مروة محمد كيلاني (باحثة متخصصة في الشأن الإسرائيلي)
مقدمة:
أصبحت المنصات الرقمية إحدى أهم ساحات الصراع الإعلامي في الشرق الأوسط، ولم تعد المواجهة تقتصر على العمليات العسكرية أو الدبلوماسية، بل امتدت إلى معركة التأثير في الرأي العام العالمي، والإقليمي عبر شبكات التواصل الاجتماعي. وفي هذا السياق، طورت المؤسسات الإعلامية والحكومية الإسرائيلية استراتيجيات متقدمة لإيصال روايتها للأحداث، معتمدة على الحسابات الرسمية، والمنصات الإخبارية، والمحتوى متعدد اللغات، وتقنيات التسويق الرقمي، والذكاء الاصطناعي.
وبرز هذا التوجه بصورة أوضح منذ عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023، حيث تحولت منصات مثل اكس، وفيسبوك، وإنستجرام، وتليجرام، ويوتيوب إلى ساحات تنافس مكثف بين الرواية الإسرائيلية، والرواية العربية، بهدف التأثير في الرأي العام الدولي وصناع القرار. ومن ثم، يسعى هذا المقال إلى تحليل أبرز الاستراتيجيات التي يستخدمها الإعلام الإسرائيلي في الفضاء الرقمي، مع تقديم نماذج تطبيقية من أبرز المؤسسات الإعلامية، والحسابات الرسمية.
المحور الأول: المنصات الرقمية كأداة للحرب الإعلامية
شهد الإعلام الإسرائيلي خلال العقدين الأخيرين تحولًا جذريًا في أدوات التأثير والاتصال، حيث لم تعد الصحف المطبوعة، والقنوات التلفزيونية تمثل الوسيلة الرئيسة لتوجيه الرأي العام، بل أصبحت المنصات الرقمية هي المجال الأكثر تأثيرًا في إدارة الصراع الإعلامي. وقد تسارع هذا التحول مع الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي، ثم اكتسب بعدًا استراتيجيًا عقب حرب غزة في أكتوبر 2023، إذ أدركت المؤسسات الإسرائيلية أن معركة كسب الرأي العام لا تقل أهمية عن المعركة العسكرية، وأن سرعة نشر المعلومات، والقدرة على الوصول المباشر إلى الجمهور، أصبحت عنصرًا حاسمًا في تشكيل الرواية الإعلامية.
وتعكس هذه الاستراتيجية انتقالًا من نموذج “الإعلام الوسيط” ، الذي يعتمد على الصحف والقنوات التلفزيونية لنقل الرسائل، إلى نموذج “الإعلام المباشر”، حيث أصبحت المؤسسات الرسمية والإعلامية الإسرائيلية تخاطب الجمهور دون وسيط عبر حساباتها الرسمية على المنصات الرقمية.
أولًا: تعدد المنصات وتكامل الأدوار
تعتمد المؤسسات الإسرائيلية على توزيع المحتوى عبر أكثر من منصة في الوقت نفسه، مع مراعاة خصائص كل منصة وجمهورها المستهدف، بحيث لا يكون المحتوى مكررًا، بل يُعاد إنتاجه بصيغ مختلفة.
فعلى سبيل المثال، ينشر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي باللغة العربية “أفيخاي أدرعي” البيانات العسكرية العاجلة على منصة اكس، بينما يعرض على إنستجرام مقاطع فيديو قصيرة، وإنفوجرافات مصممة لجذب المستخدمين بصريًا، ويستخدم تليجرام لنشر البيانات الكاملة، والخرائط العسكرية، ومقاطع الفيديو ذات الجودة العالية قبل تداولها في وسائل الإعلام الأخرى. أما فيسبوك، فيُستغل لنشر منشورات أطول تسمح بتقديم تفسيرات ورسائل موجهة للجمهور العربي. ويُلاحظ أن المحتوى نفسه لا يُنشر بالصيغة ذاتها على جميع المنصات، وإنما يُعاد تصميمه بما يتوافق مع خوارزميات كل منصة وطبيعة مستخدميها، وهو ما يعكس وجود إدارة احترافية للمحتوى الرقمي.
