ديناميات الجماعات المسلحة في أفريقيا (٤)

 

محمود سامح همام

في ضوء تناول سلسلة الجماعات المسلحة في القارة الأفريقية، نتناول في هذه الورقة البحثية جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، باعتبارها واحدة من أخطر التنظيمات الجهادية النشطة في منطقة الساحل الأفريقي، وأكثرها قدرة على استغلال هشاشة الحدود وضعف مؤسسات الدولة والأزمات السياسية والأمنية التي تشهدها المنطقة؛ فقد واصلت الجماعة خلال السنوات الأخيرة توسيع نطاق عملياتها وتعزيز نفوذها في منطقة الساحل، لتتحول من تحالف لعدد من الجماعات المسلحة إلى فاعل مسلح عابر للحدود يمتلك قدرة متزايدة على تهديد الأمن والاستقرار الإقليمي. ومن هنا تبرز أهمية دراسة هذه الجماعة لفهم نشأتها وتطورها وأهدافها وأدوات توسعها، وتأثير نشاطها على الأمن الإقليمي والأمن القومي للدول الأفريقية، وانعكاساته على المصالح والأمن القومي المصري، وهو ما يجعلنا أمام تساؤلات جوهرية حول طبيعة الجماعة، وكيف تمكنت من بناء هذا النفوذ، وما مستقبل تهديدها في القارة الأفريقية.

المحور الأول: نشأة جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وتطورها

تعود نشأة جماعة نصرة الإسلام والمسلمين إلى مارس ٢٠١٧، عندما أُعلن عن تأسيسها في شمال مالي باعتبارها تحالفًا لعدد من الجماعات الجهادية الناشطة في منطقة الساحل، وعلى رأسها جماعة أنصار الدين، وتنظيم المرابطون، وفرع الصحراء التابع لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وجماعة كتيبة ماسينا. وجاء تأسيس الجماعة في سياق أمني شديد التعقيد شهدته مالي ومنطقة الساحل، خاصة بعد تصاعد حالة عدم الاستقرار التي أعقبت أزمة مالي عام ٢٠١٢، وما ترتب عليها من انتشار الجماعات المسلحة وتراجع قدرة الدولة على فرض سيطرتها على مناطق واسعة من البلاد. وتولى إياد أغ غالي قيادة التنظيم، مستفيدًا من خبرته السابقة في العمل المسلح وشبكاته الممتدة في شمال مالي، بينما أعلنت الجماعة ولاءها لتنظيم القاعدة، لتصبح لاحقًا أحد أبرز أذرعه في منطقة الساحل الأفريقي.

ولم يكن تأسيس الجماعة مجرد عملية اندماج تنظيمي بين عدد من الفصائل، وإنما مثّل محاولة لإعادة تنظيم النشاط الجهادي في الساحل تحت قيادة أكثر مركزية وقدرة على التنسيق، بما يسمح لها بتوسيع نطاق عملياتها وتجنيد عناصر جديدة والاستفادة من البيئة الأمنية الهشة في المنطقة. ومع مرور الوقت، تمكنت الجماعة من الانتقال من التركيز على شمال ووسط مالي إلى توسيع نشاطها داخل بوركينا فاسو والنيجر، ثم بدأت في الضغط باتجاه الدول الساحلية في غرب أفريقيا، وهو ما جعلها تمثل تهديدًا يتجاوز الحدود التقليدية للصراع في الساحل. وتكمن أهمية هذا التطور في أن الجماعة لم تعد تعتمد فقط على السيطرة المباشرة على الأراضي، وإنما أصبحت تعمل على بناء نفوذ محلي من خلال استغلال النزاعات القبلية والإثنية، وتقديم نفسها في بعض المناطق باعتبارها بديلًا عن مؤسسات الدولة الضعيفة، إلى جانب استخدام القوة المسلحة لإضعاف وجود الحكومات المركزية.

