ا.د مروة إبراهيم

ملخص

تُشكل أزمة إقليم تيجراي تجسيداً واضحاً للهوة السحيقة بين الوعود الدستورية الإثيوبية والواقع المأساوي على الأرض؛ فعلى الرغم من إقرار الدستور الإثيوبي بحقوق الأمم والقوميات في تقرير المصير للتعايش وطي صفحة الهيمنة، وبناء أساس للتعايش بين قومياته وعرقياته الكثيرة، فإن ما يشهده الواقع الحالي لإقليم تيجراي يؤكد أن هذه الضمانات تظل حبراً على ورق في إثيوبيا، وسط تقويض لمؤسساته وإقصاء لممثليه، ومعاملة مجتمعه كتهديد أمني، كما يتعذر الدفاع عن الوحدة الوطنية وسط استمرار نزوح الملايين وتأجيل محاسبة المتورطين في الانتهاكات.  وفي ظل هذا التعثر السياسي وفشل المعالجات المركزية، برز تحالف “تِسيمدو (Tsimdo) كاستجابة هيكلية لكسر هذا الطوق، حيث سعى لتأسيس إطار مؤسسي يجمع إقليم تيجراي بقوى معارضة إثيوبية أخرى. وبينما تراه أديس أبابا تهديداً أمنياً يعمق الانقسامات، تقدمه أطرافه كمبادرة شعبية للسلام وحماية الحقوق، مما يعكس تحولاً جذرياً في مسار التحالفات الإقليمية للبحث عن بدائل خارج عباءة السلطة الفيدرالية.

تهدف هذه الورقة إلى تقديم قراءة تحليلية نقدية للمشهد السياسي الإثيوبي الراهن لأزمة إقليم تيجراي، مستندة إلى رؤى وتحليلات من منصات وصحف إثيوبية محلية. وتكمن أهمية هذه الدراسة في تسليط الضوء على مخاطر تكرار دوامة الحروب والنزاعات الأهلية الناتجة عن سياسات الإقصاء والقمع العسكري. كما تبين الورقة التحذير من مغبة تجاهل دروس التاريخ الإثيوبي الذي يعيد نفسه، لا سيما تجربة الاستقلال الإريتري التي لم تكن وليد الصدفة، بل كانت النتيجة الحتمية لعقود من المركزية القسرية وفشل بناء اتحاد طوعي عادل.

وفي هذا السياق، تطرح الورقة تساؤلاً رئيساً حول مآلات الصراع ومستقبل بناء الدولة في إثيوبيا في ظل هذه التحديات المتشابكة، متفرعاً إلى عدة أسئلة جوهرية؛ أبرزها: إلى أي مدى يمكن لتحالف “تِسيمدو” أن يعيد تشكيل خارطة التحالفات السياسية وتوازنات القوى في البلاد؟ وكيف ستنعكس تداعيات التهميش المستمر وغياب العدالة في غرب تيجراي على تفكك العقد الاجتماعي؟ وهل تنجح الحكومة الفيدرالية في استخلاص دروس التاريخ لمنع انزلاق البلاد نحو سيناريوهات مشابهة للتجربة الإريترية، أم أن الإقصاء والحلول الأمنية ستدفع نحو مسارات الانفصال التام؟

تيجراي: من مهد الحضارة الأكسومية إلى إقصاء منهجي لهوية بأكملها

إن إقليم تيجراي ليس مجرد إقليم إداري حديث، بل هو العمق التاريخي والحضاري الذي قامت على أنقاضه وجذوره الدولة الإثيوبية الحديثة، وله إرث ثقافي وسياسي وعسكري عميق ومؤثر في تاريخ القرن الأفريقي؛ حيث احتل أهمية حضارية وتاريخية كبيرة في التاريخ الإثيوبي، وكان المركز التاريخي لـمملكة أكسوم القديمة (التي امتدت من القرن الأول الميلادي وحتى القرن العاشر الميلادي تقريباً)، ومثلت تلك المملكة لإثيوبيا إمبراطورية تجارية وحضارية كبرى ربطت بين أفريقيا والجزيرة العربية والعالم الروماني.  وكان هذا الإقليم مهد المسيحية الإثيوبية ويزخر بأثار شهيرة (كالمسلات والكنائس المنحوتة في الصخر) داخل حدوده الحالية.

