة. والأهم أن القيمة الاستراتيجية لهذا التقارب لا تكمن فقط في حجم القوات التي يمكن أن يجمعها، وإنما في إمكانية تبادل المعلومات والخبرات وفتح مسارات حركة وإمداد بين مناطق كانت مغلقة أمام بعضها بفعل الصراع السابق. وفي هذه الحالة، قد تتحول إثيوبيا من صراعات مسلحة متفرقة إلى شبكة من الضغوط المتزامنة على المركز.كما يرتبط التطور بأزمة العلاقة بين المركز والأقاليم. فمحاولة الحكومة منذ 2023 دمج المليشيات المسلحة في مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية اصطدمت بمقاومة من «فانو»، بينما لا تزال ترتيبات ما بعد حرب تيغراي غير قادرة على إزالة جميع مصادر التوتر. وبالتالي، فإن ظهور تقارب جديد بين قوى مسلحة من الأمهرة وتيغراي يمكن أن يكون مؤشرًا على محدودية قدرة الحكومة على احتواء البنية المسلحة خارج مؤسسات الدولة. وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد يصبح التحدي أمام آبي أحمد ليس مجرد التعامل مع تمرد محلي، وإنما الحفاظ على تماسك النموذج الفيدرالي نفسه ومنع انتقال التوتر من أقاليم محددة إلى أزمة أوسع في علاقة المركز بالأقاليم.
إقليما : يمثل أي تصعيد واسع داخل إثيوبيا أهمية مباشرة لمصر، لأن استقرار الدولة الإثيوبية يرتبط بملفات تتجاوز حدودها، وفي مقدمتها مياه النيل وسد النهضة والقرن الأفريقي. وإذا تحول التقارب بين «فانو» وقوى تيغراي إلى جبهة مسلحة فعالة، فإن انشغال الحكومة الإثيوبية بتعدد الجبهات الداخلية قد يؤثر في أولوياتها الخارجية وقدرتها على إدارة الملفات الإقليمية بكفاءة. ولا يعني ذلك بالضرورة حدوث تغير مباشر في السياسة الإثيوبية تجاه مصر أو ملف السد، لكنه يخلق بيئة أكثر اضطرابًا يمكن أن تؤثر في طريقة إدارة أديس أبابا لملفاتها الاستراتيجية.وتتمثل النقطة الأكثر حساسية بالنسبة للقاهرة في احتمال انتقال إثيوبيا من مرحلة الصراعات الإقليمية المحدودة إلى مرحلة استنزاف أمني طويل الأجل. فكلما اتسعت رقعة الصراع، زادت احتمالات تراجع قدرة الدولة على ضبط حدودها ومراقبة حركة السلاح والمقاتلين، كما يمكن أن تتوسع شبكات التهريب والنشاطات المسلحة في المناطق الحدودية. وبالنسبة لمصر، فإن هذا السيناريو يهمها ليس فقط من زاوية إثيوبيا نفسها، وإنما بسبب موقعها ضمن منظومة القرن الأفريقي المتصلة بالسودان والبحر الأحمر، حيث يمكن لأي اضطراب واسع أن ينتج تداعيات أمنية متسلسلة على دول الجوار.كما أن التقارب المحتمل بين قوى أمهرا وتيغراي يستحق متابعة مصرية من زاوية تأثيرها على مستقبل الدولة الإثيوبية. فنجاح تحالف عابر للانقسامات الإثنية التقليدية قد يدفع الحكومة إلى تشديد قبضتها الأمنية، بينما قد يؤدي فشلها في احتواء هذه القوى إلى إعادة طرح أسئلة أوسع حول توزيع السلطة بين المركز والأقاليم. وفي كلا السيناريوهين ، تظل مصلحة مصر الأساسية مرتبطة بمنع تحول إثيوبيا إلى بؤرة صراع ممتد تؤثر تداعياته في السودان والقرن الأفريقي، مع ضرورة متابعة ما إذا كان هذا التقارب سيبقى في إطار التنسيق السياسي أم سيتحول إلى تعاون عسكري واستخباراتي وميداني فعلي.
