عبدالله فارس القزاز .. باحث بوحدة الدراسات الإفريقية
في ظل المتابعة المستمرة التي تجريها وحدة الدراسات الأفريقية للتطورات المتسارعة التي تشهدها القارة الأفريقية، وما يرتبط بها من تداخل متنامٍ بين الأبعاد الأمنية والسياسية والاقتصادية في عدد من مناطق التوتر الإقليمي، يأتي هذا التقرير ليرصد ويحلل أبرز خمسة أحداث شهدتها أفريقيا ومحيط البحر الأحمر خلال الأسبوع . ويركز التقرير على التطورات التي تحمل دلالات استراتيجية ذات صلة مباشرة أو غير مباشرة بالأمن القومي المصري، مع استكشاف انعكاساتها المحتملة على البيئة الأمنية الإقليمية. كما يتناول التقرير تأثير هذه التطورات في ضوء ما تشهده القارة من استمرار للنزاعات المسلحة، واتساع دوائر عدم الاستقرار، وتصاعد التنافس الإقليمي والدولي على الممرات البحرية والمجالات الحيوية، بما يفرض تحديات متزايدة على منظومة الأمن القومي المصري في محيطها الإفريقي والإقليمي
مثّلت الهجمات التي استهدفت مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، في 11 يونيو 2026 تطورًا بارزًا في مسار الحرب في السودان، وذلك عقب ضربات بطائرات مسيّرة أسفرت عن مقتل 23 شخصًا وإصابة 19 آخرين وفق تقديرات محلية ودولية. وقد شملت هذه الهجمات مناطق مدنية داخل المدينة، من بينها تجمعات لمواطنين أثناء مراسم تشييع بعض الضحايا، كما امتدت لتطال مناطق قريبة من مواقع عسكرية تابعة للجيش السوداني. وتأتي هذه التطورات في ظل تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة من قبل مليشيا الدعم السريع ، واتساع نطاق الاستهداف ليشمل مدنًا ذات أهمية لوجستية وعسكرية، في وقت تُعد فيه الأبيض إحدى أهم نقاط الربط بين وسط السودان وغربه.
استراتيجيا لا ترتبط أهمية هذه الهجمات بحجم الخسائر البشرية فقط، وإنما تتصل بطبيعة المدينة المستهدفة. إذ تُعد الأبيض مركزًا لوجستيًا رئيسيًا يربط إقليم كردفان بالمناطق الغربية من السودان، كما تمثل نقطة ارتكاز مهمة لحركة الإمداد والانتشار العسكري. وبناءً على ذلك، فإن استهدافها يعكس محاولة للضغط على البنية التشغيلية للجيش السوداني وإرباك قدرته على إدارة مسرح العمليات في غرب البلاد، أكثر من كونه هجومًا محدود الأثر. كما يشير الهجوم إلى تطور ملحوظ في طبيعة الحرب في السودان، يتمثل في تصاعد الاعتماد على الطائرات المسيّرة كأداة للاستنزاف وضرب العمق العملياتي، حيث باتت أطراف الصراع تميل إلى استهداف مراكز الثقل اللوجستي والعسكري بدلًا من المواجهات المباشرة، بما يؤدي إلى رفع كلفة الحرب وإطالة أمدها، ويجعل حماية المدن والمنشآت الحيوية عنصرًا حاسمًا في معادلة الصراع.
أمنيًا تعكس تطورات مدينة الأبيض مؤشرًا إضافيًا على استمرار تدهور البيئة الأمنية داخل السودان، وهو ما يكتسب أهمية خاصة بالنسبة لمصر باعتبار السودان أحد أهم دوائر عمقها الاستراتيجي جنوبًا. فكلما اتسعت رقعة عدم الاستقرار داخل السودان وتراجعت قدرة الدولة على تأمين المراكز الحيوية وشبكات الإمداد الرئيسية، ازدادت احتمالات تحول أجزاء من البلاد إلى مناطق رخوة أمنيًا، بما ينعكس على مستوى الاستقرار الإقليمي بصورة عامة. كما تبرز خطورة التصعيد من زاوية أخرى تتعلق بتنامي استخدام الطائرات المسيّرة في النزاعات الأفريقية، إذ إن انتشار هذه القدرات منخفضة التكلفة وعالية التأثير يعكس تحولًا في طبيعة التهديدات داخل القارة، من صراعات تقليدية تعتمد على السيطرة الميدانية إلى أنماط أكثر مرونة تستهدف البنية الحيوية للدول من مسافات بعيدة، بما يفرض على مصر التعامل مع بيئة إقليمية أكثر تعقيدًا تتداخل فيها أزمات السودان ومنطقة الساحل والقرن الأفريقي.