ثانيًا: المؤسسات الرسمية والإعلامية في الفضاء الرقمي
لم يعد النشاط الرقمي مقتصرًا على الحسابات العسكرية، بل تشارك فيه مؤسسات حكومية وإعلامية متعددة، لكل منها وظيفة اتصالية مختلفة.
فحساب وزارة الخارجية الإسرائيلية بالعربية يركز على الخطاب الدبلوماسي، ويقدم محتوى يهدف إلى تحسين صورة إسرائيل لدى الجمهور العربي، من خلال إبراز التعاون الإنساني، أو التصريحات السياسية، أو الرد على الانتقادات المتداولة في الإعلام العربي.
أما ” i24NEWS” النسخة العربية فتتبنى نموذجًا مختلفًا، إذ تقدم نفسها بوصفها قناة إخبارية عربية ذات تغطية إقليمية، مع التركيز على الأخبار العاجلة، والبرامج الحوارية، والبث المباشر عبر يوتيوب ، إضافة إلى الحضور النشط على اكس، وفيسبوك، وإنستجرام. في المقابل، تعمل هيئة البث الإسرائيلية “مكان بالعربية” على إنتاج محتوى إخباري وثقافي باللغة العربية، مع التركيز على نقل الأخبار الإسرائيلية للجمهور العربي، مستفيدة من الموقع الإلكتروني والمنصات الرقمية المختلفة.
كما تدير وزارة الخارجية مشروع منصة “إسرائيل تتكلم بالعربية”، الذي يركز على نشر محتوى سياسي وثقافي، وديني، ويستهدف بناء صورة ذهنية مختلفة عن إسرائيل لدى المتابع العربي، عبر استخدام لغة بسيطة، وصور جذابة، ورسائل قصيرة قابلة للمشاركة.
ثالثًا: طبيعة المحتوى المنشور
يعتمد الإعلام الإسرائيلي الرقمي على تنويع أشكال المحتوى بما يتناسب مع طبيعة التفاعل على المنصات المختلفة. فخلال الحرب على غزة، لم تعد البيانات النصية وحدها هي الوسيلة الأساسية، بل برزت أشكال متعددة، منها: مقاطع فيديو قصيرة توثق العمليات العسكرية أو تعرض تصريحات المسؤولين، خرائط تفاعلية توضح مناطق العمليات أو أوامر الإخلاء، إنفوجرافات “البيانات المعلوماتية” تلخص البيانات العسكرية، بالإضافة إلى بث مباشر للمؤتمرات الصحفية، وفيديوهات مترجمة إلى العربية والإنجليزية، صور الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة، ومقاطع ” التحقق من صحة المعلومات “Fact Check” للرد على ما تصفه المؤسسات الإسرائيلية بالمعلومات المضللة.
ومن الأمثلة التطبيقية أن الجيش الإسرائيلي نشر عبر حساباته الرسمية خرائط إخلاء رقمية لقطاع غزة، مع تحديثها باستمرار وربطها برموز QR ومواقع إلكترونية، بهدف الوصول السريع إلى الجمهور المستهدف وإضفاء طابع تقني على الرسائل الإعلامية.
رابعًا: الجمهور المستهدف
تتباين الرسائل الإعلامية الإسرائيلية باختلاف الجمهور المستهدف، ويمكن التمييز بين ثلاثة مستويات رئيسة:
1-الجمهور الإسرائيلي الداخلي: ويُستهدف عبر الإعلام العبري التقليدي والرقمي، بهدف رفع المعنويات، وتفسير القرارات الحكومية، وتعزيز الثقة بالمؤسسات.
2-الجمهور العربي: ويُخاطب باللغة العربية عبر حسابات متخصصة مثل: أفيخاي أدرعي، ومكان، ووزارة الخارجية، مع التركيز على الرسائل السياسية، والإنسانية، والدينية.
3- الجمهور الدولي: ويُستهدف أساسًا باللغة الإنجليزية، من خلال منصات مثل i24NEWS النسخة الإنجليزية، والحسابات الرسمية للحكومة، والجيش، ووزارة الخارجية، بهدف التأثير في وسائل الإعلام العالمية وصناع القرار والرأي العام الغربي.