وقد ساعدت مجموعة من العوامل على استمرار نمو الجماعة، من بينها ضعف المؤسسات الأمنية، واتساع المناطق الحدودية غير الخاضعة للرقابة، والفقر والتهميش، والنزاعات المحلية، وتراجع قدرة بعض الحكومات على توفير الخدمات والأمن للسكان. كما استفادت الجماعة من حالة الفراغ الأمني التي أعقبت الانقلابات العسكرية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، فضلًا عن تراجع الوجود العسكري الفرنسي والغربي في منطقة الساحل، الأمر الذي أوجد بيئة أكثر تعقيدًا أمام جهود مكافحة الإرهاب. وبذلك أصبحت نصرة الإسلام والمسلمين خلال سنوات قليلة من أبرز الفاعلين المسلحين في الساحل، وأحد أهم التهديدات التي تواجه استقرار دول المنطقة، وهو ما يمهد للانتقال إلى دراسة الهيكل التنظيمي للجماعة، وطبيعة قيادتها، ومصادر قوتها وتمويلها، والأدوات التي تستخدمها في توسيع نفوذها داخل القارة الأفريقية.

المحور الثاني: الانتشار الجغرافي لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين وتطور نطاق عملياتها

تمكنت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين منذ تأسيسها عام ٢٠١٧ من الانتقال من تنظيم يتركز نشاطه بصورة أساسية في شمال ووسط مالي إلى جماعة مسلحة عابرة للحدود تمتد عملياتها عبر مساحة واسعة من منطقة الساحل الأفريقي، ويتركز ثقلها الرئيسي في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، مع تزايد الضغوط والعمليات باتجاه الدول الساحلية في غرب أفريقيا. وتكشف المؤشرات الحديثة عن حجم هذا التوسع؛ إذ شهدت منطقة الساحل خلال العام الماضي نحو ٩٨٢٦ حالة وفاة مرتبطة بنشاط الجماعات الإسلامية المسلحة، وكانت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين مرتبطة بنحو ٧٨٪ من هذه الوفيات، فضلًا عن ارتباطها بنحو ٢٥٠٢ حادثة من أصل ٣٠٣٩ حادثة عنف مسجلة في المنطقة خلال الفترة نفسها، وهو ما يعكس موقعها كأبرز محرك للعنف المسلح في الساحل.

وتُعد مالي مركز الثقل الأساسي لنشاط الجماعة، حيث بدأت عملياتها بصورة مكثفة في المناطق الشمالية والوسطى، قبل أن تتجه تدريجيًا نحو الجنوب والمناطق الغربية الأكثر أهمية من الناحية الاقتصادية والاستراتيجية. وتظهر البيانات أن منطقتي سيغو وموبتي في وسط مالي سجلتا نحو ٦٠٪ من إجمالي أحداث العنف المرتبطة بالجماعات الإسلامية المسلحة في البلاد، بواقع ٦٠٥ أحداث من أصل ١٠٢٢ حدثًا مسجلًا في الفترة التي تناولها التقرير. كما شهد نشاط الجماعة تحولًا جغرافيًا واضحًا خلال الفترة الأخيرة؛ ففي الفترة من يوليو ٢٠٢٤ إلى يونيو ٢٠٢٥، وقعت قرابة ٢٠٪ من أنشطة العنف المرتبطة بالجماعة في غرب وجنوب مالي، مقارنة بنحو ٨٪ فقط في العام السابق، بينما تجاوز عدد الوفيات الناتجة عن هذه العمليات في تلك المناطق ٤٥٠ حالة، بما يعكس انتقال الجماعة تدريجيًا نحو مناطق كانت بعيدة نسبيًا عن مركز نشاطها التقليدي.

