عبدالله فارس القزاز .. باحث بوحدة الدراسات الإفريقية
في الأسبوع الأول من أكتوبر ، أجرت وحدة الدراسات الأفريقية قراءة للمشهد الأفريقي، تناولت خلالها التطورات الميدانية المتصاعدة في السودان، وما يرتبط بها من محاولات لإعادة تشكيل خريطة السيطرة ومسارات الحركة والإمداد بين مناطق الصراع، إلى جانب الحراك السياسي والأمني في ليبيا، في ظل استمرار التنافس حول ترتيبات السلطة و مسار المرحلة الانتقالية، فضلًا عن التحولات المتسارعة في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، على خلفية تصاعد التوتر بين إثيوبيا وإريتريا، وتنامي التحركات الإقليمية المرتبطة بأمن البحر الأحمر ووحدة دول المنطقة. وركزت القراءة على تحليل اتجاهات هذه التطورات، وحدود تأثيرها في موازين القوى ومسارات الأزمات القائمة، وما قد تفرضه من تداعيات على البيئة الأمنية المحيطة بمصر، في ضوء الترابط الجغرافي والعملياتي بين دوائر السودان وليبيا والقرن الأفريقي والبحر الأحمر.
أعلن الجيش السوداني، اليوم الجمعة، تحرير منطقة المزروب بولاية شمال كردفان، عقب معارك مع مليشا الدعم السريع، مؤكدًا استمرار عملياته في مختلف المحاور. وتكتسب المزروب أهمية عسكرية بالنظر إلى موقعها غرب مدينتي سودري وبارا، واتصالها بعدد من الطرق والمسارات ذات القيمة العملياتية، وهو ما يجعل السيطرة عليها مرتبطة بصورة مباشرة بمعادلة الحركة والإمداد في شمال كردفان، في ظل تصاعد القتال للسيطرة على العقد الجغرافية التي تتحكم في المحاور المؤدية إلى دارفور.
ميدانيا : تكشف السيطرة على المزروب عن تحول تدريجي في طبيعة العمليات داخل شمال كردفان، من التركيز على السيطرة المباشرة على المدن والمواقع، إلى استهداف شبكة الحركة والإمداد التي تمثل عنصرًا أساسيًا في قدرة مليشا الدعم السريع على الحفاظ على انتشارها وربط مواقعها في كردفان بعمقها في دارفور فالقيمة العسكرية للمزروب لا ترتبط بمساحتها الجغرافية، وإنما بموقعها داخل شبكة الطرق والمسارات التي تتيح انتقال الأفراد والمركبات والإمدادات، بما يعني أن فقدانها قد يفرض على الدعم السريع إعادة تنظيم مسارات الحركة والإمداد والاعتماد على طرق بديلة أكثر طولًا وكلفة وأقل كفاءة. وبهذا المعنى، تتحول المزروب من مجرد موقع جغرافي تمت السيطرة عليه إلى نقطة ارتكاز يمكن أن تدخل ضمن منظومة أوسع من الضغط العملياتي، إذا تمكن الجيش السوداني من ربطها بعقد أخرى والتحكم في الطرق الرئيسية والفرعية المحيطة بها.ولا يعني ذلك أن السيطرة على المزروب تكفي بمفردها لقطع خطوط إمداد الدعم السريع، خصوصًا في مسرح عمليات واسع ومفتوح مثل كردفان، وإنما تكمن أهميتها في إمكانية توظيفها ضمن عملية تراكمية تستهدف تقليص حرية الحركة والمناورة لدى الدعم السريع. فكلما توسعت سيطرة الجيش على العقد المرتبطة بشبكة الطرق، ارتفعت تكلفة تأمين خطوط الاتصال الخلفية، وأصبح على الدعم السريع توزيع جزء من قوته بين حماية مواقع الانتشار وتأمين مسارات الإمداد، بدلًا من توظيف كامل قدراته في العمليات الهجومية والدفاعية. ومن ثم، فإن المعركة في المرحلة المقبلة لن تتحدد فقط بمن يسيطر على المزيد من المواقع، وإنما بقدرة كل طرف على الحفاظ على استمرارية قواته في الميدان, إذ يحتاج الجيش السوداني إلى تثبيت سيطرته على المزروب وتأمين محيطها ومنع الالتفاف عليها، بينما يحتاج الدعم السريع إلى فتح مسارات بديلة والحفاظ على قدرتها على نقل التعزيزات والإمدادات بين كردفان ودارفور.