ويعكس هذا التقسيم إدراكًا إسرائيليًا لأهمية تخصيص الرسالة الإعلامية ، بحيث تُصاغ وفق الخصائص الثقافية واللغوية والسياسية لكل جمهور.
خامسًا: من المنافسة الإعلامية إلى “حرب المنصات“
تكشف التجربة الإسرائيلية أن المنصات الرقمية لم تعد مجرد قنوات لنشر الأخبار، بل أصبحت جزءًا من استراتيجية شاملة لإدارة الصراع المعلوماتي، حيث تتداخل فيها أدوات الإعلام، والدبلوماسية الرقمية، والتسويق السياسي، وإدارة الأزمات. ولم يعد النجاح يقاس بعدد المتابعين فقط، بل بسرعة انتشار الرواية، ومعدلات التفاعل، وقدرتها على الوصول إلى وسائل الإعلام الدولية وإعادة إنتاجها.
ومن ثم، فإن دراسة الإعلام الإسرائيلي في العصر الرقمي لم تعد تقتصر على تحليل مضمون الرسائل، وإنما تمتد إلى دراسة خوارزميات المنصات، وآليات إدارة الحسابات الرسمية، واستراتيجيات النشر والتفاعل، وهو ما يجعل المنصات الرقمية أحد أهم ميادين الحرب الإعلامية المعاصرة.
المحور الثاني: صناعة الرواية الإسرائيلية عبر المحتوى الرقمي
دراسة حالة: حساب المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي باللغة العربية “أفيخاي أدرعي”
لم يعد المحتوى الرقمي الإسرائيلي يقتصر على نقل الأخبار أو إصدار البيانات العسكرية، بل أصبح جزءًا من استراتيجية اتصالية متكاملة تهدف إلى بناء رواية إعلامية متماسكة، تُقدَّم بصورة سريعة، وجذابة، وقابلة للتداول على المنصات الرقمية. ويعد حساب المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي باللغة العربية “أفيخاي أدرعي” من أبرز النماذج التي تعكس هذا التحول، إذ يؤدي دورًا يتجاوز الوظيفة التقليدية للمتحدث العسكري، ليصبح أداة للتواصل المباشر مع الجمهور العربي، وإدارة الخطاب الإعلامي خلال الأزمات.
يعتمد الحساب على تنويع أشكال المحتوى بما يتوافق مع طبيعة المنصات الرقمية، وخوارزميات انتشارها، فلا يقتصر على البيانات النصية، وإنما يوظف الفيديوهات القصيرة، والخرائط التفاعلية، والإنفوجراف، والصور الجوية، والمقاطع المصورة للعمليات العسكرية، إلى جانب التحديثات الفورية للأحداث. ويهدف هذا التنوع إلى زيادة معدلات التفاعل، وتبسيط الرسائل، وتعزيز إمكانية إعادة نشرها عبر المنصات المختلفة.
ومن أبرز ملامح هذه الاستراتيجية السرعة في النشر، حيث يحرص الحساب على إصدار البيانات فور وقوع الحدث، في محاولة لتقديم الرواية الإسرائيلية قبل انتشار روايات أخرى. كما يعتمد على الدمج بين النص، والصورة، والفيديو في المنشور الواحد، وهو ما يتماشى مع طبيعة الاستهلاك الإعلامي على المنصات الرقمية، التي تمنح الأولوية للمحتوى البصري والقصير.
نموذج تطبيقي:
خلال الحرب على غزة بعد السابع من أكتوبر 2023، نشر الحساب بشكل متكرر خرائط رقمية لمناطق الإخلاء في قطاع غزة عبر منصتي اكس ، وتليجرام، مع تحديثها بصورة مستمرة وفق تطورات العمليات العسكرية. وقد تضمنت هذه الخرائط تقسيم القطاع إلى مناطق مرقمة أو ملونة، وتحديد المسارات التي طلب من السكان التحرك عبرها، كما أُرفقت في بعض الحالات بروابط إلكترونية أو تعليمات إضافية، ونُشرت باللغات العربية والإنجليزية، بما يوسع دائرة وصولها إلى جمهورين مختلفين.