مستقبلا هذا يعني أن مدينة الأبيض مرشحة للاستمرار كهدف رئيسي خلال المرحلة المقبلة، نظرًا لموقعها المحوري في شبكة الإمداد والاتصالات العسكرية داخل السودان. ومن المرجح أن تتزايد محاولات استهداف المراكز اللوجستية والبنية الحيوية المرتبطة بها، خاصة مع تنامي الاعتماد على الطائرات المسيّرة كوسيلة لتجاوز خطوط المواجهة التقليدية. وعلى نطاق أوسع، قد تعكس هجمات الأبيض اتجاهًا متصاعدًا نحو تحويل الحرب في السودان إلى حرب استنزاف طويلة المدى تستهدف المراكز الحيوية بدلًا من السيطرة المباشرة على الأرض. وإذا استمر هذا المسار، فمن المتوقع أن تتزايد الضغوط على مؤسسات الدولة السودانية وقدرتها على إدارة المجال الجغرافي
شهدت نيجيريا في 12 يونيو 2026 إعلانًا رسميًا من الرئيس النيجيري بولا تينوبو يفيد بأن القوات الأمنية تمكنت خلال العام الأخير من “القضاء” على أكثر من 13 ألف عنصر مسلح، إلى جانب استسلام ما يزيد عن 124 ألف شخص من المقاتلين وأسرهم ضمن برامج إعادة الدمج أو الممر الأمني. وجاء هذا الإعلان في إطار تقديم صورة عن تحسن ملحوظ في الوضع الأمني داخل البلاد، خاصة في مواجهة التمردات المسلحة في الشمال. وفي الوقت نفسه، شهدت ولاية زامفارا شمال غرب البلاد هجمات مسلحة جديدة استهدفت يوم 13 يونيو مزارعين في مناطق ريفية، أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى قُدّروا وفق تقرير إخباري بحوالي أكثر من 17 مزارعًا وإصابة ما لا يقل عن 13 آخرين، إلى جانب استمرار حوادث الخطف المتكررة في القرى والمناطق الزراعية. وتأتي هذه التطورات ضمن نمط متكرر من العنف الذي يضرب المناطق الريفية في الشمال الغربي، رغم التصريحات الرسمية حول تحسن الوضع الأمني العام .
ميدانيًا ، يعكس هذا التطور حالة ازدواج واضحة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني، حيث تسعى الحكومة إلى إبراز نجاحات أمنية رقمية كبيرة، في حين تستمر التحديات الأمنية الفعلية في مناطق الشمال، خصوصًا في الولايات الريفية مثل زامفارا. ويشير استمرار الهجمات في الشمال الغربي إلى أن الصراع لم يدخل مرحلة الحسم، بل انتقل إلى نمط أكثر تعقيدًا يتمثل في “عنف منخفض الكثافة طويل الأمد”، يعتمد على الهجمات المتفرقة والخطف واستهداف المجتمعات الزراعية. ويعكس هذا النمط ضعف السيطرة الكاملة للدولة على الأطراف الريفية، مقابل تركيز الجهود على المدن والمراكز الكبرى. كما يبرز الحدث تحولًا مهمًا في طبيعة التهديدات داخل نيجيريا، من تمردات منظمة فقط إلى مزيج من الإرهاب والجريمة المنظمة، بما يجعل إدارة الأزمة أكثر تعقيدًا ويقلل من فعالية الحلول العسكرية التقليدية.