وتزداد أهمية هذا التطور في ظل مؤشرات الاستنزاف التي تواجهها بنية الدعم السريع، وفي مقدمتها الانشقاقات التي طالت قيادات ومجموعات مقاتلة وانتقلت إلى جانب الجيش. ولا تقتصر أهمية هذه الانشقاقات على الخسارة العددية، وإنما قد تمتد إلى الجانب المعلوماتي والعملياتي، عندما تتعلق بقيادات تمتلك معرفة بالانتشار والطرق المحلية وشبكات التجنيد والدعم، بما يمنح الجيش معلومات يمكن أن تساعده على فهم البيئة العملياتية التي يتحرك فيها خصمه. وفي حال تزامن ذلك مع فقدان مواقع وعقد مرتبطة بخطوط الإمداد، فإن التحدي الذي يواجهه الدعم السريع يصبح أكثر تعقيدًا، إذ لا يتعلق فقط بتعويض خسائرها البشرية، وإنما بالحفاظ على تماسك تشكيلاتها وتأمين مناطق انتشار واسعة وإعادة تنظيم خطوط الإمداد في الوقت نفسه.وفي سياق متصل ، يمكن أن يمثل التصعيد العسكري المتجدد في شمال إثيوبيا عاملًا إقليميًا يزيد الضغوط على أي مسار دعم خارجي محتمل للدعم السريع، إلا أن أهمية التطور من منظور إقليمي ترتبط باحتمال أن يؤدي انشغال إثيوبيا بتصعيد داخلي وتوترات إقليمية متزايدة إلى رفع تكلفة أي انخراط خارجي وتقليص هامش الحركة المتاح أمامها، بما قد يحد من قدرة أي دعم محتمل على الاستمرار بالوتيرة نفسها. وبذلك، تتقاطع أمام الدعم السريع مجموعة من الضغوط، تبدأ من فقدان بعض العقد الجغرافية وصعوبة الحفاظ على خطوط الإمداد، وتمتد إلى الاستنزاف في القوة البشرية والتماسك الداخلي، وصولًا إلى بيئة إقليمية قد تصبح أقل ملاءمة لاستمرار الدعم الخارجي. وإذا استمرت هذه العوامل بالتزامن، فقد يتحول التقدم الحالي للجيش السوداني من مكاسب ميدانية منفصلة إلى مسار ضغط عملياتي متراكم يستهدف قدرة الدعم السريع على الحفاظ على انتشارها واستمرارية عملياتها، وليس فقط قدرتها على الدفاع عن موقع محدد.
إقليما: لا ترتبط أهمية السيطرة على المزروب بقربها أو بعدها الجغرافي من الحدود المصرية، وإنما بما يمكن أن تفرضه هذه السيطرة من تداعيات على الاتجاه العام للحرب السودانية، وعلى طبيعة المسارات التي قد تلجأ إليها مليشيات الدعم السريع إذا واصل الجيش السوداني تضييق الخناق عليها في كردفان. فنجاح الجيش في الضغط على خطوط الحركة التي تربط كردفان بدارفور قد يدفع الدعم السريع إلى زيادة الاعتماد على العمق الغربي الذي تسيطر عليه، بما يعيد رفع أهمية المسارات الصحراوية الممتدة باتجاه تشاد وليبيا، ويجعل تطورات الحرب في كردفان أكثر ارتباطًا بالبيئة الأمنية في غرب السودان والمثلث الحدودي بين السودان وليبيا وتشاد.وفي هذا الإطار ، لا يتمثل السيناريو الأكثر أهمية بالنسبة إلى مصر في تقدم الجيش السوداني بحد ذاته، وإنما في طبيعة الاستجابة التي ستتبعها الدعم السريع أمام فقدانها التدريجي لبعض عقد الحركة والإمداد. فإذا اتجهت إلى إعادة تمركز واسعة داخل دارفور، أو زادت اعتمادها على طرق صحراوية بديلة، فقد يؤدي ذلك إلى زيادة حركة السلاح والمركبات والعناصر المسلحة عبر مساحات يصعب ضبطها، بما يرفع احتمالات انتقال تداعيات الحرب إلى المجال الليبي والساحل. وفي المقابل، فإن قدرة الجيش السوداني على تثبيت مكاسبه وقطع مسارات الإمداد بصورة تدريجية يمكن أن تدعم استعادة الدولة لقدر أكبر من السيطرة على الجغرافيا السودانية، وهو ما يصب في مصلحة مصر من زاوية الحد من تمدد الفاعلين المسلحين ومنع تحول غرب السودان إلى عمق لوجستي مفتوح للحرب.