وقعت الولايات المتحدة الأمريكية وإيران بوساطة باكستانية قطرية، في 18 يونيو الجاري، مذكرة تفاهم تقضي بوقف الحرب بين واشنطن وطهران، والتي استمرت طوال ستة أسابيع، وضعت خلالها واشنطن وتل أبيب بنك أهداف كبير لم ينجز منه أول بنوده حتى جلوس الطرفان على مائدة المفاوضات في منتجع بوغنشتوك التاريخي بسويسرا، والذي يشهد حالة من الشد والجذب بين الطرفين المتصارعين على النفوذ في منطقة الشرق الأوسط.
قراءة في مذكرة التفاهم ذات الأربعة عشر بندًا
تمخضت عن المناقشات وجولات الوسطاء الذين أداروا المشهد مذكرة تفاهم تتضمن 14 بندًا تبدأ بنودها الأول والثاني باحترام سيادة كلا البلدين، وإعلان الطرفين إنهاء فوري ودائم للعمليات العسكرية بينهما على كل الجبهات بما فيها الجبهة اللبنانية التي تنفرد إسرائيل بتوسيع تحركاتها وتوغلها وقصفها في ضاحيتها الجنوبية، مستهدفة تموضعات حزب الله اللبناني.
وتكمن أهمية ذلك البند الذي اشترطته إيران، في أن حزب الله بات يمثل الوكيل الأبرز لإيران حاليًا، إذ يعد هو ذراع إيران للنفاذ إلى البحر الأبيض المتوسط بعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا في ديسمبر عام 2024، والضاغط الأكبر على إسرائيل من جهة الشمال. إذ اشترطت طهران قبل بدء المحادثات تقييد يد تل أبيب ووقف حربها ضد حزب الله قبيل الشروع في الانسحاب الدائم من كامل التراب اللبناني، وهو ما تسبب في توتر الأجواء بين تل أبيب وواشنطن، بعد ضغوط أمريكية على نيتنياهو لوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان، والتي تستهدف إقامة منطقة عازلة بالمنطقة المتاخمة للمستوطنات الإسرائيلية الخمس الواقعة شمال إسرائيل وهي “المطلة”، و”مرغليوت”، و”مالكيا”، و”آبل الراهب”، و”شلومي”.
ويعد العامل الأبرز في مسألة التفاوض بين الجانبين هو غياب الثقة، خاصة وأن الوعي الجمعي الإيراني يدرك أن واشنطن أوعزت لتل أبيب بمهاجمة إيران خلال حرب الإثني عشر يومًا بالرغم من تفاؤل حذر ومعلومات إيجابية عن قرب التوصل لاتفاق. كما هاجمت واشنطن وتل أبيب معًا إيران خلال حرب الأسابيع الست الأخيرة بالرغم من إيجابية الأجواء التي كانت تتحدث عن احتمال التوصل لاتفاق، وهو ما جعل إيران تلجًا إلى التصعيد بإغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة، مستخدمة المضيق كرهينة في يدها إزاء الضربات الأمريكية الإسرائيلية.
وقد عالجت مذكرة التفاهم هذا الأمر بأن كشفت عن دخول الطرفين في مفاوضات لمدة 60 يومًا قابلة للتمديد بشأن القضايا الخلافية الأبرز والمتعلقة بفتح مضيق هرمز من قبل الحرس الثوري، مقابل رفع الولايات المتحدة لحصارها عن الموانئ الإيرانية، على أن تتعهد واشنطن بسحب أصولها العسكرية من محيط إيران خلال 30 يومًا من توقيع الاتفاق النهائي، وهو ما يشير إلى رغبة الولايات المتحدة في البقاء في الإقليم كضمانة لامتثال إيران لبنود الاتفاق، فيما تستخدم إيران ورقة إغلاق المضيق كلما صدرت تصريحات عدائية من الجانب الأمريكي، أو حتى تحركت قوات إسرائيلية في لبنان ضد حزب الله، وهو ما ينذر باحتمالية أن تنهار المناقشات في كل مراحل التفاوض.
