د/ محمد أحمد صالح
تناولت وسائل الإعلام العالمية خبرا مفاده أن مجلس النواب الأمريكي (الكونجرس) شهد تصويتًا انتهى برفض مشروع قانون لوقف المساعدات لإسرائيل بنتيجة 314 مقابل 104 مع تأييد 103 من الديمقراطيين للمشروع. أهمية ها الحدث لا تكمن في سقوط المشروع، بل في الكتلة السياسية التي صوتت لصالحه؛ لأنها تعكس تحولًا داخل الحزب الديمقراطي أكثر مما تعكس تحولًا في السياسة الأمريكية الرسمية.
من هنا ينظر البعض إلى التصويت الذي شهده مجلس النواب الأمريكي حول مشروع قانون يطالب بوقف المساعدات العسكرية لإسرائيل يشكل أحد أكثر التطورات السياسية حساسية منذ عقود في العلاقة الأمريكية الإسرائيلية.
ورغم سقوط المشروع بأغلبية كبيرة، فإن القيمة السياسية الحقيقية لا تكمن في النتيجة، وإنما في حجم الأصوات المؤيدة داخل الحزب الديمقراطي، وهو ما يعكس تغيرًا تدريجيًا في المزاج السياسي الأمريكي تجاه إسرائيل. فلأول مرة يصبح الحديث داخل الكونجرس ليس عن زيادة المساعدات، وإنما عن شرعية استمرارها بالشكل التقليدي. وهذا يمثل تحولاً نوعياً في البيئة الاستراتيجية التي بنت عليها إسرائيل أمنها منذ سبعين عاماً.
أهمية هذا التصويت على المشروع رغم سقوطه
في البرلمانات الكبرى لا تقاس أهمية التصويت بمن يفوز اليوم، وإنما باتجاه حركة الكتل السياسية. قبل عشر سنوات كان التصويت ضد إسرائيل داخل الكونجرس يكاد يكون مستحيلاً. اليوم أصبح هناك أكثر من مئة نائب مستعدون للتصويت ضد استمرار المساعدات. وهذا يعني أن القضية انتقلت من الهامش إلى داخل المؤسسة السياسية الأمريكية.
أي أن السؤال لم يعد: هل تستحق إسرائيل الدعم؟، بل أصبح: هل تستحق هذا المستوى من الدعم غير المشروط؟ وهذا تطور بالغ الخطورة بالنسبة لإسرائيل.
دلالات توقيت هذا التصويت
هناك عدة دلالات وعوامل تراكمت معاً، منها:
-حرب غزة: الحرب غيرت صورة إسرائيل داخل المجتمع الأمريكي. مشاهد الدمار الكبير، وأعداد الضحايا المدنيين، والأزمة الإنسانية كلها صنعت رأياً عاماً مختلفاً عن الحروب السابقة.
-تغير الجيل داخل الحزب الديمقراطي: الجيل الجديد أقل ارتباطاً بالرواية الإسرائيلية التقليدية، وهو أكثر اهتماماً بحقوق الإنسان والقانون الدولي، كما أنه أقل تأثراً بالإرث السياسي للحرب الباردة.
-الجامعات الأمريكية: الاحتجاجات الواسعة داخل الجامعات أحدثت نقلة مهمة. إذ خرج لأول مرة عشرات الآلاف من الطلاب الأمريكيين للمطالبة بوقف الدعم لإسرائيل، وهؤلاء سيكونون ناخبي السنوات القادمة.
-وسائل التواصل: احتكار الرواية الإعلامية انتهى، وأصبح المواطن الأمريكي يشاهد الحرب مباشرة. وهذا قلل من قدرة الحكومات على التحكم بالرواية.
-الانقسام الداخلي الأمريكي: إسرائيل أصبحت جزءاً من الاستقطاب الأمريكي، بينما كانت سابقاً قضية إجماع قومي. وهذا بحد ذاته تحول استراتيجي.
هل يتغير الدعم الأمريكي قريباً؟
الإجابة نعم، ولكن ليس بشكل سريع، لكن الاتجاه بدأ بالفعل. الولايات المتحدة لا تغير سياساتها فجأة، بل يحدث التغيير عبر مراحل:
-المرحلة الأولى: الاعتراض الأخلاقي، وقد بدأت بالفعل.
-المرحلة الثانية: المطالبة بربط المساعدات بشروط.
-المرحلة الثالثة: تقليل حجم المساعدات.
-المرحلة الرابعة: إعادة تعريف العلاقة.
حتى الآن نحن بين المرحلتين الأولى والثانية.
دلالات التصويت بالنسبة لإسرائيل
إسرائيل تعتمد على الولايات المتحدة في أربعة محاور: الدعم العسكري، والغطاء السياسي، والدعم المالي، والحماية الدبلوماسية، وأي تراجع في أحد هذه العناصر يؤثر على البقية. كما بنت إسرائيل عقيدتها الأمنية على فرضية أساسية، مفادها أن الدعم الأمريكي ثابت. اليوم هذه الفرضية بدأت تهتز.
ولذلك بدأت تل أبيب منذ سنوات زيادة الإنتاج العسكري المحلي، والبحث عن أسواق جديدة، وتطوير العلاقات مع الهند، وتوسيع التعاون مع أوروبا، وتنويع الاقتصاد الدفاعي.
دلالات التصويت لفلسطين
هناك فرصة سياسية كبيرة، لكنها ليست تلقائية، إذا أحسن الفلسطينيون استثمارها يمكن تحقيق عدة مكاسب:
أولاً: تحويل القضية الفلسطينية من قضية عربية إلى قضية أمريكية داخلية، وهذا أخطر ما تخشاه إسرائيل.
ثانياً: العمل مع التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي.