وعليه، فإن المؤشر الأهم الذي ينبغي متابعته مصريًا بعد السيطرة على المزروب لا يرتبط بسقوط المنطقة في حد ذاته، وإنما بمدى قدرة الجيش السوداني على تحويلها إلى جزء من شبكة ضغط متصلة تستهدف قدرة الدعم السريع على إعادة التموين والمناورة بين كردفان ودارفور. فإذا تمكن الجيش من تحقيق ذلك بالتزامن مع استمرار الانشقاقات وتراجع قدرة الدعم السريع على تعويض خسائرها، فقد تدخل الحرب مرحلة تتغير فيها أولويات العمليات، بحيث يصبح الحفاظ على خطوط الإمداد أكثر أهمية من الاحتفاظ ببعض المواقع المتقدمة، وهو ما قد يدفع الدعم السريع إلى إعادة توزيع ثقلها باتجاه غرب السودان.وهنا تبرز مفارقة مهمة بالنسبة إلى الأمن القومي المصري فكلما نجح الجيش السوداني في إضعاف قدرة الدعم السريع على المناورة داخل كردفان، تراجعت قدرتها على تهديد الدولة السودانية من هذا المحور، إلا أن ذلك قد يقابله في الوقت نفسه زيادة اعتمادها على المسارات الغربية والحدودية، بما يجعل مراقبة حركة السلاح والتهريب والانتشار المسلح باتجاه ليبيا وتشاد أكثر أهمية. وبالتااي ، فإن التطور الحالي لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد مكسب ميداني محدود، وإنما باعتباره جزءًا من معركة أوسع على الجغرافيا اللوجستية للحرب السودانية، إذ إن قدرة الجيش على تحويل السيطرة على المزروب ومواقع أخرى في كردفان إلى منظومة متماسكة من السيطرة والضغط قد تؤثر بصورة مباشرة في قدرة الدعم السريع على مواصلة الحرب.وفي المقابل، إذا اكتفى الجيش السوداني بالسيطرة على المواقع دون تأمينها وربطها ببعضها ضمن شبكة عملياتية متماسكة، فسيظل الدعم السريع قادرة على استغلال اتساع المسرح الصحراوي وفتح مسارات بديلة للحركة والإمداد، بما قد يطيل أمد الحرب ويزيد احتمالات انتقال تداعياتها إلى البيئات الحدودية والإقليمية المحيطة بالسودان. وبذلك، فإن القيمة الاستراتيجية للسيطرة على المزروب لا تتحدد فقط بما تمثله من مكسب جغرافي آني، وإنما بقدرة الجيش السوداني على توظيفها ضمن عملية أوسع لإعادة تشكيل الجغرافيا اللوجستية للحرب، وتقليص قدرة الدعم السريع على المناورة والانتشار، وهو ما سيحدد في جانب كبير منه ما إذا كانت هذه السيطرة ستتحول إلى نقطة ضغط حقيقية أم ستظل مكسبًا ميدانيًا محدود الأثر.
في 3 أكتوبر 2026، شارك رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة أعيان وحكماء وفعاليات من مصراتة في استقبال وفد من أعيان وحكماء وقيادات مدينة الزاوية، ضمن ملتقى ركز على دعم الاستقرار والمصالحة والانتخابات وإنهاء المراحل الانتقالية.
استراتيجياا:ويأتي هذا التحرك في توقيت تتزايد فيه الضغوط لإعادة صياغة السلطة التنفيذية والمسار الانتخابي في ليبيا، بما يجعل توسيع قاعدة التفاهم مع القوى المحلية في غرب البلاد جزءًا من التنافس الأوسع حول شكل التسوية السياسية المقبلة. إلا أن التقارب مع مصراتة لا يعني تحول المدينة إلى جزء من اصطفاف سياسي كامل خلف الدبيبة، خصوصًا أن مواقفها خلال الأشهر الماضية عكست احتفاظها برؤية مستقلة تجاه مسار الانتقال؛ فقد التقت قيادات من مصراتة بمسعد بولس في الاشهر الماضي ، وأكدت دعمها لمسار انتخابي ورفضها عسكرة الدولة، لكنها في الوقت نفسه طرحت مبادرات محلية بشأن آليات إنهاء المرحلة الانتقالية، بما يعكس وجود تقاطع في بعض الأهداف مع ما تطرحه الأطراف الدولية دون أن يصل إلى حد التطابق معها. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة تحرك الدبيبة تجاه مصراتة والزاوية باعتباره محاولة لتوسيع مساحة التفاهم داخل غرب ليبيا في لحظة تتنافس فيها الأطراف على إعادة توزيع السلطة. وتتجاوز أهمية هذا التقارب حدود العلاقة السياسية المباشرة بين الدبيبة ومكونات غرب ليبيا، بالنظر إلى أن جوهر الخلاف الحالي لا يرتبط فقط بمسألة بقاء الدبيبة أو استبداله، وإنما يمتد إلى تحديد الجهة القادرة على وضع قواعد المرحلة الانتقالية. فقد أظهرت مصراتة خلال الفترة الماضية رفضًا لبعض صيغ إعادة ترتيب السلطة التي ترى أنها قد تعيد إنتاج المرحلة الانتقالية أو تفتح المجال أمام عسكرة الدولة، في حين اتجهت قوى محلية أخرى إلى طرح مسارات بديلة تركز على الانتخابات وإعادة بناء المؤسسات. وفي المقابل، حاولت لجنة «4+4» إنتاج ترتيبات مرتبطة بالمسار الانتخابي، إلا أن هذه الترتيبات واجهت اعتراضات مؤسسية متزايدة، إذ رفض المجلس الأعلى للدولة في 5 أكتوبر مخرجات اللجنة بأغلبية 72 عضوًا من أصل 92، كما تمسك برفض المسارات الموازية التي تتجاوز الأطر المؤسسية والدستورية القائمة. وبذلك، فإن تقارب الدبيبة مع مصراتة والزاوية لا يمكن اختزاله في اصطفاف مباشر ضد بولس، وإنما يرتبط بمحاولة بناء وزن محلي يمكن أن يؤثر في شروط تنفيذ أي تسوية سياسية قادمة فحتى في حال تمكنت واشنطن أو الأمم المتحدة من التوصل إلى تفاهم بين القوى السياسية والمؤسساتية، ستظل قدرة هذا التفاهم على التحول إلى واقع مرتبطة بمدى قبوله من مراكز القوة الاجتماعية والأمنية المؤثرة في غرب ليبيا. ومن هنا، قد لا ينحصر جوهر الصراع في تحديد من سيحكم، وإنما يمتد إلى تحديد كيف ستنتقل السلطة، ومن سيضمن تنفيذ قواعد هذا الانتقال.وبالنسبة إلى مبادرة مسعد بولس، لا يوفر التقارب الحالي أساسًا كافيًا للقول إن الدبيبة ومصراتة والزاوية يتحركون بصورة منسقة لإفشالها، إلا أنه يخلق بيئة تفاوضية أكثر تعقيدًا أمام أي صيغة لإعادة تشكيل السلطة تتجاهل مواقف القوى المحلية المؤثرة. فقد تحرك بولس خلال يوليو بين مصراتة وبنغازي، وركز في اتصالاته على توحيد المؤسسات ودعم المسار الانتخابي، بما يعكس إدراك واشنطن أن بناء التسوية لا يمكن أن يقتصر على المؤسسات الرسمية وحدها. وفي المقابل، فإن استمرار الدبيبة في بناء علاقات مع مصراتة والزاوية يمكن أن يمنحه مساحة أكبر للمناورة داخل غرب ليبيا، خصوصًا إذا تحول التقارب الاجتماعي الحالي إلى مواقف سياسية أكثر وضوحًا تجاه شكل الحكومة المقبلة أو ترتيب الاستحقاقات الانتخابية. ومع ذلك، تظل مصراتة قادرة على الاحتفاظ بموقف مستقل، فقد تتقاطع مع الدبيبة في رفض بعض الصيغ، ثم تختلف معه إذا رأت أن استمرار حكومة الوحدة يتعارض مع هدف إنهاء المرحلة الانتقالية. وبالتالي ، فإن المؤشر الحقيقي على طبيعة هذا التقارب لن يتمثل في اللقاءات الحالية، وإنما في موقف هذه القوى عند طرح صيغة تنفيذية فعلية؛ هل ستقبل بتغيير الحكومة وفق تفاهم دولي، أم ستتمسك بمسار انتخابي يسبق إعادة توزيع السلطة، أم ستضغط باتجاه صيغة وسطية تضمن لها دورًا في تحديد شكل المرحلة المقبلة.