ولم يكن نشر هذه الخرائط مجرد إجراء إعلامي، بل جاء ضمن استراتيجية تهدف إلى تحقيق عدة أهداف في آن واحد؛ فمن ناحية، سعت إسرائيل إلى إظهار أنها توجه إنذارات مسبقة للسكان المدنيين قبل تنفيذ العمليات العسكرية، بما يدعم روايتها أمام المجتمع الدولي بشأن الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني. ومن ناحية أخرى، استُخدمت هذه المواد الرقمية لتوثيق الرسائل الصادرة عن الجيش، وإعادة تداولها في وسائل الإعلام الدولية، ومنصات التواصل الاجتماعي، بما يعزز حضور الرواية الإسرائيلية في الفضاء الرقمي.
كما اتسمت المنشورات باستخدام عناصر تصميم احترافية، مثل الألوان المميزة، والرموز البصرية، والأسهم التوضيحية، والخرائط عالية الدقة، وهو ما يعكس انتقال الاتصال العسكري من الاعتماد على البيانات التقليدية إلى إنتاج محتوى رقمي يتناسب مع متطلبات البيئة الإعلامية الحديثة.
وتكشف هذه الدراسة أن حساب المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي لا يعمل بوصفه منصة لنقل الأخبار فقط، وإنما يمثل أداة لإدارة السردية الإعلامية، من خلال توظيف الوسائط المتعددة، وسرعة النشر، والاستهداف اللغوي، بما ينسجم مع مفهوم الحرب المعلوماتية التي أصبح فيها المحتوى الرقمي جزءًا أساسيًا من إدارة الصراع والتأثير في الرأي العام.
المحور الثالث : استخدام المنصات المختلفة وفق طبيعة الجمهور
لم يعد نجاح المؤسسات الإعلامية يقاس بمجرد امتلاكها حضورًا على منصات التواصل الاجتماعي، وإنما بقدرتها على توظيف كل منصة وفق طبيعة جمهورها وآليات عملها. وفي هذا السياق، تبنت المؤسسات الإعلامية، والرسمية الإسرائيلية استراتيجية تقوم على تخصيص المحتوى الرقمي، بحيث تختلف الرسائل الإعلامية باختلاف المنصة المستهدفة، والجمهور الذي تستخدمه.
وتعتمد هذه الاستراتيجية على إدراك أن مستخدمي منصة اكس يختلفون عن مستخدمي إنستجرام أو تيليجرام، أو يوتيوب من حيث طبيعة التفاعل، وسرعة استهلاك المحتوى، والفئة العمرية، وهو ما دفع المؤسسات الإسرائيلية إلى إعادة إنتاج الرسالة الإعلامية في أكثر من صيغة بدلًا من الاكتفاء بنشرها بصورة واحدة؛ فعلى منصة اكس يركز الإعلام الإسرائيلي على نشر الأخبار العاجلة، والبيانات الرسمية، والتعليقات السريعة على التطورات الميدانية، مستفيدًا من الطبيعة الإخبارية للمنصة واعتماد الصحفيين، والباحثين وصناع القرار عليها كمصدر سريع للمعلومات. وخلال حرب غزة، كانت الحسابات الرسمية للجيش الإسرائيلي ووزارة الخارجية تنشر البيانات الأولية على اكس قبل أن تتوسع وسائل الإعلام في تغطيتها.
أما تيليجرام؛ فيُستخدم لنشر المواد التي يصعب تداولها على المنصات الأخرى، مثل مقاطع الفيديو الطويلة، والخرائط عالية الجودة، والبيانات الكاملة، وذلك لعدم وجود قيود مشابهة لتلك المفروضة على بعض المنصات الأخرى، كما يتيح إنشاء قنوات رسمية يصل محتواها مباشرة إلى المشتركين دون الاعتماد على خوارزميات تحدد مدى وصول المنشورات.
وفي المقابل، يعتمد إنستجرام على المحتوى البصري، حيث توظف المؤسسات الإسرائيلية الصور والإنفوجراف، ومقاطع الفيديو القصيرة “الريلز”؛ بهدف تبسيط الرسائل وجعلها أكثر قابلية للمشاركة، مع التركيز على البعد الإنساني، والقصص الشخصية التي تستهدف إثارة التفاعل العاطفي لدى الجمهور.