مستقبلًا: يظل التطور خلال المرحلة الأولى في نطاق اختبار إمكانية بناء جبهة مشتركة بين القوى المناهضة للحكومة، خصوصًا في ظل عدم صدور تأكيد رسمي من قيادة تيغراي. وسيكون المؤشر الأكثر أهمية هو ظهور تنسيق ميداني أو عمليات مشتركة أو مؤشرات على فتح قنوات إمداد واتصال بين «فانو» والقوى التي تتحدث عنها .وفي حال تحول التقارب إلى تحالف عسكري فعلي، فقد تواجه حكومة آبي أحمد مرحلة أكثر صعوبة، مع احتمال زيادة العمليات المسلحة في الأمهرة وعودة التوتر إلى مناطق مرتبطة بتيغراي. أما بالنسبة لمصر، فسيكون المؤشر الأهم هو مدى تأثير هذا التصعيد على تماسك الدولة الإثيوبية، وعلى توجهات أديس أبابا في ملف سد النهضة وعلاقاتها مع السودان ودول القرن الأفريقي.ويظل السيناريو الأكثر حساسية هو تحول التحالفات الحالية إلى جبهة واسعة تضم قوى مسلحة من عدة أقاليم، بما قد يفتح الباب أمام دورة جديدة من الصراع الداخلي الإثيوبي. أما إذا بقي التقارب محدودًا وغير قادر على تجاوز الخلافات التاريخية بين الأطراف، فمن المرجح أن يظل تأثيره محصورًا في زيادة الضغط على الحكومة الفيدرالية دون تغيير جوهري في توازن القوى داخل البلاد.
في 19 أغسطس 2026، استقبل الرئيس عبد الفتاح السيسي المشير خليفة حفتر، القائد العام للجيش الوطني الليبي، بحضور رئيس أركان الجيش الوطني الليبي، ومدير صندوق إعادة إعمار ليبيا، ورئيس المخابرات العامة المصرية. وتناول اللقاء تطورات الوضع الليبي، مع تأكيد مصر ثوابت موقفها بشأن الحفاظ على وحدة ليبيا، وتوحيد مؤسساتها، وإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، إلى جانب بحث فرص التعاون المشترك ودعم الأمن والاستقرار والتنمية. وتأتي أهمية اللقاء في سياق تحرك مصري متزامن تجاه طرفي المشهد الليبي، بعد استقبال القاهرة رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة في نهاية يوليو ، بما يعكس استمرار القاهرة في إدارة اتصالاتها مع مراكز القوة الرئيسية في شرق وغرب ليبيا.
دلالات الحدث:تكمن أهمية اللقاء في أن القاهرة لا تتعامل مع حفتر في هذه المرحلة باعتباره مجرد فاعل عسكري في شرق ليبيا، وإنما باعتباره أحد مراكز القوة التي سيكون لها تأثير في أي ترتيبات مقبلة لإعادة تشكيل الدولة الليبية. ويعزز ذلك طبيعة الوفد المرافق له؛ فوجود رئيس الأركان ومدير صندوق إعادة الإعمار إلى جانب القائد العام ينقل مضمون الزيارة من المجال العسكري الضيق إلى ثلاثة مستويات مترابطة: القوة العسكرية، وإدارة المؤسسات، وإعادة بناء الاقتصاد والبنية التحتية. ومن منظور آخر ، فإن الجمع بين هذه المستويات مهم لأنه يعكس أن الصراع الليبي يتجه تدريجيًا من سؤال «من يسيطر؟» إلى سؤال «من سيكون جزءًا من صيغة الدولة المقبلة وكيف ستوزع أدوات القوة والموارد داخلها؟». وبالتالي، فإن القاهرة تبدو معنية بفهم تموضع حفتر في هذه المرحلة ليس فقط باعتباره قائدًا عسكريًا، وإنما باعتباره طرفًا مؤثرًا في معادلة ما بعد المرحلة الانتقالية.ويرتبط توقيت اللقاء بطبيعة التحرك المصري؛ فاستقبال حفتر في 19 أغسطس يأتي بعد فترة قريبة من استقبال عبد الحميد الدبيبة في نهاية يوليو الماضي ، وهو تسلسل يصعب قراءته باعتباره مجرد مصادفة بروتوكولية. فالقاهرة بذلك تحافظ على اتصال مباشر مع جناحي السلطة والقوة في ليبيا في وقت تتزايد فيه الضغوط لإعادة ترتيب المرحلة الانتقالية. والأهم أن الرسالة المصرية المعلنة أمام الطرفين بقيت ثابتة: وحدة الدولة، توحيد المؤسسات، الانتخابات، والاستقرار. وهذا يعني أن القاهرة تحاول فصل علاقاتها مع الفاعلين الليبيين عن موقفها من الشكل النهائي للسلطة، بحيث لا تصبح مصالحها مرتبطة ببقاء حكومة أو قيادة بعينها. وبذلك ، تمنح هذه المقاربة القاهرة ميزة مهمة تتمثل في الاحتفاظ بقنوات معلومات واتصال مع مختلف مراكز القرار، بما يسمح لها برصد تغير موازين القوى مبكرًا وعدم التعرض لفراغ سياسي أو أمني في حال حدوث تحول مفاجئ داخل ليبيا.