أما بوركينا فاسو، فقد أصبحت إحدى أهم ساحات نشاط الجماعة، خاصة من خلال الفصائل التابعة لها مثل أنصار الإسلام وجبهة تحرير ماسينا وكتيبة حنيفة، حيث استطاعت الجماعة استغلال الحدود الممتدة بين مالي وبوركينا فاسو لإنشاء مناطق حركة واسعة يصعب على القوات الحكومية السيطرة عليها بصورة مستمرة. وخلال النصف الأول من عام ٢٠٢٥، نفذت الجماعات الإسلامية المسلحة، وعلى رأسها فصائل مرتبطة بنصرة الإسلام والمسلمين، ٤٢ هجومًا على الأقل أسفر كل منها عن مقتل ١٠ جنود أو أكثر، كما شهدت مدن مثل جيبو ودياباجا هجمات واسعة أظهرت قدرة الجماعة على الانتقال من استهداف المناطق الريفية إلى الضغط على المراكز الحضرية والعسكرية.

وفي النيجر، يتداخل نشاط نصرة الإسلام والمسلمين مع نشاط تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل، ولا سيما في المناطق الحدودية مع مالي وبوركينا فاسو. وقد ساعدت طبيعة الحدود المفتوحة بين الدول الثلاث على حركة العناصر المسلحة ونقل الموارد والخبرات، بينما أدت حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني التي أعقبت انقلاب عام ٢٠٢٣ إلى زيادة تعقيد البيئة الأمنية. وتشير البيانات إلى أن الوفيات المرتبطة بالعنف الجهادي في النيجر ارتفعت إلى نحو ١٦٥٥ وفاة، بزيادة كبيرة مقارنة بالفترة السابقة للانقلاب، وهو ما يعكس اتساع نطاق التهديد المسلح في البلاد.

ولا يتوقف التوسع عند دول الساحل الثلاث؛ إذ بدأت الجماعة في الضغط باتجاه دول خليج غينيا، مستفيدة من الحدود الطويلة وضعف القدرات الأمنية في بعض المناطق الحدودية. ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة بالنسبة إلى بنين وتوغو وكوت ديفوار وغانا، فضلًا عن امتداد التهديد نحو مناطق أخرى في غرب أفريقيا. فقد سجلت بنين خلال الفترة الأخيرة ارتفاعًا بنسبة ١٢٩٪ في الوفيات المرتبطة بالجماعات الإسلامية المسلحة، لتصل إلى ٣٧٤ وفاة، بينما تجاوزت الوفيات في توغو الضعف لتصل إلى ١٠١ وفاة، بما يؤكد أن التهديد لم يعد محصورًا في قلب الساحل، وإنما يتحرك تدريجيًا نحو الدول الساحلية ذات الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية.

وبذلك، فإن الانتشار الجغرافي لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين لا يمكن فهمه باعتباره مجرد توسع عسكري من دولة إلى أخرى، وإنما يمثل استراتيجية للتمدد التدريجي عبر المناطق الحدودية، واستغلال الفراغات الأمنية والنزاعات المحلية، والضغط على طرق التجارة ومراكز الطاقة والمدن الرئيسية؛ ففي مالي، بدأت الجماعة منذ سبتمبر ٢٠٢٥ في استهداف خطوط إمداد الوقود القادمة عبر الممرات التجارية من السنغال وكوت ديفوار، الأمر الذي تسبب في اضطرابات اقتصادية وارتفاعات في الأسعار، بما يوضح أن هدف الجماعة أصبح يتجاوز استنزاف القوات الحكومية إلى التأثير في قدرة الدولة على إدارة الاقتصاد والحفاظ على الاتصال بين مراكزها السكانية.

المحور الثالث: الهيكل التنظيمي لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين ومصادر قوتها

تتميز جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بهيكل تنظيمي مرن يجمع بين القيادة المركزية والوحدات المحلية، وهو ما منحها قدرة كبيرة على التكيف مع طبيعة الصراع في منطقة الساحل. ويتصدر إياد أغ غالي قيادة الجماعة منذ تأسيسها في مارس ٢٠١٧، وقد أعلنت الجماعة منذ البداية ارتباطها بتنظيم القاعدة، لتصبح الذراع الأبرز للتنظيم في منطقة الساحل. وتضم الجماعة عددًا من الفصائل والكتائب التي تحتفظ بدرجة من الاستقلال العملياتي، وفي مقدمتها جبهة تحرير ماسينا التي يقودها أمادو كوفا، إلى جانب عناصر مرتبطة بأنصار الدين والمرابطون وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وهو ما يسمح للجماعة بالعمل في أكثر من ساحة في الوقت نفسه.