انعكاسيًا، تمثل التطورات في ولاية زامفارا جزءًا من اتساع نطاق عدم الاستقرار في غرب أفريقيا ومنطقة الساحل، وهو ما ينعكس بشكل غير مباشر على الأمن القومي المصري عبر عدة مسارات. أولًا، يؤدي استمرار هشاشة دول غرب أفريقيا إلى زيادة الضغوط المرتبطة بالهجرة غير الشرعية، حيث تتحول مناطق عدم الاستقرار إلى نقاط دفع رئيسية نحو شمال أفريقيا والبحر المتوسط، بما يخلق تحديات أمنية إضافية على الحدود الجنوبية للفضاء الإقليمي الأوسع لمصر. ثانيًا، يرتبط تمدد العنف في الساحل الأفريقي بتزايد نشاط شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود، بما في ذلك التهريب والاتجار بالبشر، وهي شبكات تمتد تأثيراتها تدريجيًا نحو شمال القارة. ثالثًا، فإن اتساع بؤر عدم الاستقرار في غرب أفريقيا يضيف طبقة جديدة من الضغط على البيئة الأمنية الإقليمية المحيطة بمصر، بالتوازي مع أزمات أخرى في السودان وليبيا والقرن الأفريقي، بما يعزز من حالة “تعدد الجبهات غير المباشرة” في محيط الأمن القومي المصري.
استشرافًا هذا يعني أن نيجيريا مرشحة للاستمرار في نمط مزدوج بين “تحسن أمني معلن” مقابل استمرار اضطرابات ميدانية في الشمال الغربي، خاصة في ولايات مثل زامفارا ، ومن المرجح أن يستمر هذا النمط دون حسم قريب، في ظل صعوبة فرض سيطرة كاملة على المناطق الريفية الواسعة. كما يُتوقع أن يستمر توسع العنف منخفض الكثافة في غرب أفريقيا، مع بقاء خطر الخطف والجريمة المنظمة عنصرًا ثابتًا في المشهد الأمني. هذا المسار قد يؤدي إلى مزيد من تآكل قدرة الدولة على فرض الاستقرار الشامل، حتى مع تحقيق نجاحات جزئية في بعض المناطق. وعلى المستوى الإقليمي الأوسع، فإن استمرار هذا النمط في غرب أفريقيا يعزز من ترابط بؤر عدم الاستقرار عبر الساحل الأفريقي، بما ينعكس على البيئة الأمنية في شمال أفريقيا والبحر المتوسط خلال الفترة المقبلة.
في 13 يونيو 2026، نشرت وسائل إعلام تصريحات لرئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس أعرب فيها عن قلق بلاده من تزايد تدفقات الهجرة غير النظامية القادمة من السواحل الليبية باتجاه اليونان، وبشكل خاص عبر المسار البحري الممتد من شرق ليبيا نحو جزيرة كريت. ودعا ميتسوتاكيس إلى تعزيز التعاون مع السلطات الليبية ودعم قدرات خفر السواحل الليبي لمكافحة شبكات التهريب، بالتوازي مع تشديد الإجراءات الأمنية في الجزر الجنوبية لليونان، ومطالبة الاتحاد الأوروبي بتقديم دعم أكبر لمواجهة هذه الظاهرة في اليونان وليبيا .
استراتيجيًا ،يعكس هذا التحرك إدراكًا متزايدًا لدى الدول الأوروبية بأن شرق ليبيا أصبح أحد المسارات الصاعدة للهجرة غير النظامية نحو جنوب أوروبا، بعد سنوات من التركيز على المسارات التقليدية المنطلقة من غرب ليبيا باتجاه إيطاليا ومالطا. ويشير ذلك إلى قدرة شبكات التهريب على التكيف مع الضغوط الأمنية وإعادة توجيه نشاطها نحو مناطق أقل رقابة وأكثر ملاءمة جغرافيًا. كما يكشف هذا التطور عن اتجاه أوروبي متجدد نحو ربط إدارة الهجرة بالترتيبات الأمنية في دول المصدر والعبور، من خلال دعم قدرات خفر السواحل والأجهزة الحدودية المحلية، بما يعكس تحولًا من معالجة تدفقات الهجرة عند الحدود الأوروبية إلى محاولة احتوائها عند نقاط الانطلاق في دول الجوار الجنوبي للمتوسط. ومن زاوية أخرى، فإن تصاعد الاهتمام الأوروبي بشرق ليبيا يمنح هذه المنطقة أهمية استراتيجية متزايدة، ليس فقط بوصفها نقطة عبور للهجرة، وإنما باعتبارها ساحة مؤثرة في أمن المتوسط والاستقرار الإقليمي.