ويتصل ذلك أيضًا بتزايد مستوى التنسيق المصري التركي بشأن الملف الليبي، حيث ناقش وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره التركي هاكان فيدان، خلال اجتماعهما في العلمين في 13 أغسطس 2026، آخر التطورات في ليبيا، وأكدا توافق الرؤى بشأن وحدة الدولة الليبية وسيادتها وتوحيد مؤسساتها. ويكتسب هذا التنسيق أهمية إضافية في ضوء زيارة فيدان إلى طرابلس وبنغازي قبل لقائه بالجانب المصري، بما يشير إلى اتجاه القاهرة وأنقرة نحو تحويل تقارب مواقفهما بشأن ليبيا إلى تحرك مشترك.أما المؤسسة العسكرية نفسها، فتحتل موقعًا أكثر أهمية داخل الحسابات السياسية المقبلة، في ظل التأكيد المصري على توحيد المؤسسات، بالتزامن مع لقاء حفتر بحضور رئيس الأركان. فالمشكلة الأساسية في ليبيا ليست غياب الحديث عن «جيش موحد»، وإنما الخلاف حول القيادة والسيطرة وسلسلة الأوامر وتوزيع الموارد ودمج أو إعادة تنظيم التشكيلات المسلحة. ولذلك فإن أي تقدم حقيقي في هذا الملف سيعيد تشكيل ميزان القوى داخل ليبيا بصورة عميقة. ومن هنا يمكن قراءة استمرار التواصل المصري مع حفتر باعتباره محاولة للحفاظ على القدرة على التأثير في أحد أهم مكونات معادلة إعادة توحيد المؤسسة العسكرية، مع عدم التخلي في الوقت نفسه عن التواصل مع المؤسسات الموجودة في غرب ليبيا. وهذه نقطة مهمة؛ لأن توحيد المؤسسة العسكرية، إذا تحقق، لن يكون مجرد إجراء أمني، بل سيكون أحد المفاتيح الرئيسية لإعادة بناء الدولة الليبية وإنهاء تعدد مراكز القوة.
مصريا : يرتبط استقرار ليبيا بأمن الحدود الغربية المصرية. فاستقرار المنطقة الشرقية والوسطى من ليبيا يرتبط مباشرة بقدرة الدولة الليبية على السيطرة على المساحات الحدودية والصحراوية ومواجهة شبكات التهريب والجماعات المسلحة. وفي ظل استمرار تعدد مراكز القوة داخل ليبيا، تظل الحدود معرضة لمخاطر لا يمكن التعامل معها من الجانب المصري وحده، لأن جزءًا من مصادر التهديد يتشكل داخل الأراضي الليبية قبل أن يتحرك باتجاه الحدود. وبالتالي، فإن استمرار القاهرة في التواصل مع حفتر، بالتوازي مع التواصل مع الدبيبة، يوفر لها قنوات مختلفة لمتابعة الوضع الأمني داخل ليبيا، وفهم اتجاهات الحركة العسكرية والسياسية في الشرق والغرب، والحفاظ على قدرة أكبر على التحرك في حال حدوث تغير مفاجئ في خريطة السيطرة أو التحالفات.كما أن توحيد المؤسسة العسكرية الليبية، إذا انتقل من مستوى الخطاب إلى التنفيذ، يمكن أن يؤدي إلى تغيير جوهري في البيئة الأمنية المحيطة بمصر. فوجود مؤسسة عسكرية وطنية موحدة يعني نظريًا وجود جهة أكثر وضوحًا يمكن التنسيق معها في تأمين الحدود ومواجهة الإرهاب والتهريب وحماية المنشآت الاستراتيجية. أما استمرار الانقسام، فيعني بقاء أكثر من مركز لاتخاذ القرار الأمني، وبالتالي استمرار صعوبة بناء منظومة متكاملة لضبط الحدود ومواجهة التهديدات العابرة لها. لذلك فإن القاهرة لديها مصلحة في دفع أي مسار واقعي يؤدي إلى توحيد القيادة والسيطرة، ولكن دون الدخول في ترتيبات قد تعيد إنتاج هيمنة طرف واحد على الدولة الليبية أو تؤدي إلى صدام جديد بين مراكز القوة.