على الرغم من الدور التاريخي المحوري الذي لعبته عرقية التيجراي في الدفاع عن سيادة إثيوبيا ضد الغزوات الخارجية في مراحل تاريخية كثيرة- أبرزها في “معركة عدوة” التاريخية 1896م- يواجه الإقليم اليوم تهميشاً واضطهاداً ممنهجاً يحول الانتماء العرقي إلى أداة رسمية للإقصاء والعقاب الجماعي.

وفي مقال تحليلي نشرته صحيفة “أديس استاندارد“ في 17 سبتمبر 2026، سُلّط الضوء على استمرار الأزمة المتفاقمة في غرب تيجراي وغياب المساءلة عن الجرائم السابقة؛ واستمرار الانتهاكات المنهجية ضد العرقية، وأشارت الصحيفة إلى أن انتخابات يونيو 2026م كانت خير شاهد على ممارسات السياسات الفيدرالية والمحلية، والتي امتدت لتشمل تداعيات سياسية كارثية كرست الاستبداد وأقصت المعارضة وغاب التصويت فيها عن إقليم تيجراي، بالتزامن مع توثيق انتهاكات متصاعدة شملت إسكات الإعلام والتجنيد الإجباري.

توثيق دولي للانتهاكات وجرائم حرب لنية الإبادة لعرقية التيجراي

وثّقت صحيفة أديس استاندرند في مقال منشور بتاريخ (17-9) الانتهاكات المنهجية الجسيمة التي يتعرض لها حاليًا مدنيو عرقية تيجراي خلال حرب إثيوبيا، مشيرة إلى تقارير دولية كثيرة نحو ما نشر من خلال “هيومن رايتس ووتش”، و”العفو الدولية”، ولجنة الأمم المتحدة لخبراء حقوق الإنسان (ICHREE)، والتي أكدت تورط قوات الأمن الإقليمية والقوات الفيدرالية والجيش الإريتري في جرائم ترتقي إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية والتطهير العرقي، شملت القتل والعنف الجنسي والحصار الإنساني والاعتقال التعسفي، بالإضافة إلى الإشارة إلى بقاء المسؤولين عن التهجير الجماعي في مناصبهم منذ عام 2022 م دون أي حساب. وقد أدى ذلك إلى حرمان أكثر من 740,000  نازح من العودة إلى ديارهم لأكثر من خمس سنوات. ولا يتوقف حجم هذا التهميش عند حدود التهجير، بل يمتد إلى ترسيخ التمييز اليومي عبر إجراءات تعسفية تجرد أبناء التيجراي من أبسط مقومات المواطنة. وتشمل هذه الممارسات حرمانهم من وثائق الهوية، وتقييد حركتهم وفرص عملهم، وتعريضهم للاحتجاز والإهانة، في مقابل استثناء صريح للعرقيات الأخرى من هذه القيود. وفي ظل عجز الحكومة الفيدرالية عن اتخاذ خطوات فعلية لتحسين الأوضاع، تكتفي إدارة المنطقة بنفي الاتهامات وادعاء أن السكان يعيشون بسلام. وفي حين امتنعت لجان الأمم المتحدة عن إصدار حكم قاطع بشأن جريمة “الإبادة الجماعية” بانتظار مزيد من الأدلة والتحقيقات، ذهبت تحليلات قانونية مستقلة – مثل تقارير معهد “نيو لاينز” – إلى تأكيد وجود نية التدمير المنهجي للقومية وتعتزم “لمحو التيجراي لمدة 100 عام” ، مما يعكس نقاشاً قانونياً وقضائياً مستمراً حول تلك الأزمة.