 

وتشير تقديرات حديثة إلى أن القوة البشرية للشبكة المرتبطة بجماعة نصرة الإسلام والمسلمين تتراوح بين ٦ آلاف و٧ آلاف مقاتل، وهو رقم يعكس قدرتها على الاحتفاظ بقوة قتالية كبيرة مقارنة بغيرها من التنظيمات الجهادية في منطقة الساحل. كما أن غالبية عناصرها ينحدرون من دول المنطقة نفسها، الأمر الذي يساعدها على الاستفادة من الروابط القبلية والمحلية والمعرفة الجغرافية بالمناطق التي تنشط فيها.   ولا تعتمد الجماعة في عملية التجنيد على العامل الأيديولوجي وحده، وإنما تستغل أيضًا الفقر والتهميش والنزاعات المحلية وضعف الخدمات الحكومية والانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون، حيث أشارت دراسات حديثة إلى أن الجماعة تستغل العنف والانتهاكات المرتبطة ببعض الحكومات والقوات المتحالفة معها في مالي وبوركينا فاسو لتقديم نفسها باعتبارها قوة قادرة على حماية بعض المجتمعات المحلية، وجذب مزيد من العناصر إلى صفوفها.

أما من حيث مصادر القوة والتمويل، فقد طورت الجماعة مجموعة من الآليات التي تمكنها من الاستمرار في عملياتها، من بينها فرض الإتاوات والضرائب على السكان والأنشطة الاقتصادية في المناطق التي تتمتع فيها بنفوذ، إلى جانب الاستفادة من عمليات التهريب والاقتصاد غير الرسمي، واستغلال طرق التجارة والمناطق الحدودية. وتكشف التطورات الأخيرة أن الجماعة أصبحت تستخدم الضغط الاقتصادي كأداة عسكرية وسياسية؛ ففي مالي، استهدفت طرق نقل الوقود والشاحنات والممرات التجارية، بل سعت إلى عزل العاصمة باماكو عن بعض مصادر الإمداد، في استراتيجية تهدف إلى إضعاف قدرة الحكومة على توفير السلع والطاقة وإظهار عجزها عن السيطرة على أراضي الدولة.

كما تمثل المرونة التنظيمية والقدرة على الحركة عبر الحدود أحد أهم عناصر قوة الجماعة؛ فالمناطق الحدودية بين مالي وبوركينا فاسو والنيجر توفر بيئة مناسبة لتحرك عناصرها وتغيير مناطق انتشارها وتجنب الضغط العسكري. ومع توسع نشاطها جنوبًا، أصبحت تستفيد كذلك من المناطق الحدودية والغابات في شمال بنين، حيث تشير تحليلات حديثة إلى استخدام الجماعة للمناطق صعبة الرقابة لإنشاء قواعد لوجستية وممرات للحركة.

ومن ثم، فإن قوة نصرة الإسلام والمسلمين لا ترتبط فقط بعدد مقاتليها أو قدراتها العسكرية، وإنما تقوم على مزيج من القيادة المركزية، والانتشار المحلي، والقدرة على التجنيد، والتمويل الذاتي، واستغلال الحدود والمساحات غير الخاضعة للسيطرة الحكومية. وهذا النموذج التنظيمي هو أحد أهم الأسباب التي ساعدت الجماعة على الاستمرار والتوسع، رغم الحملات العسكرية التي استهدفتها، ويمهد ذلك للانتقال إلى دراسة أهداف الجماعة واستراتيجيتها في إدارة الصراع ومواجهة الحكومات والجماعات المسلحة المنافسة في منطقة الساحل.