أما بالنسبة إلى مصر، فإن تداعيات هذا التطور لا تتوقف عند الحساب السياسي المباشر داخل طرابلس، وإنما تمتد إلى البعد الأمني المرتبط بالترابط بين غرب ليبيا وجنوبها والحدود المصريةالسودانية. فالمشكلة بالنسبة إلى القاهرة لا تتمثل فقط في احتمال اندلاع مواجهة داخل المدن الغربية، وإنما في احتمال أن يؤدي استمرار الانقسام والتصعيد إلى إضعاف قدرة الدولة الليبية على ضبط المجال الممتد جنوبًا، حيث توجد مسارات صحراوية تربط ليبيا بالسودان وتشاد ومصر. وقد وثقت تقارير دولية استخدام مناطق جنوب ليبيا، ولا سيما محيط الكفرة، ضمن شبكات ومسارات لنقل الوقود والمركبات والذخائر المرتبطة بالحرب السودانية، كما وثقت تطور النشاط العسكري في منطقة العوينات عند المثلث الليبي–المصري–السوداني ومحاولات أطراف سودانية السيطرة على طرق الإمداد القادمة من ليبيا. ولذلك، فإن أي تصعيد في غرب ليبيا لا يعني تلقائيًا تحوله إلى تهديد مباشر للحدود المصرية، إلا أن مستوى المخاطر قد يرتفع إذا انتقل الانقسام من الصراع السياسي والعسكري في الغرب إلى إعادة توزيع السيطرة على الجنوب أو إضعاف القدرة على مراقبة طرق الحركة الصحراوية إذ يمكن عندها أن تتحول الأزمة الليبية من أزمة داخلية إلى عامل ضغط على البيئة الأمنية المحيطة بمصر، من خلال زيادة حركة السلاح والمقاتلين والتهريب، أو فتح مسارات جديدة للحركة بين ليبيا والسودان، أو دفع الأطراف المتحاربة في السودان إلى البحث عن طرق إمداد بديلة عبر المجال الليبي.وفي هذا السياق، تبرز أهمية المثلث الحدودي المصري الليبي السوداني باعتباره إحدى الحلقات التي يمكن أن تنتقل عبرها تداعيات الأزمة الليبية إلى الملف السوداني. فقد أصبحت منطقة العوينات ومسارات الكفرة السودان مرتبطة بحسابات الحرب السودانية، كما وثقت الأمم المتحدة تحركات مرتبطة بإمدادات عسكرية عبر هذه المنطقة، بما في ذلك مواجهات وقعت في 2025 حول الممرات التي تصل ليبيا بالمناطق التي تسيطر عليها مليشيات الدعم السريع. وعليه، فإن تصعيدًا واسعًا في ليبيا قد لا يفرض ضغطًا عسكريًا مباشرًا على السودان، لكنه يمكن أن يزيد الضغوط عليه إذا أدى إلى إعادة فتح أو توسيع مسارات الإمداد الغربية، أو إذا أسهم الصراع الليبي في إضعاف الجهات التي تفرض رقابة على هذه المسارات. وبذلك، يتداخل التأثير المحتمل في اتجاهين ، فمن ناحية، قد يوفر ضعف الاستقرار في ليبيا بيئة أكثر ملاءمة لحركة الشبكات المسلحة واللوجستية العابرة للحدود، ومن ناحية أخرى، تجعل استمرارية الحرب السودانية هذه المسارات أكثر أهمية بالنسبة إلى الأطراف المتحاربة، بما يزيد حساسية المنطقة بالنسبة إلى مصر.وبناءً على ذلك، فإن السيناريو الأكثر أهمية بالنسبة إلى القاهرة لا يرتبط بمجرد استمرار الخلاف السياسي بين الدبيبة وخصومه، وإنما باحتمال تحول هذا الخلاف إلى تصعيد أمني واسع يمتد من غرب ليبيا إلى الجنوب. ففي هذه الحالة، يمكن أن تتعرض منظومة ضبط الحدود لضغوط متزامنة من أكثر من اتجاه، تشمل نشاط التهريب والحركة المسلحة على الحدود الليبية، واستمرار الحرب السودانية بالقرب من الحدود الجنوبية، إلى جانب محاولات الأطراف السودانية المتحاربة تأمين خطوط الإمداد أو قطعها عبر المجال الصحراوي. ولا يعني ذلك أن المثلث الحدودي سيتحول حتمًا إلى جبهة قتال جديدة، وإنما يعني أن هامش المخاطر المحيطة به قد يتسع، خصوصًا إذا تزامن التصعيد الليبي مع استمرار الحرب السودانية. ولذلك، فإن استقرار ليبيا بالنسبة إلى مصر يرتبط بصورة عملية بقدرة الدولة الليبية على الحفاظ على السيطرة على مجالها الجنوبي ومنع تحول أراضيها إلى عمق لوجستي للصراع السوداني، وليس فقط بإنهاء الانقسام السياسي في طرابلس. ويتسق ذلك مع تشديد القاهرة في تعاملها مع السودان على وحدة الدولة وسيادتها وسلامة أراضيها ووحدة مؤسساتها، وهي الثوابت التي أكدت عليها مصر مجددًا خلال لقاء الرئيس عبدالفتاح السيسي مع رئيس مجلس السيادة السوداني في 4 أكتوبر.