أما يوتيوب، فيُستخدم لنشر المؤتمرات الصحفية الكاملة، والمقابلات، والتقارير المطولة، والأفلام الوثائقية القصيرة، بما يسمح بتقديم رواية أكثر تفصيلًا مقارنة بالمنصات الأخرى. وغالبًا ما يُعاد توزيع مقتطفات من هذه المواد على اكس، وإنستجرام للوصول إلى شرائح أوسع من الجمهور.
ويعكس هذا التوزيع الوظيفي للمنصات وجود استراتيجية إعلامية رقمية متكاملة، تقوم على إنتاج الرسالة الواحدة في صور متعددة تتناسب مع خصائص كل منصة، بما يزيد من فرص انتشارها وتعزيز حضورها في المجال الرقمي.
المحور الرابع : الإعلام الإسرائيلي الموجه باللغة العربية
يشكل الإعلام الإسرائيلي الموجه باللغة العربية أحد أبرز أدوات الدبلوماسية الرقمية الإسرائيلية، إذ لم يعد الهدف يقتصر على مخاطبة المجتمع الإسرائيلي، وإنما امتد إلى التواصل المباشر مع الجمهور العربي عبر وسائل إعلام، ومنصات رقمية متخصصة. ويستند هذا التوجه إلى قناعة متزايدة لدى صناع القرار الإسرائيلي بأن التأثير في الرأي العام العربي يتطلب مخاطبته بلغته، وفهم اهتماماته، واستخدام منصات يتفاعل معها بصورة يومية.
وتتعدد الجهات التي تنتج محتوى باللغة العربية، إلا أن من أبرزها هيئة البث الإسرائيلية “مكان بالعربية”، التي تقدم نشرات إخبارية، وبرامج سياسية، وتقارير ميدانية عبر موقعها الإلكتروني وحساباتها على اكس وفيسبوك، ويوتيوب. ويتميز محتواها بالتركيز على نقل الأخبار الإسرائيلية إلى الجمهور العربي، مع الحرص على استخدام لغة إعلامية أقرب إلى لغة القنوات الإخبارية العربية.
إلى جانب ذلك، تلعب i24NEWS النسخة العربية دورًا مهمًا في هذا المجال، حيث تقدم نفسها بوصفها قناة إخبارية عربية تغطي قضايا الشرق الأوسط من منظور إسرائيلي، مع الاعتماد على البث التلفزيوني والمنصات الرقمية في آن واحد، كما تستثمر القناة بشكل كبير في يوتيوب ومقاطع الفيديو القصيرة، بهدف الوصول إلى جمهور عربي داخل المنطقة وخارجها.
ومن الأدوات البارزة أيضًا منصة “إسرائيل تتكلم بالعربية” التابع لوزارة الخارجية الإسرائيلية، والذي يعتمد على منصات اكس، وفيسبوك، وإنستجرام، وتليجرام ؛لنشر محتوى سياسي، وثقافي، وديني باللغة العربية. وتتميز هذا المنصة بالاعتماد على الرسائل المختصرة، والتصميم البصري الجذاب، والرد السريع على القضايا المتداولة في الإعلام العربي، بما يجعله أقرب إلى نموذج الدبلوماسية الرقمية منه إلى الإعلام التقليدي.
وتكشف هذه النماذج أن الإعلام الإسرائيلي الموجه بالعربية لم يعد يهدف فقط إلى نقل الأخبار، بل يسعى إلى بناء علاقة تفاعلية مع الجمهور العربي، من خلال التعليقات، والاستطلاعات، والبث المباشر، والمحتوى المرئي، بما يعكس تحولًا من الاتصال أحادي الاتجاه إلى الاتصال التفاعلي الذي تفرضه البيئة الرقمية.
وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن الإعلام الإسرائيلي الناطق بالعربية أصبح أحد مكونات الاستراتيجية الإعلامية الإسرائيلية في المجال الرقمي، حيث يجمع بين العمل الصحفي، والاتصال الحكومي، والدبلوماسية الرقمية، في محاولة للتأثير في إدراك الجمهور العربي للأحداث الجارية، وصياغة رواية إسرائيلية قادرة على المنافسة في الفضاء الإعلامي العربي.
