د. يحيى المغربي
باحث بوحدة الدراسات الإيرانية
شهد المجتمع الإيراني في الفترة من 28 ديسمبر 2025م، إلى منتصف يناير 2026م، تظاهرات واحتجاجات داخلية ضد النظام الحالي لها خلفية اقتصادية على إثر انخفاض قيمة العملة الإيرانية، وعلى الرغم من استمرار الاحتجاجات المنددة بالوضع الاقتصادي المتدني ثم المطالبة بإسقاط النظام كليًا إلا أن المواطن الإيراني مازال يعاني من ارتفاع الأسعار وغلاء السلع الأساسية التي تمس صميم احتياجاته اليومية.
تضخم الاقتصاد الإيراني
تتراوح معادلات التضخم في الاقتصاد الإيراني ما بين 40 إلى 50%، ويعد انخفاض قيمة العملة في الآونة الأخيرة من أهم الأسباب وراء ذلك، فكلما زاد سعر الدولار ارتفعت معدلات التضخم، بينما كانت نسبة التضخم العام الماضي تتراوح بين 30 إلى 40%.
ترى الحكومة الإيرانية أن معدلات التضخم تتأثر بموجة الاحتجاجات التي تتصاعد وتيرتها في البلاد، وبعض الأحداث مثل الحرب والتوترات الداخلية الأخرى، وهو ما يفهم في إطار محاولة توريط الشعب في أسباب هذا التضخم الناتجة عن سياسة هذه الحكومة الحالية وعلاقتها مع المجتمع الدولي، وما تبعه من عقوبات أرهقت المواطن.
كما يعاني الاقتصاد الإيراني من كثرة الواردات وقلة الصادرات، وعلى هذا لابد أن تحاول الحكومة تقليل نسبة التضخم من خلال اتخاذ بعض الخطوات الفعلية مثل العمل على زيادة الصادرات والاعتماد على واردات أرخص بكثير من قيمة هذه الصادرات، وزيادة الاعتماد على الإنتاج المحلي.
أسعار السلع الأساسية في إيران
ارتفعت أسعار بعض السلع الأساسية مثل السكر والزيت والأرز؛ ما عكس تداعياته السلبية على العلاقة بين المواطن والدولة، وكثيرًا ما خاطب المواطنون الإيرانيون الرئيس بزشكيان قائلين: “كان من المقرر أن يكون السيد بزشكيان صوت من لا صوت له؛ لا نستطيع شراء الأرز الهندي ولا الفاكهة وتتقلص موائدنا بدلًا من زيادة عدد الأصناف عليها”.
وبالتركيز على سلعة أساسية مثل الأرز منذ اندلاع حرب الاثني عشرة يومًا، ارتفع سعره حتى وصل إلى 350 ألف تومان (حوالي: دولاران و30 سنتا)، ولم يعد إلى الانخفاض مرة أخرى. وفي هذه الأثناء ارتفعت قيمته ليصل إلى 435 ألف تومان (حوالي 3 دولارات). ولجأت الحكومة إلى أحد أنواع الأرز الباكستاني حتى تساعد في تخفيض سعر الأرز الإيراني.
وتعود هذه الأزمة إلى عدة أسباب منها، أن إيران تواجه مشكلة الجفاف ونقص المياه وبالتالي تقل زراعة الأرز الذي يحتاج مياه كثيرة. كما أن اتساع رقعة التظاهرات أدى إلى إغلاق الطرق وتعطل نقل السلع، أثر إضراب رجال البازار وغلق محلاتهم التجارية على معاناة المواطن في الحصول على هذه السلعة؛ وعلى هذا تؤثر هذه الأسباب في ارتفاع سعر سلعة مثل الأرز.
إجراءات الحكومة الإيرانية لتحسين وضع المواطن
تحاول الدولة زيادة عدد الأفراد الذين يتمتعون بالدعم، فتعمل الحكومة على مراجعة أوراق مليون شخص قدموا طلبات للحصول على دعم وأتاحت لهم رابط للتسجيل لمراجعة بياناتهم، ورغم أنها قد تكون خطوة جيدة إلا إنها يشوبها شيء من عدم الجدية نظرًا لأن الحكومة اتخذت من قطع الإنترنت وسيلة لفض الاحتجاجات.
وستتخذ الحكومة خطوات تمكنها بحلول عام 1405 هـ. ش. (يبدأ العام الإيراني الجديد يوم 21 مارس 2026م) من زيادة قيمة الإعفاء الضريبي على الوحدات التجارية حيث إنها تبلغ هذا العام 200 مليون تومان على أن تبلغ العام القادم 280 مليون تومان، مؤكدة أن ذلك سوف يقلل قيمة النفقات، ويدعم الإنتاج ويحسن الوضع المعيشي للشعب الإيراني.
طبقًا لتصريحات مسؤول رسمي فإن الحكومة ليست لديها حيلة إلا زيادة قيمة السلع بنسبة 35% على كل البضائع والسلع من أجل تحسين سعر الصرف، وهو ما يعطي دلالة على أن الدولة عاجزة عن إيجاد حلول للأزمة الاقتصادية التي تعاني منها وتزيد الفجوة بين المواطن والدولة يومًا بعد يوم، وتريد تحميل المواطن الإيراني العبء الأكبر في تحسين التدني المعيشي.
خاتمة
يعاني المجتمع الإيراني من أزمة اقتصادية طاحنة تلقي بظلالها على المستوى المعيشي للمواطن وتدفعه إلى الاحتجاج وتتراجع معها الحاضنة الاجتماعية للنظام باتساع الفجوة بين الدولة والمواطن، وهو ما يشير إلى أن الحكومة الإيرانية أمام تحد حقيقي وهو أن تجد حلولًا جذرية لتحسين المستوى المعيشي للمواطن وبالتالي تضمن انخفاض حدة السخط الشعبي واستقرار الشأن الداخلي، ما يساعدها على مواجهة التهديدات الخارجية.