قوميًا، تكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة لمصر في ضوء ارتباطها المباشر بالوضع الأمني في ليبيا، الذى يمثل أحد أهم دوائر الأمن القومي المصري. فتصاعد نشاط شبكات التهريب في شرق ليبيا يعكس استمرار وجود مساحات من الهشاشة الأمنية التي تتيح لفاعلين غير رسميين وشبكات الجريمة المنظمة العمل بشكل واسع.كما أن زيادة التركيز الأوروبي على شرق ليبيا قد تدفع نحو توسيع أدوار أطراف دولية داخل المنطقة، بما يمنح الملف الليبي أبعادًا تتجاوز قضية الهجرة لتشمل ترتيبات الأمن البحري وإدارة الحدود في شرق المتوسط. كذلك فإن تنامي أنشطة التهريب والهجرة غير النظامية يرتبط عادة بشبكات عابرة للحدود تمارس أنشطة موازية مثل التهريب غير المشروع والاتجار بالبشر والجماعات الإرهابية ، ما يضيف تحديات أمنية إضافية على البيئة الإقليمية المحيطة بمصر، ويؤكد أهمية استقرار ليبيا كعنصر أساسي في معادلة الأمن الإقليمي.
في المحصلة هذا يعني أن ملف الهجرة المنطلق من شرق ليبيا مرشح لاكتساب أهمية متزايدة خلال الفترة القادمة ، خاصة مع استمرار الضغوط الاقتصادية والأمنية في عدد من الدول الأفريقية التي تمثل مصادر رئيسية للهجرة غير النظامية.ومن المرجح أن تتجه اليونان والاتحاد الأوروبي إلى تعزيز التعاون الأمني واللوجستي مع السلطات الليبية، مع زيادة الدعم الموجه إلى قدرات المراقبة البحرية وحماية الحدود. كما قد تشهد المرحلة القادمة تصاعدًا في الجهود الأوروبية الرامية إلى نقل جزء من إدارة ملف الهجرة إلى دول العبور نفسها بدلًا من الاقتصار على معالجته عند الحدود الأوروبية.وعلى المدى الأوسع، فإن نجاح أو فشل هذه المقاربة سيظل مرتبطًا بدرجة الاستقرار الأمني والمؤسسي داخل ليبيا، حيث إن استمرار الهشاشة الأمنية سيبقي قدرة شبكات التهريب على التكيف وإعادة إنتاج مسارات جديدة للهجرة غير النظامية نحو أوروبا.
في 14 يونيو 2026، إلتقى رئيس إقليم أرض الصومال الانفصالي عبد الرحمن محمد بالرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ في القدس، في أول زيارة رسمية لرئيس الإقليم الانفصالي إلى إسرائيل منذ اعترافها بأرض الصومال أواخر عام 2025. وشهدت الزيارة تأكيد الجانبين رغبتهما في تعزيز التعاون السياسي والأمني والاقتصادي وما تبعها من افتتاح السفارة، مع التركيز على قضايا الأمن والاستقرار في القرن الأفريقي وأمن الملاحة البحرية.
جيوسياسيًا ،تمثل هذه الزيارة تطورًا مهمًا في مسار العلاقات بين إسرائيل وإقليم أرض الصومال الغير معترف به دوليا، إذ تنقل العلاقة من مرحلة الاعتراف الدبلوماسي إلى مرحلة بناء شراكة سياسية وأمنية مباشرة. كما تعكس سعي إسرائيل إلى توسيع حضورها في منطقة القرن الأفريقي عبر شريك يتمتع بموقع استراتيجي على خليج عدن بالقرب من أحد أهم الممرات البحرية الدولية.
ويشير هذا التطور إلى إمكانية تحول أرض الصومال إلى منصة إقليمية تمنح إسرائيل موطئ قدم إضافيًا في بيئة إقليمية تشهد تنافسًا متزايدًا بين قوى إقليمية ودولية على النفوذ والموانئ وخطوط الملاحة. كما قد يسهم في تعقيد المشهد السياسي في الصومال، في ظل رفض الحكومة الفيدرالية الصومالية لأي خطوات تُفهم باعتبارها اعترافًا بالإقليم الانفصالي، نظرًا لتعارضها مع مبادئ السيادة ووحدة الدولة.