كما تسعى إيران لتكريس السيطرة الإيرانية على المضيق، بإعلان المذكرة أن هناك تفاهمات ومشاورات تجريها طهران مع سلطنة عمان، المشاطئة لمضيق هرمز على ضفته الغربية، لتحديد آليات الإدارة المستقبلية للمضيق، بما يتوافق مع القانون الدولي. على الرغم من أن اتفاقية البحار والمحيطات لعام 1982 تنص في الأساس على المرور العابر والحر للسفن في المضائق المائية، لكن المادة 40 من تلك الاتفاقية تنص على دفع السفن المارة بالمضائق أموالًا نظير خدمات تقدمها الدول المطلة على المضائق، مثل الخدمات الملاحية والعلاجية لأطقم الناقلات أو حتى التزود بالوقود، حيث تغيب الشفافية والمعلومات الكاملة حول نية إيران وسلطنة عمان بشأن آليات الإدارة المستقبلية لمضيق هرمز، بجانب التصريحات التي تصدر عن الرئيس الأمريكي من وقت لآخر، والتي تكشف عن رغبته في السيطرة على المضيق وجني الأموال من ناقلات النفط العابرة منه، بنفس المنطق الإيراني.
عوائق إستراتيجية
يزيد على ذلك أن البند السادس يعد أحد أهم البنود المعرقلة للتوصل لاتفاق شامل ودائم، خاصة إذا ما تعلق الأمر بمطالبات إيرانية للولايات المتحدة بدفع 300 مليار دولار كتعويض عن تضرر البنية التحتية لإيران، ولإعادة إعمار ما دمرته الحرب، خاصة مع تصريحات الإدارة الأمريكية بأن إيران “لن تحصل على 10 سنتات” من الولايات المتحدة، بالإضافة إلى أن البند المتعلق بالإفراج عن الأموال المجمدة في قطر، والذي أسفرت المناقشات حوله عن الإفراج عن 6 مليارات دولار، اشترطت واشنطن أن تشتري بهم إيران كميات كافية من الذرة والقمح والفول الصويا لتضمن أن تلك الأموال أولًا ستدخل الخزينة الأمريكية، وثانيًا أن تلك الأموال لن تذهب إلى وكلاء إيران في الإقليم، أو حتى لتحديث إيران لمنشآتها العسكرية والنووية.
وامتثالًا لمذكرة التفاهم، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية عن رفع مؤقت للعقوبات النفطية على إيران بالسماح لها ببيع النفط بدءً من يوم الاثنين 22 يونيو حتى الساعة 12:01 صباحًا من يوم 21 أغسطس إلى جميع دول العالم تقريبًا، بما فيها الولايات المتحدة، كفاتح شهية لإيران لإقناعها بفتح مضيق هرمز بشكل كامل أمام حركة الملاحة بما فيها تصدير إيران لنفطها، وكذلك للتخفيف من أزمة إمدادات الطاقة العالمية التي أضرت بالولايات المتحدة نفسها، حيث ارتفع سعر جالون البنزين في عدد من الولايات الأمريكية لأكثر من 5 دولار، بجانب التظاهرات التي عمت الولايات المتحدة رافعة شعار no king حيث شبه المتظاهرون ترامب بالملك الذي لا يعبأ بالمؤسسات التشريعية والتنفيذية في البلاد ويتصرف بسلطة مطلقة وبدون ضوابط.
وتستهدف واشنطن من ذلك ضمان الحصول على إمدادات النفط من الخام الثقيل الذي تستورده من المملكة العربية السعودية والإمارات بجانب كندا والمكسيك، خاصة وأن الولايات المتحدة تنتج الخام الصخري الخفيف، فيما تحتاج محطات التكرير للخام الثقيل لتشغيل الشاحنات الكبيرة والمصافي الأمريكية، إذ تسبب إغلاق المضيق في وقف تلك الإمدادات القادمة من الخليج العربي.
