أ/ محمود سامح همام
تشهد الصومال خلال الفترة الراهنة تطورات متسارعة تعكس حالة من الحراك السياسي والأمني المكثف، كان أبرزها استمرار العمليات العسكرية ضد حركة الشباب، بالتوازي مع الجهود الحكومية لإعادة ترتيب المشهد الداخلي وتعزيز مؤسسات الدولة، فضلًا عن تنامي التحركات الدبلوماسية الإقليمية والدولية المرتبطة بأمن القرن الأفريقي. كما يبرز في هذا السياق استمرار تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين مصر والصومال، بما في ذلك التعاون الأمني والعسكري الداعم لجهود مقديشو في مكافحة الإرهاب وبناء قدرات الدولة. وفي ظل هذا الزخم السياسي والأمني والإقليمي المتشابك، تبرز مجموعة من التساؤلات الجوهرية حول ما يجري في الصومال، وطبيعة التحديات التي تواجه الدولة، وانعكاسات التطورات الحالية على مستقبل الاستقرار في البلاد والقرن الأفريقي ككل.
أولًا: تأثير الحرب الأمريكية-الإسرائيلية الإيرانية على الوضع الإنساني في الصومال
رغم أن الصومال ليست طرفًا مباشرًا في الحرب الأمريكية–الإسرائيلية الإيرانية، فإن تداعيات الصراع امتدت بصورة واضحة إلى الداخل الصومالي، بحكم ارتباط البلاد بالممرات البحرية الحيوية في البحر الأحمر وخليج عدن. فالصومال تستورد ما يزيد على 80% من احتياجاتها الغذائية الأساسية من الخارج، كما تمر نسبة كبيرة من وارداتها عبر الممرات البحرية القريبة من باب المندب، ما يجعلها شديدة الحساسية تجاه أي اضطرابات إقليمية. ومع تصاعد التوترات العسكرية في المنطقة، ارتفعت تكاليف الشحن البحري والتأمين على السفن بنسب تراوحت بين 30% و50% في بعض الخطوط التجارية، الأمر الذي انعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية داخل الأسواق الصومالية.
وتأتي هذه التطورات في وقت يواجه فيه الصومال أوضاعًا إنسانية معقدة؛ إذ تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو 6 ملايين صومالي بحاجة إلى مساعدات إنسانية خلال عام 2026م، بينما يعاني أكثر من 4 ملايين شخص من مستويات متفاوتة من انعدام الأمن الغذائي. كما يوجد ما يزيد على 3.8 مليون نازح داخلي نتيجة الصراعات المسلحة والكوارث الطبيعية، وهو ما يجعل أي ارتفاع جديد في أسعار الغذاء أو الوقود يمثل ضغطًا إضافيًا على الفئات الأكثر هشاشة.
كما أدى اضطراب حركة التجارة والملاحة في البحر الأحمر إلى زيادة تكلفة نقل المساعدات الإنسانية وتأخير وصول بعضها إلى المناطق المتضررة، خاصة أن ما يقرب من 90% من تجارة الصومال الخارجية تعتمد على النقل البحري. وفي ظل تراجع التمويل الدولي لبرامج الإغاثة الإنسانية مقارنة بالسنوات الماضية، تزداد المخاوف من تفاقم الأوضاع المعيشية إذا استمرت حالة التصعيد العسكري في الشرق الأوسط لفترة طويلة.
وفي سياق متصل، تؤكد هذه المؤشرات أن تداعيات الحرب الأمريكية-الإسرائيلية الإيرانية لا تقتصر على أطراف الصراع المباشرين، بل تمتد إلى دول القرن الأفريقي وفي مقدمتها الصومال، التي تجد نفسها أمام تحديات إنسانية واقتصادية متزايدة نتيجة ارتباط أمنها الاقتصادي باستقرار الممرات البحرية.
ثانيًا: الوضع السياسي الداخلي في مقديشو بين الاستقطاب السياسي ومتطلبات الاستقرار
يشهد المشهد السياسي في العاصمة مقديشو حالة من التوتر المتصاعد على خلفية الخلافات المتعلقة بالتعديلات الدستورية ومستقبل العملية الانتخابية، حيث اندلعت خلال الأيام الأولى من يونيو 2026م مواجهات مسلحة بين قوات حكومية ومجموعات مرتبطة ببعض قوى المعارضة، في أخطر اضطرابات سياسية تشهدها العاصمة منذ عدة سنوات. ورغم إعلان الحكومة استعادة الهدوء وعودة الأوضاع إلى طبيعتها، فإن الأحداث الأخيرة كشفت حجم التباينات السياسية القائمة بين الأطراف المختلفة بشأن إدارة المرحلة الانتقالية المقبلة.