المحور الرابع: الوضع الراهن لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين وأبرز عملياتها خلال عام ٢٠٢٦

يشهد نشاط جماعة نصرة الإسلام والمسلمين خلال عام ٢٠٢٦ تصعيدًا ملحوظًا، خاصة في مالي، حيث انتقلت الجماعة إلى تنفيذ هجمات أكثر تنسيقًا واستهداف مواقع عسكرية ومراكز استراتيجية، بالتزامن مع استمرار نشاطها في بوركينا فاسو والنيجر. ويأتي ذلك في ظل تدهور الوضع الأمني في منطقة الساحل، إذ ارتفعت الوفيات المرتبطة بهجمات الجماعات المسلحة في مالي خلال عام ٢٠٢٦ بنحو ٣٥٪ مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

ومن أبرز التطورات الهجوم المنسق الذي وقع في ٢٥ أبريل ٢٠٢٦، حيث شاركت فيه جماعة نصرة الإسلام والمسلمين إلى جانب جبهة تحرير أزواد (FLA)، واستهدف عدة مواقع ومدن مالية في وقت متزامن، من بينها باماكو وكاتي وغاو وموبتي وكيدال. وتُعد هذه العملية نقطة تحول مهمة؛ لأنها أظهرت قدرة الجماعات المسلحة على التنسيق عبر مناطق جغرافية واسعة فى توقيت متزامن، والوصول بالعمليات إلى محيط العاصمة المالية.

التعاون بين نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير أزواد

يمثل التعاون بين جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير أزواد أحد أبرز التطورات الأمنية في مالي خلال عام ٢٠٢٦، رغم الاختلاف الكبير بين الطرفين من حيث الأيديولوجيا والأهداف؛ فجبهة تحرير أزواد ذات توجه انفصالي وتتركز مطالبها في استقلال أو حكم ذاتي لشمال مالي، بينما تتبنى نصرة الإسلام والمسلمين مشروعًا جهاديًا مرتبطًا بتنظيم القاعدة. ولذلك فإن هذا التعاون لا يمكن وصفه بالتحالف الأيديولوجي، وإنما يبدو أقرب إلى تنسيق ميداني قائم على وجود عدو مشترك يتمثل في الحكومة المالية والقوات المتحالفة معها. وتشير التحليلات إلى أن الطرفين سبق أن نسقا عمليات محدودة، إلا أن مستوى التعاون اتسع بصورة واضحة خلال عام ٢٠٢٦.

وقد ظهر هذا التنسيق بصورة بارزة في هجمات أبريل ٢٠٢٦، ثم تكرر خلال يوليو، عندما أعلنت الجماعتان مسؤوليتهما عن كمين استهدف قوات مالية، كما شاركتا في هجمات متزامنة على مواقع عسكرية في شمال ووسط وجنوب مالي. ويعكس ذلك تحولًا مهمًا في طبيعة الصراع؛ فالتنسيق بين قوة جهادية مرتبطة بالقاعدة وحركة انفصالية ذات قاعدة طوارقية يمنح الطرفين قدرة أكبر على استغلال نقاط ضعف القوات الحكومية، ويفرض على باماكو مواجهة تهديد مزدوج يجمع بين التمرد الانفصالي والإرهاب الجهادي. كما أن استمرار هذا التعاون قد يؤدي إلى إعادة تشكيل خريطة الصراع في شمال مالي، خصوصًا إذا تحول من تنسيق مؤقت إلى ترتيبات عملياتية أكثر استدامة.

المحور الخامس: جماعة نصرة الإسلام والمسلمين والتحولات الجيوسياسية في منطقة الساحل

لا يمكن فهم تنامي نفوذ جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بمعزل عن التحولات الجيوسياسية التي شهدتها منطقة الساحل خلال السنوات الأخيرة؛ فقد تزامن صعود الجماعة مع تراجع النفوذ الفرنسي والغربي، والانقلابات العسكرية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وتوجه هذه الدول نحو تعزيز علاقاتها العسكرية مع روسيا. وفي مالي تحديدًا، أدى إنهاء التعاون مع الشركاء الغربيين وخروج بعثة الأمم المتحدة، إلى جانب الاعتماد المتزايد على Africa Corps الروسية (الفيلق الروسى)، إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية التي تتحرك داخلها الجماعة. وفي يونيو ٢٠٢٦، اتخذت بوركينا فاسو خطوة إضافية بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع فرنسا، في مؤشر جديد على عمق التحول في خريطة التحالفات داخل الساحل.