خطوات نحو حماية المدنيين: خارطة طريق لتدارك الأزمة في تيجراي

اكدت الصحيفة على أنه خلال ست سنوات من التوثيق لانتهاكات الحكومة الفيدرالية واستمرار المعاملة التمييزية عدم جدوى انتظار مبادرات ذاتية من أديس أبابا، ما يفرض التحرك العاجل عبر خمس خطوات عملية موجهة للمجتمع الدولي والمؤسسات المستقلة:

أولاً: إعادة استئناف ولايات الرقابة الدولية، وذلك من خلال تجديد ولاية لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة  وإحياء لجنة التحقيق التابعة للجنة الأفريقية، وضمان وصول المراقبين المستقلين للتحقق ميدانياً من وثائق الهوية وحرية التنقل والخدمات في غرب تيجراي.

ثانياً: تدابير أمنية قائمة على السلوك: إلزام الحكومة بتطبيق المعايير الحقوقية التي تجعل الفحص والتفتيش مستنداً إلى السلوك الفردي والأدلة الموثوقة وليس إلى العرق أو الأصل.

ثالثاً: حماية المدنيين والوصول الإنساني: توفير حماية صريحة ومراقبة للنازحين والسكان والعائدين ضد الاحتجاز التعسفي والتهجير القسري، والأعمال الانتقامية بغض النظر عن الانتماء.

رابعاً: المساءلة للأفراد المحددين بأسمائهم: فرض عقوبات مستهدفة وإقالة المسؤولين عن الانتهاكات السابقة والمستمرة —كما حددتهم “هيومن رايتس ووتش”— فوراً ودون انتظار لآليات لجان التحقيق الطويلة.

خامساً: الدبلوماسية الوقائية الدولية: تدخل الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والشركاء الإقليميين بحزم لتحذير السلطات من خطورة تصوير أي مجتمع عرقي كتهديد أمني، لما يمثله ذلك من تهيئة لبيئة الفظائع.

التحذير من مسار إثيوبيا الحالي:  دروس من تجربة إريتريا

حذرت الصحف والمواقع الإخبارية الإثيوبية من مغبة تكرار الأخطاء التاريخية التي أدت سابقاً إلى انفصال إريتريا، مسقطةً تلك التجربة على الأزمة الحالية في إقليم تيجراي. وتتمثل تلك الأخطاء التاريخية- كما أشارت صحيفة أديس ستاندارد في مقال بتاريخ 10-9 إلى التهميش السياسي والتدخلات الأجنبية والوعود المنقوضة، وفشل الحكومات المتعاقبة في معالجة مسألة تقرير المصير بوسائل سلمية وديمقراطية. ونبهت التقارير إلى أن سياسات الإقصاء وغياب الأمن وانهيار العقد الاجتماعي تدفع الشعوب نحو فقدان الثقة التامة بالدولة، مما قد يحول المطالب بالحقوق الدستورية أو الحكم الذاتي إلى نزوع نحو الانفصال التام. وذكرت الصحيفة أن الوحدة السياسية لا تُحفظ بالقمع والإكراه بل بالاستيعاب والعدالة، مستشهدة بتجارب دولية (مثل يوغسلافيا وجنوب السودان وسنغافورة) التي أثبتت أن تجاهل المظالم وقمع الهويات يؤدي حتماً إلى التشرذم والإنفصال. وتخلص إلى أن التحدي الحقيقي أمام إثيوبيا ليس فرض البقاء بالقوة أو دفع تيجراي للإنفصال، بل بناء نظام فيدرالي عادل يضمن بقاء جميع مكوناتها طوعاً وبأمان لا خوفاً. مؤكدة في الوقت ذاته إلى أن التجارب الدولية وتاريخ إثيوبيا يثبتان أن الوحدة السياسية لا يمكن أن تُحفظ قسراً أو عبر قمع الهويات وإقصائها. وفي ظل الأزمة الراهنة التي يعيشها إقليم تيجراي والمخاطر المحدقة بالبلاد، تؤكد الصحيفة أن استدامة الدولة الإثيوبية ووحدتها لا تقومان على الحرب والإكراه والحلول الأمنية، بل تتبلوران عبر العدالة والمواطنة المتساوية والمساءلة والقبول الطوعي لشعبها ضمن اتحاد فيدرالي يحمي حقوقهم وأمنهم وكرامتهم من خلال الحوار والتسويات السياسية.