وتتركز الخلافات الحالية حول التعديلات الدستورية التي أُقرت خلال الأشهر الماضية، والتي ترى الحكومة أنها جزء من عملية الإصلاح السياسي واستكمال بناء مؤسسات الدولة، بينما تعتبرها بعض قوى المعارضة خطوة تحتاج إلى توافق سياسي أوسع. وقد انعكس هذا الجدل على المشهد السياسي في العاصمة من خلال احتجاجات وتحركات سياسية متبادلة خلال الأسابيع الأخيرة.
وتكشف الأرقام حجم التأثير الذي خلفته الأزمة الأخيرة؛ إذ تشير تقديرات اقتصادية أولية إلى أن الاضطرابات التي شهدتها مقديشو تسببت في خسائر مباشرة للأنشطة التجارية والخدمية تقدر بنحو 3.8 مليون دولار خلال أيام قليلة فقط، كما دفعت الاشتباكات الأخيرة نحو 12,500 شخص إلى النزوح المؤقت من مناطق التوتر داخل العاصمة، وهو ما يعكس حجم التأثير الاقتصادي والاجتماعي لأي اضطراب سياسي في مركز الدولة الصومالية.
وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن المشهد لا يقتصر على التوترات السياسية فقط، فالصومال حققت خلال الفترة الماضية بعض الخطوات السياسية المهمة، من بينها مشاركة أكثر من 900 ألف ناخب مسجل في الانتخابات المحلية التي جرت في مقديشو، وهي من أبرز محاولات توسيع المشاركة السياسية وتعزيز بناء المؤسسات خلال العقود الأخيرة. كما أن استمرار عمل مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية رغم الخلافات الحالية يعكس وجود قدر من التماسك المؤسسي مقارنة بالمراحل السابقة التي شهدت انهيارات أوسع للدولة.
وعلى صعيد آخر، فإن التحدي الأساسي لا يكمن في وجود خلافات سياسية بين القوى الصومالية، فذلك يعد أمرًا طبيعيًا في المراحل الانتقالية، وإنما في كيفية إدارة هذه الخلافات داخل الأطر الدستورية والمؤسسية بما يحافظ على وحدة الدولة ويمنع استغلالها من قبل التنظيمات الإرهابية وعلى رأسها حركة الشباب. كما أن الحفاظ على الاستقرار السياسي في مقديشو يظل ضرورة أساسية لاستمرار جهود مكافحة الإرهاب وتعزيز التعاون الإقليمي، وهو ما يفسر أهمية الدعم المصري المتواصل لمؤسسات الدولة الصومالية ووحدة أراضيها وسيادتها الوطنية.
ثالثًا: مؤشرات اقتصادية إيجابية واستعادة متزايدة للثقة الدولية
رغم التحديات الأمنية والسياسية التي تواجهها الصومال، فإن البلاد تشهد خلال عام 2026م عددًا من المؤشرات الإيجابية التي تعكس تقدمًا تدريجيًا في مسار بناء الدولة واستعادة الثقة الدولية. فوفقًا لتقديرات المؤسسات المالية الدولية، من المتوقع أن يحقق الاقتصاد الصومالي معدل نمو يتراوح بين 2.6% و2.8% خلال عام 2026م، رغم الضغوط الناتجة عن تراجع المساعدات الدولية والتقلبات الاقتصادية العالمية.
ويبرز من بين المؤشرات المهمة استمرار برامج الإصلاح المالي والاقتصادي التي تنفذها الحكومة الصومالية، حيث أشاد صندوق النقد الدولي بالتقدم المحقق في إصلاح الإدارة المالية وتطوير منظومة الإيرادات المحلية، مؤكدًا أن الأداء المالي للحكومة خلال الفترة الأخيرة ظل قويًا مقارنة بظروف الدولة وتحدياتها الأمنية.