وفي هذا السياق، استفادت الجماعة من الفراغات الأمنية والسياسية الناتجة عن إعادة ترتيب العلاقات الإقليمية والدولية، فبدلًا من مواجهة الحكومات بشكل مباشر فقط، أصبحت تستفيد من التوتر بين الأنظمة العسكرية الجديدة والقوى المحلية المختلفة. ويبرز ذلك بوضوح في مالي، حيث أدى انهيار إطار اتفاق الجزائر للسلام وخروج بعثة الأمم المتحدة وتعزيز التعاون مع روسيا إلى إعادة تشكيل الصراع، ودفع جماعات كانت متباينة الأهداف إلى تنسيق عملياتها ضد خصم مشترك. كما أظهرت تطورات ٢٠٢٦ أن الدعم الروسي، رغم أنه عزز القدرات القتالية للقوات المالية، لم ينجح حتى الآن في إنهاء قدرة الجماعات المسلحة على الحركة والقيام بعمليات واسعة.

ومن أبرز مظاهر هذا التحول التعاون الميداني بين نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير أزواد؛ فالجماعة الجهادية والحركة الانفصالية الطوارقية تختلفان جذريًا في الأهداف، لكنهما وجدتا في الحكومة المالية وقوات Africa Corps خصمًا مشتركًا. وقد ظهر ذلك في هجمات أبريل ٢٠٢٦، ثم في كمين أنفيس في ١٨ يوليو ٢٠٢٦ الذي استهدف قافلة للقوات المالية والروسية، وأسفر وفق التقارير عن مقتل ما لا يقل عن ٥٠ جنديًا ماليًا. ويكشف هذا التطور أن التحولات الجيوسياسية لم تؤثر فقط في علاقة دول الساحل بالقوى الخارجية، وإنما أعادت أيضًا تشكيل علاقات الجماعات المسلحة نفسها، بما يزيد من تعقيد المشهد الأمني ويمنح نصرة الإسلام والمسلمين قدرة أكبر على المناورة والضغط على الدولة.

وبالتالي، يمكن القول إن التحول الجيوسياسي في الساحل لم يكن عاملًا خارجيًا عن صعود جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، بل أصبح جزءًا من البيئة التي مكنتها من تعزيز نفوذها؛ فكلما تراجعت آليات التعاون الإقليمي والدولي، واتسعت الفجوة بين الحكومات والمجتمعات المحلية، زادت قدرة الجماعة على استغلال الفراغات الأمنية وإعادة تشكيل تحالفاتها، وهو ما يجعل مستقبلها مرتبطًا بصورة مباشرة بمستقبل التنافس الدولي والإقليمي على منطقة الساحل.

المحور السادس: تداعيات نشاط جماعة نصرة الإسلام والمسلمين على الأمن الإقليمي والمصري

يمثل تصاعد نشاط جماعة نصرة الإسلام والمسلمين تهديدًا يتجاوز حدود مالي وبوركينا فاسو والنيجر، خاصة مع توسع الجماعة باتجاه دول خليج غينيا، وفي مقدمتها بنين وتوغو، وهو ما ينذر بانتقال بؤرة النشاط الجهادي من منطقة الساحل إلى مناطق أكثر قربًا من الممرات التجارية والموانئ الاستراتيجية في غرب أفريقيا. وقد حذرت دراسات حديثة من أن توسع الجماعة جنوبًا أصبح أحد أبرز مصادر القلق الأمني لدول غرب أفريقيا، خصوصًا مع قدرتها على استغلال المناطق الحدودية وضعف الحضور الحكومي فيها.