تِسيمدو على المحك: دبرصيون يؤكد التحالف المؤسسي وسط توترات إثيوبية متصاعدة

سلطت الصحف والمواقع الإعلامية الضوء على الجدل المتصاعد حول تحالف “تِسيمدو” وتطوراته المؤسسية والتفسيرات المتباينة بشأنه وبين أديس أبابا، التي تنظر إليه كتهديد أمني وجيوسياسي، في مقابل ميكيلي وأسمرة اللتين تقدمانه كمبادرة سلام ومصالحة شعبية؛ وهو نقاش اتسع نطاقه عقب اجتماع عقد في بورتسودان (مايو 2026م) ضم شخصيات معارضة إثيوبية لتعزيز الروابط الإقليمية. و صرح رئيس إقليم تيجراي، دبرصيون جبريمايكل –كما نشرت أديس ستاندارد بتايخ 10-9: أن انتقال التحالف الناشىء والمعروف بمصطلح تِسيمدو من مرحلة التنسيق غير الرسمي إلى هيكل تنظيمي ومؤسسي لا رجعة فيه، وله وثائقه وقيادته وخططه الخاصة. وفي ظل تجدد الاشتباكات والتوترات السياسية بين القوات الفيدرالية وحكومة تيجراي، أكد دبرصيون أن هذا التحالف لا يقتصر على مواجهة حزب الازدهار الحاكم فحسب، بل يهدف إلى منع تفكك أعضائه وتقديم إطار منظم لمعالجة الخلافات ورسم مسار المستقبل السياسي عبر الحوار ومشاركة الشعب، تزامناً مع استمرار التباينات الإقليمية والدولية في تفسير أهداف هذه التحالفات وتأثيراتها الجيوسياسية على استقرار إثيوبيا والقرن الأفريقي.

ومن ناحية أخرى، نشرت الصحيفة تقريرًا آخر (بتاريخ 18-9) عن إصدار “جيش تحرير أورومو” (OLA)  بياناً يوضح فيه موقفه من هذا الحراك؛ حيث وصف هذا التحالف الناشئ بأنه مجرد “توافق إجرائي” وليس اتفاقاً سياسياً. ورغم إقرار جيش أورومو بوجود تعاون ميداني ممتد بين قوى المعارضة، ونفيِه كونه طرفاً مباشراً فيه، إلا أنه حدد غاية هذا التعاون في هدفين أساسيين: وضع حد للقتال وتوجيه الجهود نحو مصدر الدمار، وخلق أفق سياسي انتقالي يتيح للإثيوبيين تلبية مطالبهم عبر المشاركة المباشرة.

ختامًا: أوضحت الورقة أن استمرار انتهاج القوة وتطبيق العقوبات الجماعية وغياب المساءلة في إقليم تيجراي، لا يؤدي سوى إلى انهيار العقد الاجتماعي وتآكل ثقة المواطنين بالدولة، مما يحول المظالم السياسية تدريجياً إلى نزعات نحو الانفصال، ويتضاعف خطر تكرار الأخطاء التاريخية التي أدت سابقاً إلى انفصال إريتريا، لا سيما مع تصاعد الجدل حول تحالف “تِسيمدو” وتطوره المؤسسي ؛ كاستجابة هيكلية لكسر الطوق المركزي، منتقلاً من التنسيق غير الرسمي إلى تنظيم مؤسسي ثابت يجمع تيجراي بقوى معارضة أخرى لمواجهة حزب الازدهار الحاكم ورسم مسار سياسي بديل عبر الحوار، وهو تحالف تتباين تفسيراته بين اعتباره تهديداً أمنياً من منظور أديس أبابا، ومبادرة سياسية وشعبية في ميكيلي وأسمرة، غير أن لجوء الأطراف نحو هذه التحالفات الهيكلية المتصاعدة ينذر بدفع إثيوبيا نحو مزيد من الصراعات والحروب الدموية،. وفي ظل هذا الجمود السياسي الذي وصفته الورقة يتضح أن استدامة الوحدة الإثيوبية لا يمكن أن تُحفظ بالإكراه، بل تتبلور حصراً من خلال العدالة والمواطنة المتساوية التي تحترم حقوق كافة عرقيات الشعب الإثيوبي وهويته.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version