مصريًا ، يمثل هذا التقارب بين إسرائيل وأرض الصومال تطورًا يتجاوز الإطار الدبلوماسي التقليدي، لارتباطه المباشر بإحدى أكثر المناطق حساسية بالنسبة لـمصر وهي منطقة القرن الأفريقي ومدخل البحر الأحمر الجنوبي. فالموقع الجغرافي لأرض الصومال على خليج عدن يضعها بالقرب من مضيق باب المندب، الذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية المرتبطة بحركة التجارة العالمية وقناة السويس.وتكمن أهمية الحدث في أنه يعزز من حضور إسرائيل السياسي والأمني في منطقة تُعد جزءًا من المجال الاستراتيجي المحيط بالأمن القومي المصري. فمع انتقال العلاقات من الاعتراف السياسي إلى الشراكة المباشرة، تزداد احتمالات توسيع التعاون في مجالات الأمن البحري وإدارة الموانئ وتبادل المعلومات، بما قد ينعكس على قدرة إسرائيل في متابعة وتعزيز مصالحها في محيط البحر الأحمر.
كما يأتي هذا التطور في سياق تنافس إقليمي ودولي متزايد على النفوذ في القرن الأفريقي، حيث تتداخل مصالح قوى متعددة حول الموانئ والممرات البحرية ومشروعات النقل والتجارة. وفي هذا الإطار، فإن أي توسع للحضور الإسرائيلي بالقرب من باب المندب يضيف عنصرًا جديدًا إلى معادلة التوازنات الاستراتيجية المؤثرة على أمن الملاحة في البحر الأحمر، والذي يمثل بدوره أحد المرتكزات الأساسية للأمن القومي والاقتصاد المصري.ومن زاوية أخرى، قد يؤدي ترسيخ الاعتراف الدولي بأرض الصومال الانفصالي إلى زيادة حدة التوتر بين الإقليم والحكومة الفيدرالية الصومالية، بما يضيف بؤرة عدم استقرار جديدة في القرن الأفريقي. وبالنسبة لمصر، فإن أي اضطراب إضافي في هذه المنطقة ينعكس بصورة مباشرة على البيئة الأمنية المحيطة بالبحر الأحمر، ويزيد من تعقيد التحديات الممتدة من السودان إلى القرن الأفريقي ومضيق باب المندب. بالإضافة إلى ماسبق يمثل تعزيز التعاون بين إسرائيل والإقليم الانفصالي نقطة في تعزيز اتفاقية التفاهم الموقعة بين إثيوبيا والاقليم الانفصالي بخصوص منفذ بحري مما يزيد من حدة التوترات في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر .
التقدير المستقبلي، تشير المؤشرات الحالية إلى أن العلاقات بين إسرائيل وأرض الصومال مرشحة لمزيد من التطور خلال الفترة المقبلة، خصوصًا في المجالات الأمنية والاقتصادية والبحرية. ومن المرجح أن تسعى إسرائيل إلى توظيف هذا المسار لتعزيز حضورها في منطقة خليج عدن والقرن الأفريقي، مستفيدة من الموقع الجغرافي لأرض الصومال.في المقابل، قد تواجه هذه التحركات اعتراضات من الحكومة الصومالية وبعض القوى الإقليمية التي ترى في هذا المسار مساسًا بوحدة الأراضي الصومالية. وبناءً على ذلك، من المتوقع أن يظل هذا الملف أحد مصادر التوتر في القرن الأفريقي خلال المرحلة المقبلة، مع استمرار انعكاساته على توازنات النفوذ وأمن البحر الأحمر.
في 17 يونيو 2026، بحث الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، على هامش قمة مجموعة السبع المنعقدة في فرنسا، عددًا من الملفات الثنائية والإقليمية، وفي مقدمتها ملف سد النهضة والعلاقات التجارية بين البلدين، إلى جانب تطورات الأوضاع الإقليمية. وأكد ترامب أن المباحثات تناولت قضية سد النهضة وعددًا من القضايا الثنائية الأخرى، مشيرًا إلى دعم الولايات المتحدة لمصر، وواصفًا الرئيس السيسي بـ”الصديق”. من جانبه، أعرب السيسي عن تقديره للدعم الأميركي وتفهم واشنطن للموقف المصري بشأن ملف سد النهضة. كما تطرق اللقاء إلى تطورات الملف الإيراني، وذلك في إطار نقاشات أوسع تناولت الأوضاع الراهنة في منطقة الشرق الأوسط.