كما نجحت الصومال في السنوات الأخيرة في تحقيق اختراقات كبيرة في ملف الديون الخارجية؛ فبعد حصولها على إعفاءات واسعة من الديون الدولية، وقعت اتفاقات جديدة لإعادة هيكلة ديونها، ما عزز ثقة المؤسسات المالية الدولية في الاقتصاد الصومالي. وتجاوز حجم الإعفاءات والتسهيلات المرتبطة بملف الديون 4.5 مليار دولار، كما وقعت مقديشو اتفاقًا لإعادة هيكلة ديون بقيمة 306.5 مليون دولار مع صندوق النقد العربي، في خطوة تعكس تحسن مكانة البلاد المالية دوليًا.
واستمرارا لتنامي القطاع المصرفي؛ ارتفعت أصول البنوك التجارية في الصومال بنحو 32% خلال عام 2024م لتصل إلى ما يقرب من 1.9 مليار دولار، مع بقاء نسبة القروض المتعثرة عند مستويات منخفضة نسبيًا بلغت 3.4% فقط، ما يعكس تحسنًا تدريجيًا في البيئة الاقتصادية والمالية.
وفي هذا السياق، تؤكد هذه المؤشرات أن الصومال لا تمثل فقط ساحة للتحديات والأزمات، بل دولة تمتلك فرصًا حقيقية للنمو والاستقرار إذا ما استمرت جهود الإصلاح ودعم المؤسسات الوطنية. كما أن نجاح مقديشو في تعزيز الاقتصاد واستعادة ثقة المؤسسات الدولية ينعكس إيجابًا على استقرار القرن الأفريقي، وهو ما يتوافق مع الرؤية المصرية الداعمة لوحدة الدولة الصومالية وتعزيز قدرتها الوطنية.
ختامًا، تكشف التطورات الراهنة في الصومال عن مشهد مركب يجمع بين التحديات والفرص في آن واحد. فبينما تلقي التوترات الإقليمية وتداعيات الحرب الأمريكية-الإسرائيلية الإيرانية بظلالها على الأوضاع الإنسانية والاقتصادية، وتستمر الخلافات السياسية الداخلية في فرض ضغوطها على المشهد الوطني، تبرز في المقابل مؤشرات إيجابية تعكس قدرة الدولة الصومالية على مواصلة مسار إعادة البناء واستعادة الثقة الدولية. ومن ثم، فإن مستقبل الصومال سيظل مرهونًا بقدرة مؤسسات الدولة والقوى السياسية على إدارة التحديات الراهنة وتحويلها إلى فرص لتعزيز الاستقرار والتنمية. وفي هذا السياق، تكتسب الشراكات الإقليمية الداعمة، وفي مقدمتها الشراكة المصرية-الصومالية، أهمية متزايدة باعتبارها أحد العوامل المساندة لجهود تثبيت الدولة الوطنية وتعزيز الأمن والاستقرار في القرن الأفريقي، ما يجعل الصومال اليوم أمام مرحلة مفصلية قد تحدد ملامح موقعه ودوره الإقليمي خلال السنوات المقبلة.
أحدث المنشورات
- السيناريوهات المحتملة لنتائج الانتخابات الإسرائيلية المقبلة وانعكاساتها على المشهد السياسي الإسرائيلي
- ديناميات الجماعات المسلحة في أفريقيا (1) حركة الشباب والحوثيون في ضوء رهانات النفوذ الإقليمي والدور المصري لحماية أمن القرن الافريقي
- تحولات انتشار فيروس الإيبولا في إفريقيا وانعكاساته على الأمن الصحي والاستقرار الإقليمي
- الانتخابات الإثيوبية: ديمقراطية مزيفة تحت وطأة الاستقطاب قراءة في السرديات الإعلامية الإثيوبية
- الصومال بين ضغوط الإقليم وفرص التعافي: قراءة في المشهد السياسي والإنساني الراهن في مقديشو
- الضبعة في المنظور الإسرائيلي: بين النفوذ الروسي والقدرة النووية الكامنة وإعادة تشكيل موازين القوة الإقليمية
- صحافة دولية: انتخابات إثيوبيا وتحديات الشرعية والأزمة الإنسانية السودانية
- المجمع الصناعي-التكنولوجي-الاستخباراتي إعادة تعريف الاستقلالية الاستراتيجية قراءة في المشهد الإعلامي ومنصات التواصل الاجتماعي
الجمعة, 12 يونيو