ولا يقتصر تأثير الجماعة على الجانب الأمني، بل يمتد إلى الاستقرار السياسي والاقتصادي والإنساني؛ فاستهداف الطرق الرئيسية وشاحنات الوقود وطرق التجارة يمكن أن يؤدي إلى تعطيل حركة السلع ورفع تكاليف النقل وإضعاف اقتصادات الدول الهشة، كما أن استمرار العنف يدفع السكان إلى النزوح ويزيد من الضغوط المرتبطة بالهجرة غير النظامية. وتكتسب هذه التداعيات أهمية أكبر في ظل اتساع نطاق العنف في الساحل وتجاوزه للحدود الوطنية، بما يجعل مواجهته بحاجة إلى تعاون إقليمي يتجاوز الإجراءات العسكرية التقليدية.

وبالنسبة إلى مصر، فإن خطورة تمدد الجماعة تنبع بصورة أساسية من تأثيره في البيئة الأمنية الأفريقية ككل، خاصة أن استمرار عدم الاستقرار في الساحل قد يساهم في تعزيز شبكات الإرهاب والجريمة المنظمة والاتجار غير المشروع وتهريب السلاح والبشر، بما يخلق تحديات متراكمة أمام دول شمال أفريقيا. كما أن اتساع نشاط الجماعات المرتبطة بالقاعدة نحو غرب القارة يفرض على القاهرة متابعة تطورات المشهد الأمني في الساحل، باعتبار أن أمن شمال أفريقيا لا ينفصل عن أمن باقي الأقاليم الأفريقية، وأن تزايد نشاط التنظيمات الإرهابية قد يخلق مسارات جديدة لانتقال الأفكار المتطرفة والعناصر والخبرات القتالية عبر الحدود.

ومن ثم، فإن تنامي نفوذ نصرة الإسلام والمسلمين يمثل تحديًا للأمن الإقليمي الأفريقي، ليس فقط بسبب قدرتها العسكرية، وإنما بسبب قدرتها على استغلال الفراغ الأمني والسياسي وبناء نفوذ محلي وتعطيل الاقتصاد والتحرك عبر الحدود. وهو ما يجعل مواجهة الجماعة يتطلب مقاربة شاملة تجمع بين مكافحة الإرهاب، وتعزيز أمن الحدود، ودعم مؤسسات الدولة، ومعالجة أسباب التهميش والفقر والنزاعات المحلية، إلى جانب تعزيز التعاون الأفريقي في تبادل المعلومات وملاحقة شبكات التمويل والجريمة المنظمة. وفي هذا السياق، تظل مصر معنية بدعم استقرار القارة ومواجهة التنظيمات الإرهابية باعتبار أن استقرار أفريقيا يمثل أحد المكونات المهمة للأمن القومي المصري.

ختامًا، يتضح أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين لم تعد مجرد جماعة مسلحة تنشط داخل مالي، وإنما تحولت إلى فاعل جهادي عابر للحدود يمتلك قدرة متزايدة على التكيف مع التحولات الأمنية والسياسية في منطقة الساحل، مستفيدة من هشاشة مؤسسات الدولة والفراغات الأمنية واتساع نطاق الأزمات المحلية. كما أن توسع نشاطها، وتنامي قدرتها على تنفيذ عمليات منسقة، وتعاونها الميداني مع بعض الجماعات المسلحة، يمثل تحديًا متزايدًا لأمن دول الساحل والاستقرار الإقليمي، ويجعل مواجهة خطرها بحاجة إلى استراتيجية شاملة لا تقتصر على الحل العسكري، بل تشمل تعزيز مؤسسات الدولة، وتأمين الحدود، وتجفيف مصادر التمويل، ومعالجة أسباب التهميش والنزاعات المحلية. ومن هذا المنطلق، فإن استمرار تمدد الجماعة يمثل تهديدًا للأمن الأفريقي، ويستدعي اهتمامًا أكبر من الدول العربية والأفريقية، وفي مقدمتها مصر، للحفاظ على استقرار القارة ومواجهة التداعيات المحتملة لانتشار التنظيمات الإرهابية والجماعات المسلحة.

 

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version