المحور الخامس: أدوات التأثير الرقمي في الاستراتيجية الإعلامية الإسرائيلية
تعتمد الاستراتيجية الإعلامية الإسرائيلية في البيئة الرقمية على منظومة متكاملة من الأدوات الاتصالية، لم تعد تقتصر على نشر المعلومات، بل تهدف إلى التأثير في إدراك الجمهور، وتوجيه النقاش العام على المنصات الرقمية. وتقوم هذه الأدوات على الجمع بين سرعة النشر، وتعدد الوسائط، والاستهداف الدقيق للجمهور، بما يتوافق مع طبيعة كل منصة وآليات عمل خوارزمياتها.
ومن أبرز هذه الأدوات الفيديو القصير، الذي أصبح الشكل الأكثر حضورًا في المحتوى الإسرائيلي على منصات مثل “إنستجرام” و”تيك توك”، و”يوتيوب شورت”، وتتميز هذه المقاطع بقصر مدتها، واعتمادها على الصور الميدانية، والترجمة الفورية، والعناوين المختصرة، بما يسهل تداولها وإعادة نشرها. وخلال الحرب على غزة، استخدمت الحسابات الرسمية للجيش الإسرائيلي، ووزارة الخارجية مقاطع قصيرة تتضمن لقطات من العمليات العسكرية أو تصريحات المسؤولين، بهدف تقديم الرواية الإسرائيلية بصورة سريعة ومباشرة.
كما يشكل الإنفوجراف أداة رئيسة في تبسيط المعلومات العسكرية والسياسية، حيث تُستخدم الرسوم البيانية والخرائط لتقديم بيانات معقدة في صورة بصرية سهلة الفهم. وقد برز ذلك في الخرائط التي نشرها الجيش الإسرائيلي لتحديد مناطق الإخلاء أو عرض مسارات الصواريخ، وهي مواد صُممت بحيث تكون قابلة للمشاركة عبر مختلف المنصات.
وتوظف إسرائيل كذلك الوسوم الموحدة “هاشتاج” باعتبارها أداة لتوسيع انتشار الرسائل الإعلامية وربطها بالنقاشات العالمية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك الوسم #BringThemHomeNow #أعيدوهم_إلى_الوطن_الآن ، والذي استُخدم على نطاق واسع للمطالبة بالإفراج عن الرهائن المحتجزين في غزة، حيث تبنته مؤسسات رسمية وإعلامية وشخصيات عامة، مما ساهم في انتشاره على المنصات الدولية، ولا سيما اكس وإنستجرام. إلى جانب ذلك، تعتمد المؤسسات الإسرائيلية على البث المباشر للمؤتمرات الصحفية والإحاطات العسكرية عبر فيس بوك، ويوتيوب، بما يسمح بنقل الرسائل الرسمية دون تدخل الوسيط الإعلامي، ويوفر مادة جاهزة لوسائل الإعلام الدولية لإعادة البث أو الاقتباس.
ومن الأدوات المتزايدة الأهمية أيضًا الذكاء الاصطناعي، سواء في إنتاج الترجمات متعددة اللغات، أو تحليل اتجاهات الرأي العام، أو تصميم المحتوى الرقمي بما يتناسب مع الجمهور المستهدف. كما تتيح أدوات التحليل الرقمي للمؤسسات الإسرائيلية متابعة معدلات التفاعل والوصول، وتعديل استراتيجيات النشر بصورة مستمرة وفقًا لبيانات الاستخدام.
وتشير هذه الأدوات مجتمعة إلى أن الإعلام الإسرائيلي لم يعد يعتمد على المحتوى الإخباري وحده، بل أصبح يوظف تقنيات الاتصال الرقمي الحديثة؛ لبناء حضور مستمر على المنصات المختلفة، والتأثير في مسار النقاش الإعلامي خلال الأزمات.