ثالثاً: تعزيز العمل القانوني الدولي.
رابعاً: زيادة الضغوط على الإدارة الأمريكية.
خامساً: بناء تحالفات مع المجتمع المدني الأمريكي.
توظيف الدول العربية لهذا التصويت
التغير الأمريكي يمنح هامشاً جديداً للحركة، حيث يمكن للدول العربية توسيع النفود داخل الكونجرس، ودعم مراكز الأبحاث، والاستثمار الإعلامي، وتنشيط الدبلوماسية البرلمانية، وبناء شراكات مع الجامعات.
ماذا يعني ذلك لإيران؟
إيران ستقدم نفسها باعتبارها الدولة الوحيدة التي واجهت إسرائيل، وستحاول استثمار أي تراجع أمريكي لتعزيز نفوذها الإقليمي.
ماذا يعني ذلك لتركيا؟
أنقرة ستستثمر الملف لتعزيز حضورها الإسلامي والدبلوماسي، وقد تستخدمه لتحسين علاقاتها مع الدول العربية.
ماذا يعني ذلك لدول الخليج؟
دول الخليج ستكون أمام معادلة دقيقة، فهي حريصة على العلاقة مع واشنطن. وفي الوقت نفسه تراقب تراجع شعبية إسرائيل داخل الغرب. لذلك قد تتجه إلى سياسة أكثر توازناً.
ماذا يعني ذلك لمصر والأردن؟
البلدان الأكثر ارتباطاً مباشرة بالقضية الفلسطينية، وأي تغير في الموقف الأمريكي يمنحهما مساحة أكبر للمطالبة بإحياء المسار السياسي.
السيناريوهات المستقبلية
السيناريو الأول: استمرار الدعم كما هو، احتمال تحققه 30%.
السيناريو الثاني: استمرار الدعم مع شروط، احتمال تحققه 45%، وهو الأكثر ترجيحاً.
السيناريو الثالث: تقليص تدريجي للمساعدات، احتمال تحققه 20%.
السيناريو الرابع: تحول جذري في السياسة الأمريكية، احتمال تحققه أقل من 5% خلال السنوات القريبة، لكنه قد يصبح أكثر احتمالاً على المدى البعيد إذا استمرت التحولات الديموجرافية والسياسية داخل الولايات المتحدة.
البعد الانتخابي
كل دورة انتخابية أمريكية جديدة تشهد ارتفاعاً في عدد النواب الشباب، وهؤلاء أكثر ميلاً لانتقاد إسرائيل. وبالتالي فإن الاتجاه العام قد يستمر حتى لو تغيرت الإدارات.
ماذا تقول إسرائيل؟
تنظر إسرائيل إلى هذه المؤشرات بقلق متزايد، لكنها لا تعتبرها حتى الآن تهديداً مباشراً للتحالف مع واشنطن. تركيزها ينصب على منع تحول الانقسام الحزبي إلى سياسة رسمية؛ لأن أخطر سيناريو بالنسبة لها هو أن يصبح دعم إسرائيل قضية خلافية بين الحزبين بعد أن كان لعقود محل إجماع واسع.
لذلك تعمل على عدة مسارات، منها تكثيف التواصل مع الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وتعزيز حضورها في مراكز صنع القرار واللوبيات المؤثرة، وتوسيع التعاون الدفاعي والاقتصادي بما يزيد كلفة أي تراجع أمريكي، وتحسين صورتها لدى الرأي العام الأمريكي، خصوصاً بين الشباب والأقليات.
الخاتمة
النتيجة الرقمية للتصويت ليست هي الحدث الأهم؛ بل اتساع قاعدة المعترضين داخل الحزب الديمقراطي. الدعم الأمريكي لإسرائيل لا يزال قوياً على المستوى المؤسسي، لكن الإجماع التاريخي حوله يتعرض لاختبار متزايد. والتحولات الديموجرافية والفكرية داخل المجتمع الأمريكي قد تجعل النقاش حول المساعدات أكثر حضوراً في السنوات المقبلة.
إسرائيل تواجه تحدياً طويل الأمد يتمثل في الحفاظ على تأييد الحزبين، وليس مجرد كسب معركة تصويت واحدة. والفلسطينيون والدول العربية يملكون فرصة لتوسيع الحضور السياسي والإعلامي والقانوني، لكن تحويل هذا المناخ إلى نتائج عملية يتطلب استراتيجية مؤسسية طويلة النفس، وليس الاعتماد على التحولات الأمريكية وحدها.
لا يمثل هذا التصويت انقلاباً في السياسة الأمريكية، فالمشروع سقط بفارق كبير وما تزال المساعدات لإسرائيل تحظى بدعم واسع في الكونجرس والإدارات الأمريكية. إلا أنه يكشف عن تحول تدريجي في بنية النقاش السياسي الأمريكي؛ فبعد أن كان الدعم لإسرائيل يُعد من المسلمات، أصبح يخضع لمراجعة وانتقاد داخل شريحة متنامية من الحزب الديمقراطي والرأي العام، خاصة بين الأجيال الأصغر سناً.
ومن منظور استراتيجي، فإن التحولات الكبرى في السياسات الأمريكية غالباً ما تبدأ بتغيرات بطيئة في الرأي العام والنخب السياسية قبل أن تنعكس على التشريعات والقرارات التنفيذية. لذلك، قد يُنظر إلى هذا التصويت بوصفه إشارة مبكرة إلى اتجاهات مستقبلية، لا بوصفه نقطة تحول حاسمة بحد ذاته. وسيعتمد مدى تأثيره في السنوات المقبلة على تطورات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ونتائج الانتخابات الأمريكية، واستمرار أو تراجع التحولات داخل الحزب الديمقراطي والمجتمع الأمريكي.

 

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version