ويرتبط الاقتصاد وإعادة الإعمار كذلك باعتبارات الأمن القومي، باعتبارهما أدوات أمن قومي وليست مجرد ملفات تجارية. فوجود مدير صندوق إعادة إعمار ليبيا ضمن الوفد يلفت الانتباه إلى أن مرحلة إعادة الإعمار قد تصبح إحدى ساحات إعادة توزيع النفوذ داخل ليبيا، خصوصًا مع ضخ استثمارات ضخمة في البنية التحتية والطاقة والنقل. بالنسبة لمصر، فإن المشاركة في هذه العملية تمنحها فرصة لتوسيع مصالحها الاقتصادية داخل ليبيا وربطها بمشروعات طويلة الأجل، لكنها في الوقت نفسه تتطلب بيئة سياسية وأمنية مستقرة ومؤسسات قادرة على تنفيذ الاتفاقات وحمايتها. ومن ثم، فإن القاهرة لا تنظر فقط إلى حجم المشروعات المحتملة، وإنما إلى الجهة التي ستديرها، والإطار المؤسسي الذي ستتم من خلاله، ومدى قدرة الدولة الليبية الموحدة مستقبلًا على حماية المصالح المصرية من تغيرات السلطة.والأهم أن التحرك المصري المتزامن مع الدبيبة وحفتر يمنح القاهرة هامشًا استراتيجيًا في مواجهة احتمال إعادة ترتيب السلطة الليبية. فإذا شهدت المرحلة المقبلة تسوية سياسية أو ترتيبات جديدة للسلطة التنفيذية، فإن مصر تكون قد حافظت مسبقًا على قنوات اتصال مع مراكز القوة الأساسية بدل الدخول إلى مرحلة جديدة من الأزمة من موقع يعتمد على طرف واحد. وهذا يقلل من مخاطر المفاجأة الاستراتيجية بالنسبة للقاهرة، ويمنحها قدرة أكبر على التأثير في الملفات التي تمس أمنها المباشر، خصوصًا الحدود والمؤسسة العسكرية والطاقة وإعادة الإعمار.
مستقبلًا: تستمر القاهرة في سياسة «إدارة التوازن» بين مراكز القوة الليبية، بحيث تحافظ على التواصل مع حفتر والمؤسسات المرتبطة بالشرق، بالتوازي مع استمرار قنوات الاتصال مع حكومة الوحدة والمؤسسات الموجودة في الغرب. وسيكون الهدف الأساسي هو الحفاظ علي وحدة الأراضي الليبية وسيادتها و حماية المصالح المصرية ومنع تحول أي تغير في موازين القوى داخل ليبيا إلى تهديد مباشر للأمن القومي المصري.وفي حال تطورت الاتصالات السياسية نحو ترتيبات جديدة للمرحلة الانتقالية، سيصبح ملف توحيد المؤسسة العسكرية أكثر حساسية، لأن أي اتفاق سياسي لا يترافق مع ترتيبات واضحة للقيادة والسيطرة سيبقي الانقسام الأمني قائمًا. لذلك ستراقب القاهرة بصورة خاصة العلاقة بين المسار السياسي ومسار توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية في ظل التحركات الأمريكية لتوحيد المؤسسات ، باعتبار أن نجاح أحدهما دون الآخر قد لا يكون كافيًا لإنهاء حالة عدم الاستقرار.أما على المستوى الاقتصادي، فمن المرجح أن يتزايد ارتباط التعاون المصري مع ليبيا بملفات إعادة الإعمار والطاقة والنقل، مع محاولة القاهرة تحويل علاقاتها السياسية والأمنية الحالية إلى مصالح مؤسسية طويلة الأجل. ويظل العامل الحاسم هو قدرة ليبيا على الانتقال من تعدد مراكز القوة إلى مؤسسات موحدة؛ فكلما اقتربت ليبيا من هذا المسار، ارتفعت فرص تحول الحضور المصري من إدارة المخاطر إلى شراكة استراتيجية مستقرة.