المحور السادس: تقييم نجاح الاستراتيجية الإعلامية الإسرائيلية في الفضاء الرقمي
حققت الاستراتيجية الإعلامية الإسرائيلية في المجال الرقمي عددًا من النجاحات الملحوظة، خاصة فيما يتعلق بسرعة نشر الرواية الرسمية، وتعدد قنوات الاتصال، والقدرة على الوصول المباشر إلى الجمهور دون الاعتماد الكامل على وسائل الإعلام التقليدية؛ فقد أسهم الحضور النشط للحسابات الرسمية في جعل البيانات الإسرائيلية جزءًا من التغطية الإخبارية الفورية لدى العديد من وسائل الإعلام الدولية، كما وفرت المنصات الرقمية مساحة لإعادة إنتاج الرسائل الإسرائيلية بلغات متعددة وفي صيغ متنوعة، كما نجحت إسرائيل في بناء شبكة واسعة من الحسابات الرسمية والإعلامية الناطقة بالعربية والإنجليزية، وهو ما مكّنها من مخاطبة جماهير مختلفة وفقًا لخصائصها اللغوية والثقافية، مستفيدة من الإمكانات التي تتيحها المنصات الرقمية في تخصيص الرسائل الإعلامية واستهداف الفئات المختلفة.
إلا أن هذا النجاح لم يكن مطلقًا، إذ واجهت الاستراتيجية الإسرائيلية تحديات متزايدة، أبرزها صعود الإعلام الرقمي الفلسطيني، والانتشار الواسع للمحتوى الذي ينتجه الصحفيون المستقلون والمواطنون، والذي وفّر روايات وصورًا مباشرة من الميدان تنافست مع الرواية الرسمية الإسرائيلية. كما ساهمت منصات مثل تيك توك ، وانستجرام ريلز في توسيع نطاق انتشار هذا المحتوى، خاصة بين فئة الشباب.
ومن التحديات الأخرى، تراجع قدرة المؤسسات الرسمية على احتكار تدفق المعلومات، نتيجة الاعتماد المتزايد على المصادر المفتوحة (OSINT)، مثل تحليل صور الأقمار الصناعية، ومقاطع الفيديو، وبيانات تحديد المواقع، التي أصبحت تُستخدم للتحقق من صحة الروايات المتداولة أو الطعن فيها.كذلك، واجهت إسرائيل انتقادات من منظمات حقوقية، وإعلامية دولية بشأن بعض الرسائل الإعلامية المرتبطة بالحرب، وهو ما انعكس على مستوى الثقة في بعض الخطابات الرسمية، وأظهر أن التأثير الرقمي لا يعتمد فقط على سرعة النشر، بل أيضًا على مدى مصداقية المحتوى وقدرته على الصمود أمام عمليات التحقق المستقلة.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن الاستراتيجية الإعلامية الإسرائيلية حققت نجاحًا واضحًا في تطوير أدواتها الرقمية وتوسيع حضورها على المنصات المختلفة، إلا أن البيئة الإعلامية الرقمية أصبحت أكثر تنافسًا وتعددًا للفاعلين، الأمر الذي جعل السيطرة على السردية الإعلامية أكثر صعوبة مقارنة بالمراحل السابقة. ومن ثم، فإن مستقبل هذه الاستراتيجية سيظل مرتبطًا بقدرتها على التكيف مع التطورات التقنية، وتغير سياسات المنصات الرقمية، وتنامي دور الإعلام البديل والمحتوى الذي ينتجه المستخدمون.
خاتمة:
أحدثت البيئة الرقمية تحولًا جوهريًا في طبيعة الإعلام الإسرائيلي، إذ انتقل من الاعتماد على الوسائل التقليدية إلى تبني استراتيجيات اتصال رقمية تقوم على التفاعل المباشر مع الجمهور، وتوظيف المنصات الاجتماعية بوصفها أدوات للتأثير في الرأي العام، وصياغة السرديات الإعلامية. وقد أظهرت الدراسة أن المؤسسات الإسرائيلية، سواء الحكومية أو العسكرية أو الإعلامية، لم تكتفِ باستخدام المنصات الرقمية كوسائل لنشر الأخبار، بل طورت منظومة متكاملة لإدارة الاتصال الرقمي، تقوم على تنويع المحتوى، وتخصيص الرسائل وفقًا للجمهور المستهدف، والاستفادة من خصائص كل منصة في تعزيز انتشار الرواية الإسرائيلية.