وتكمن الأزمة الكبرى فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، إذ ليس من المتوقع أن تسمح إيران بدخول مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى المفاعلات النووية الثلاثة المقصوفة بسهولة في عملية مطرقة منتصف الليل بسهولة، خاصة وأن إيران تصف مفتشي الوكالة بالجواسيس، فضلًا عن إطلاق نفس الوصف على مديرها العام رفائيل جروسي، متهمة إياه بأنه يضع الأرضية لكل هجوم أمريكي إسرائيل على إيران بتقارير سلبية يصدرها مجلس محافظي الوكالة عن تطور البرنامج النووي الإيراني وغياب المعلومات عن اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهو ما دق المسمار الأخير في نعش الثقة بين طهران والوكالة من الأساس. إذ تعلم إيران جيدًا أن هدف دخول المفتشين هو الكشف عن حجم الأضرار في المفاعلات النووية، ومكان اليورانيوم المخصب، الذي يمثل حصول واشنطن عليه نصرًا سياسيًا مؤذرا لترامب على إيران.
خاتمة
يظل تنفيذ مذكرة التفاهم مرهون بتنفيذ البنود الأربعة عشر كاملة، إذ تتحسب إيران لأي خرق لبند واحد من بنودها كما ذكر مجتبى ذو النوري عضو مجلس الشورى الإسلامي الإيراني عن دائرة قم، والذي هاجم مذكرة التفاهم والمفاوضين الإيرانيين، ما يعكس حالة رفض داخلي وسط أحد أجنحة النظام الإيراني لاستمرار التواصل مع واشنطن، يضاف إلى ذلك بيان المرشد الإيراني الذي قال فيه إنه لم يكن يرغب في التوقيع على مذكرة التفاهم، وأنه أتاح الفرصة لذلك بسبب ضغوط الرئيس الإيراني الإصلاحي مسعود بزشكيان، وهو ما يؤشر إلى تحميل بزشكيان المسؤولية التاريخية الكاملة أمام الشعب الإيراني بسبب التوقيع على هذا الاتفاق.
كما ينتظر الاتفاق رفضًا كبيرًا داخل أروقة مجلس الشورى الإسلامي قبيل تمريره من لجنة الدفاع والأمن القومي أو تمريره في جلسة عامة، بالإضافة إلى الهجوم الضاري من أعضاء الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الولايات المتحدة على ترامب، والذين وصفوا المذكرة بأنها مذكرة إذلال وتركيع للويات المتحدة أمام إيران، بناءً على الشروط الواردة في المذكرة.
كما يبرز العامل الإسرائيلي كأحد العوامل الضاغطة على التوصل لاتفاق كامل ونهائي، خاصة وأن إسرائيل تدرك أن أهداف الحرب لم تتحقق، ولم تنجح لا واشنطن ولا تل أبيب في إسقاط النظام الإيراني، أو تقويض المنظومة النووية الإيرانية، أو لجم أذرع إيران في الإقليم، كما تطالب تل أبيب بحرية الحركة لتنفيذ هجمات على حزب الله في لبنان في أي وقت أو ضد إيران أيضًا في أي وقت، وهو ما تتنبه له إيران جيدًا خلال مفاوضاتها مع الولايات المتحدة.
أحدث المنشورات
- مصر وإيران في مونديال 2026: عندما تتجاوز كرة القدم حدود المستطيل الأخضر إلى الجيوسياسية الرياضية
- اتفاق على صفيح ساخن: غياب الثقة قد يعصف بمفاوضات واشنطن وطهران
- ترسيخ الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية: قراءة في الأبعاد الاستراتيجية لقرار يهدد الاستقرار الإقليمي
- إسرائيل و”المستنقع اللبناني” وتحديات الاستنزاف
- إفريقيا في مرآة الأمن القومي المصري (قراءة أسبوعية)
- أديس أبابا بين ضغوط الأزمات الداخلية ورهانات التوازنات الإقليمية
- اتجاهات الصحافة الإثيوبية في أواخر مايو 2026م
- معضلة الردع في عالم اللاتماثل: حين تُخفق الهيبة أمام الهاشتاج
الثلاثاء, 23 يونيو