مستقبلنا: التقارب بين الدبيبة ومصراتة والزاوية بمدى انتقاله من تفاهم اجتماعي وسياسي حول الاستقرار والانتخابات إلى اصطفاف أكثر تنظيمًا بشأن شكل السلطة المقبلة. فإذا ظل هذا التقارب في إطار دعم الاستقرار والدفع نحو الانتخابات، فقد يساهم في احتواء جانب من التوتر داخل غرب ليبيا، أما إذا تحول إلى تعبئة سياسية وأمنية في مواجهة ترتيبات إعادة تشكيل السلطة، فقد يرفع احتمالات انتقال الصراع من المؤسسات إلى الشارع والقوى المسلحة، وهو السيناريو الذي تصبح تداعياته أكثر أهمية بالنسبة إلى مصر كلما امتد باتجاه الجنوب. وعند هذه النقطة، لا يعود الملف الليبي منفصلًا عن السودان بالنسبة إلى القاهرة، لأن أي تراجع في قدرة الدولة الليبية على ضبط الجنوب يمكن أن ينعكس على مسارات الحركة والإمداد المرتبطة بالحرب السودانية، بما يزيد الضغط على المثلث الحدودي ويضع مصر أمام بيئة أمنية أكثر تعقيدًا على حدودها الغربية والجنوبية في الوقت نفسه. ومن ثم، فإن جوهر التطور الحالي لا يكمن فقط في محاولة الدبيبة توسيع هامش حركته داخل غرب ليبيا، وإنما في أن فشل إنتاج تسوية سياسية قابلة للتنفيذ قد يترتب عليه ثمن أمني يتجاوز حدود ليبيا نفسها، إذا أدى إلى إضعاف السيطرة على الجنوب وتزامن ذلك مع استمرار ارتباطه بشبكات الصراع الممتدة إلى السودان.
في 4 أكتوبر 2026، استضافت مدينة العلمين الجديدة قمة تشاورية جمعت مصر والسودان وإريتريا والصومال، لبحث التطورات في القرن الأفريقي والبحر الأحمر وتعزيز التنسيق بين الدول الأربع. وركز الإعلان المشترك على دعم وحدة وسيادة دول المنطقة، وأمن البحر الأحمر وحرية الملاحة، ورفض التدخلات الخارجية والإجراءات الأحادية في ملف مياه النيل، إلى جانب الاتفاق على آلية لمتابعة مخرجات القمة وعقدها بصورة دورية. وتأتي أهمية هذا التحرك في ظل تداخل عدد من الأزمات الإقليمية داخل مساحة جغرافية واحدة، بما يجعل التنسيق بين الدول الأربع مرتبطًا بمحاولة احتواء تداعيات يمكن أن تنتقل من القرن الأفريقي إلى البحر الأحمر وملف النيل.
استراتيجيا:تكتسب القمة وزنًا استراتيجيًا خاصًا بالنظر إلى توقيتها، إذ انعقدت في مرحلة تتجاوز فيها التوترات في القرن الأفريقي حدود التنافس السياسي لتقترب من احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة. فقد قطعت إريتريا علاقاتها الدبلوماسية مع إثيوبيا في الأول من أكتوبر، عقب تصعيد متسارع على خلفية القتال في تيغراي والاتهامات المتبادلة بين الجانبين، بالتزامن مع ظهور مؤشرات على وجود قوات إريترية داخل الأراضي الإثيوبية واستمرار العمليات العسكرية في شمال إثيوبيا. وتكتسب هذه التطورات أهمية بالنسبة إلى مصر بالنظر إلى أن اتساع نطاق الصراع الإثيوبي–الإريتري لن يظل بالضرورة محصورًا داخل الحدود بين البلدين؛ فإريتريا تمتلك ساحلًا طويلًا ومواقع بحرية استراتيجية، في حين تتمسك إثيوبيا بهدف تأمين منفذ إلى البحر، بما يجعل أي تصعيد عسكري بين الطرفين قابلًا للارتباط بصورة مباشرة بأمن البحر الأحمر وخيارات أديس أبابا البحرية.وتتجاوز أهمية القمة كذلك حدود الأزمة الإثيوبية الإريترية، بالنظر إلى أنها تجمع دولًا تقع على امتداد سلسلة جغرافية مترابطة تبدأ من حوض النيل والسودان، وتمر بالساحل الإريتري، وصولًا إلى الصومال وخليج عدن وباب المندب. وبذلك، تتعامل القاهرة مع مساحة استراتيجية يمكن أن تنتقل داخلها تداعيات الأزمات من مسرح إلى آخر؛ فتصعيد إثيوبي إريتري يمكن أن يفرض ضغوطًا على السودان، بينما ينعكس اضطراب السودان على الساحل الغربي للبحر الأحمر، في الوقت الذي قد يؤدي فيه عدم استقرار الصومال أو تغير التوازنات في الساحل المقابل لليمن إلى زيادة المخاطر المحيطة بباب المندب. ومن هذا المنظور، تمثل القمة محاولة لبناء إطار إقليمي للتنسيق قبل انتقال الأزمات من نطاقها المحلي إلى مستوى التأثير العابر للحدود، بما يتيح للدول الأربع تنسيق مواقفها تجاه التطورات التي تمس أمنها ومصالحها المشتركة.