دلالات الحدث ، يعكس هذا اللقاء استمرار الانخراط السياسي المباشر بين مصر والولايات المتحدة بشأن عدد من الملفات الإقليمية الحساسة، وفي مقدمتها ملف سد النهضة، الذي يمثل أحد أبرز التحديات الاستراتيجية المرتبطة بالأمن المائي المصري. كما يشير إدراج هذا الملف ضمن مباحثات رفيعة المستوى على هامش قمة دولية كبرى إلى استمرار حضوره على الأجندة الدبلوماسية الدولية، بما يمنحه بعدًا سياسيًا أوسع، ويعكس اهتمام واشنطن بمتابعة التوازنات الإقليمية المرتبطة بشرق أفريقيا وحوض النيل. وفي هذا السياق، يرتبط ملف سد النهضة بصورة مباشرة بمفهوم الأمن المائي المصري باعتباره أحد الركائز الأساسية للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. ومن ثم، فإن استمرار طرحه في المحافل الدولية يعزز من أهميته الدبلوماسية، لكنه في الوقت ذاته يعكس حساسية القضية بالنظر إلى ارتباطها بإمدادات مياه النيل الأزرق. كما أن تزامن مناقشة هذا الملف مع تطورات الشرق الأوسط والملف الإيراني يعكس تشابك القضايا الإقليمية وتداخلها، بما يجعل الأمن المصري جزءًا من منظومة أوسع من التفاعلات الجيوسياسية الممتدة من شرق أفريقيا إلى شرق المتوسط.
الانعكاسات على الأمن القومي المصري ، يمثل استمرار إدراج ملف سد النهضة ضمن النقاشات السياسية بين القاهرة وواشنطن مؤشرًا على أن القضية لم تعد تقتصر على إطارها الثنائي بين مصر وإثيوبيا، بل أصبحت جزءًا من توازنات إقليمية ودولية أوسع، وهو ما ينعكس على مساحة الحركة الدبلوماسية المصرية في إدارة هذا الملف. كما يعزز ذلك من مركزية الأمن المائي داخل الرؤية الاستراتيجية المصرية، باعتباره مرتبطًا بصورة مباشرة بالأمن الغذائي والتنمية والاستقرار الداخلي، في ظل اعتماد مصر شبه الكامل على نهر النيل كمصدر رئيسي للمياه. ومن ثم، فإن أي تغيير في تدفقات النيل الأزرق ينعكس بصورة مباشرة على قطاعات حيوية تشمل الزراعة والطاقة والنمو السكاني.
وعلى المستوى الإقليمي، فإن استمرار تناول الملف بالتوازي مع قضايا الشرق الأوسط والملف الإيراني يعكس حجم الترابط بين ملفات الأمن الإقليمي، حيث تتداخل اعتبارات المياه والطاقة والنفوذ السياسي ضمن نطاق جغرافي يمتد من شرق أفريقيا إلى شرق المتوسط. كما أن استمرار الاهتمام الأميركي بالقضية يمنح القاهرة هامشًا إضافيًا للتحرك الدبلوماسي، دون أن يغير من حقيقة أن التسوية النهائية تظل مرتبطة بالتوصل إلى تفاهم مباشر مع إثيوبيا بشأن قواعد الملء والتشغيل، وهي القضية التي لا تزال محل خلاف حتى الآن.
التقدير المستقبلي، تشير االاوضاع الحالية إلى أن ملف سد النهضة سيظل حاضرًا ضمن اللقاءات الثنائية ومتعددة الأطراف خلال الفترة المقبلة، في ظل استمرار التعقيدات الفنية والسياسية القائمة بين مصر وإثيوبيا. كما يُتوقع استمرار الدور الأميركي في دعم مسارات الوساطة والحوار دون ضرورة الوصول إلى فرض تسوية نهائية للأزمة. في الوقت الذى سيظل ملف سد النهضة أحد الأوراق والضغط المرتبطة بملفات إقليمية ذات الدلالات الدولية، مما قد يفرز تفاهمات بين إثيوبيا ومصر بإشراف امريكي للوصول إلى حل شامل، وفى المجمل سيظل الأمن المائي المصري وثيق الارتباط بتطورات هذا الملف، مع استمرار سعي القاهرة إلى توسيع نطاق الدعم الدولي لموقفها، بالتوازي مع تعزيز قدراتها الداخلية في إدارة الموارد المائية والتعامل مع مختلف السيناريوهات المرتبطة باحتمالات تراجع الإمدادات المائية.