كما أوضحت الدراسة أن نجاح هذه الاستراتيجية ارتبط بامتلاك إسرائيل بنية إعلامية ورقمية متطورة، وقدرتها على دمج الإعلام التقليدي بالمنصات الرقمية، إلى جانب الاستخدام المكثف للوسائط البصرية والخرائط، والبيانات الفورية. وفي المقابل، كشفت التطورات التي صاحبت حرب غزة منذ أكتوبر 2023 أن البيئة الرقمية أصبحت أكثر تعقيدًا وتعددًا للفاعلين، حيث لم يعد بالإمكان احتكار تدفق المعلومات أو السيطرة الكاملة على الرواية الإعلامية، في ظل تصاعد دور الإعلام البديل، والصحافة المفتوحة، وتقنيات التحقق الرقمي، وانتشار المحتوى الذي ينتجه المستخدمون.
وعليه، فإن مستقبل الإعلام الإسرائيلي في الفضاء الرقمي سيظل مرهونًا بقدرته على التكيف مع التحولات التقنية المتسارعة، ومواكبة تطور خوارزميات المنصات، والحفاظ على مصداقية المحتوى في بيئة إعلامية تتسم بالتنافس الشديد، والتدفق المستمر للمعلومات. كما تبرز الحاجة إلى مزيد من الدراسات الأكاديمية التي تتناول الاستراتيجيات الرقمية الإسرائيلية من منظور تحليلي مقارن، مع ربطها بتطورات الذكاء الاصطناعي، والدبلوماسية الرقمية، والحرب المعلوماتية، بما يسهم في فهم أعمق للتحولات التي يشهدها الإعلام الإسرائيلي في العصر الرقمي.
المراجع:
– כיצד שינו הרשתות החברתיות את העיתונות בישראל? , העין השביעי 2023,
– העיתונות הישראלית בעידן הדיגיטלי ,העין השביעית. 2024,
–הקרב על התודעה עובר לטיקטוק ולאינסטגרם ,גלובס.2024,
–המהפכה הדיגיטלית בתקשורת הישראלית , דה מרקר, 2023
–כך מתנהלת ההסברה הישראלית ברשתות החברתיות, וינט .2023,
–הקרב על דעת הקהל ברשתות החברתיות ,ישראל היום.2025,
–הרשתות החברתיות וההסברה הישראלית בזמן מלחמה, העין השביעית.2024,
–כיצד מתנהל המידע הצבאי ברשתות החברתיות? העין השביעית.2023,
–הלוחמה על התודעה במרחב הדיגיטלי ,המכון למחקרי ביטחון לאומי.2025,
–המערכה על דעת הקהל במלחמת חרבות ברזל, המכון למחקרי ביטחון לאומי. 2024,
–הלוחמה על התודעה במרחב הדיגיטלי ,המכון למחקרי ביטחון לאומי 2024,
–מלחמת חרבות ברזל: המערכה על דעת הקהל, המכון למחקרי ביטחון לאומי2025,
–אמון הציבור בתקשורת בישראל, המכון הישראלי לדמוקרטיה 2024,
–הרשתות החברתיות והשיח הציבורי בישראל, המכון הישראלי לדמוקרטיה.2023,
–ההסברה הישראלית בעידן הרשתות החברתיות, העין השביעית.2023,
– صفحة المتحدث باسم الجيش “أفيخاي ادرعي” باللغة العربية
– صفحة إسرائيل تتكلم بالعربية
– صفحة مكان بالعربية
– صفحة وزارة الخارجية الإسرائيلية باللغة العربية
https://embassies.gov.il/Pages/Arabic.aspx
–Avichay Adraee. Official X, (2024) account. Retrieved July 15, 2026, from https://x.com/AvichayAdraee
–Israel Arabic. Official X,(2024) account. Retrieved July 15, 2026, from https://x.com/IsraelArabic
–Makan Arabic. Official website (2023).. Retrieved July 15, 2026, from https://www.makan.org.il
–Israeli Ministry of Foreign Affairs. (2023). Arabic portal. Retrieved July 15, 2026, from https://embassies.gov.il/Pages/Arabic.aspx