ويحمل إدراج أمن البحر الأحمر وباب المندب ضمن صلب التفاهمات دلالة عملياتية مباشرة، إذ لا ترتبط سلامة الممر البحري بإغلاقه بصورة فعلية فقط، وإنما يمكن أن تتأثر وظيفته الاقتصادية بمجرد ارتفاع مستوى المخاطر العسكرية المحيطة به. فالتصعيد في اليمن، وما يتصل به من هجمات وعمليات عسكرية في مناطق قريبة من باب المندب، يرفع احتمالات استمرار اضطراب خطوط الملاحة في جنوب البحر الأحمر. وفي هذا السياق، يصبح تأكيد الدول الأربع على أمن البحر الأحمر وحرية الملاحة مرتبطًا بحماية سلسلة المصالح التي تصل باب المندب بقناة السويس، وليس مجرد تعبير عن موقف سياسي عام تجاه أمن الممرات البحرية.وفي السياق نفسه، يكتسب الموقف من الصومال وأرض الصومال أهمية إضافية مع انتقال العلاقات الإسرائيلية أرض الصومال الانفصالي إلى مستوى دبلوماسي وأمني أكثر وضوحًا، في ظل الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال وتنامي التعاون الأمني بين الطرفين. وفي المقابل، تظل التقارير المتعلقة بإقامة قاعدة عسكرية إسرائيلية في أرض الصومال محسومة، مع نفي سلطات أرض الصومال وجود مفاوضات بهذا الشأن. ومن ثم، لا تكمن الدلالة بالنسبة إلى مصر في افتراض وجود قاعدة عسكرية إسرائيلية غير مثبتة، وإنما في احتمال أن يتطور التعاون الأمني القائم إلى ترتيبات طويلة الأمد على الساحل المقابل لباب المندب. وإذا امتد هذا التعاون مستقبلًا إلى مجالات الاستطلاع البحري أو الدعم اللوجستي أو ترتيبات الوصول العسكري، فقد يؤدي ذلك إلى تغيير البيئة العملياتية في خليج عدن والبحر الأحمر، وهو ما يفسر أهمية تمسك القمة بوحدة الصومال ورفض الإجراءات الخارجية التي تمس سيادته.وتحمل القمة كذلك دلالة إضافية من خلال جمع ملفي النيل والبحر الأحمر داخل إطار سياسي واحد، بما يوسع هامش الحركة المصرية في التعامل مع إثيوبيا، إذ لم تعد القضية بالنسبة إلى القاهرة مقتصرة على إدارة ملف مياه النيل، وإنما أصبحت مرتبطة كذلك بالتطورات الإقليمية داخل إثيوبيا، وطموحاتها البحرية وعلى الرغم من ذلك إلا أن القاهرة تتعامل مع التحركات الدبلوماسية الإثيوبية باتجاه القاهرة بدبلوماسية منضبطة وخطوات محسوبة على الرغم من استمرار إثيوبيا في توجيه الاتهامات الي القاهرة. وإن القمة الرباعية ليست تصعيد اتجاه أديس أبابا إنما نمط دبلوماسي لمنع نقل التطورات الداخلية الي البيئية الإقليمية ، وعلاقاتها مع دول القرن الأفريقي. وفي المقابل، لا تعني القمة إعلان مصر تشكيل تحالف عسكري في مواجهة إثيوبيا، وإنما تعكس محاولة لبناء شبكة من التوافق السياسي والجغرافي تقلل من قدرة أي طرف على تغيير المعادلات الإقليمية بصورة منفردة، وتوفر للقاهرة شركاء في الملفات التي يمكن أن تتقاطع لاحقًا مع مصالحها المباشرة.
إفريقيا تمنح القمة مصر إطارًا سياسيًا أوسع للتعامل مع التهديدات الممتدة من القرن الأفريقي إلى البحر الأحمر، من خلال جمع دول ترتبط مصالحها بصورة مباشرة بأمن النيل والبحر الأحمر وباب المندب داخل منصة واحدة. وتتمثل القيمة العملية لهذا الإطار في إمكانية تحويل التوافق السياسي بين القاهرة والخرطوم وأسمرا ومقديشو إلى تنسيق مستمر بشأن الأزمات التي يمكن أن تنتقل تداعياتها من دولة إلى أخرى. وبالنسبة إلى مصر، يتيح هذا التنسيق بناء تقدير إقليمي أكثر شمولًا للتطورات المحيطة بها، بدل التعامل مع كل أزمة بصورة منفصلة، خاصة في ظل تزامن الحرب في السودان، والتوتر الإثيوبي–لإريتري، واضطرابات البحر الأحمر، والتنافس على النفوذ في الصومال وأرض الصومال الانفصالي .وتتضاعف أهمية هذا الإطار مع تصاعد احتمالات المواجهة بين إثيوبيا وإريتريا، فأي انتقال من حالة التوتر الحالية إلى مواجهة عسكرية واسعة لن تقتصر تداعياته على الحدود بين البلدين، وإنما قد تمتد إلى حركة التجارة والحدود السودانية وأمن البحر الأحمر وحسابات الوصول الإثيوبي إلى الموانئ. وهنا يمكن لمصر الانتقال من التعامل مع نتائج الأزمة إلى المشاركة في احتوائها، من خلال الحفاظ على قنوات اتصال مع مختلف الأطراف، ودعم جهود الوساطة الأفريقية، والعمل على منع تحول الصراع إلى مواجهة إقليمية أوسع. كما أن امتلاك القاهرة علاقات مع السودان وإريتريا والصومال يمنحها مساحة للمشاركة في ترتيبات خفض التصعيد، إلا أن فاعلية هذا الدور تظل مرتبطة بعدم تحول التنسيق الرباعي إلى إطار مغلق يستهدف إثيوبيا، بالنظر إلى أن الحفاظ على قنوات الحوار مع أديس أبابا يظل عنصرًا مهمًا في أي دور مصري لإدارة أزمات القرن الأفريقي.ويمتد هذا التأثير إلى أمن البحر الأحمر، حيث يمكن لمصر توظيف الموقع الجغرافي للدول المشاركة في القمة لبناء شبكة سياسية وأمنية تمتد من الساحل السوداني والإريتري إلى خليج عدن. وتكتسب هذه المسألة أهمية عسكرية واقتصادية في ظل استمرار التهديدات حول باب المندب؛ إذ إن اضطراب الملاحة لا يتطلب إغلاق المضيق بصورة كاملة حتى ينعكس على قناة السويس، فارتفاع مستوى المخاطر الأمنية أو تكاليف التأمين، إلى جانب اتجاه شركات النقل إلى استخدام مسارات أطول، يمكن أن يؤثر في حركة التجارة وإيرادات القناة. ومن ثم، فإن دعم استقرار الدول المطلة على هذا المسرح يمثل بالنسبة إلى مصر جزءًا من حماية العمق الاستراتيجي لقناة السويس، وليس مجرد تحرك في إطار السياسة الخارجية.وفي هذا السياق، تكتسب التطورات المرتبطة بأرض الصومال الغير معترف بها دوليا وإسرائيل أهمية إضافية بالنسبة إلى القاهرة، بالنظر إلى الموقع الجغرافي لأرض الصومال بالقرب من خليج عدن وباب المندب، وما يمكن أن يترتب على توسع التعاون الإسرائيلي معها من تداعيات أمنية، خصوصًا إذا تطور مستقبلًا إلى ترتيبات في مجالات الاستطلاع البحري أو التعاون الاستخباراتي أو الدعم اللوجستي. وهذا يعني يعني أن طبيعة التعاون واتجاه تطوره يمثلان مسألة تستحق المتابعة المصرية بالنظر إلى تأثيرهما المحتمل في البيئة العسكرية والأمنية المحيطة بباب المندب. ومن هنا، يرتبط تمسك القاهرة بوحدة الصومال وسيادته أيضًا بمنع نشوء ترتيبات إقليمية جديدة على ساحله يمكن أن تؤثر في توازنات البحر الأحمر.كما تمنح القمة القاهرة فرصة لتوسيع أدوات التعامل مع ملف النيل من خلال ربطه بالسياق الأمني الأوسع في القرن الأفريقي، إذ إن التطورات داخل إثيوبيا وعلاقاتها المتوترة مع بعض دول الجوار لا تنفصل عن الحسابات المصرية المرتبطة بمياه النيل. وعليه ، فإن بناء تفاهمات مستمرة مع السودان وإريتريا والصومال يمكن أن يوفر للقاهرة مساحة أكبر لفهم التحولات الإقليمية والتعامل معها سياسيًا وأمنيًا. إلا أن القيمة الفعلية لهذا المسار ستتوقف على قدرة مصر على تحويل مخرجات القمة من توافق سياسي إلى آلية عمل مستمرة، تشمل تبادل التقديرات، والإنذار المبكر، والتنسيق الدبلوماسي، والتحرك المشترك لاحتواء الأزمات قبل تحولها إلى صراعات واسعة.
ويفتح ذلك أمام مصر مجالًا لتطوير دورها من دولة تتأثر بأزمات القرن الأفريقي إلى طرف يشارك في إدارة هذه الأزمات، بحيث لا يقتصر التحرك المصري على حماية المصالح الوطنية عند ظهور تهديد مباشر، وإنما يمتد إلى الوساطة الوقائية، ودعم ترتيبات خفض التصعيد، والمشاركة في معالجة الأزمات قبل اتساع نطاقها، خاصة في ظل امتلاك القاهرة قنوات اتصال مع أطراف متصارعة في الإقليم. وتزداد أهمية هذا الدور في حال تصاعد المواجهة بين إثيوبيا وإريتريا، بالنظر إلى أن منع انتقال الصراع إلى السودان أو البحر الأحمر يمثل في حد ذاته أحد أبعاد حماية الأمن القومي المصري.
