د.خلود عبدالحفيظ يعقوب
باحثة بوحدة الدراسات الإيرانية
تعيش إيران واحدة من أكثر مراحلها حساسية في ظل الحرب المستمرة والقصف الخارجي المتواصل، بالتزامن مع ضغوط أمنية وسياسية ونفسية تضغط على مؤسسات الدولة والمجتمع معًا، وفي هذا التوقيت تم نشر تسجيلات صوتية قديمة يوم الجمعة 24 يوليو من أجهزة الاتصال اللاسلكي لقوات الباسيج تعود لاحتجاجات يناير 2026م، تتحدث هذه التسجيلات عن استخدام الباسيج للمساجد لتخزين الأسلحة وقنابل الغاز المسيل للدموع واستخدام سيارات الإسعاف في ملاحقة واعتقال المحتجين، وقد لاقت هذه التسجيلات رواج كبير على وسائل التواصل الاجتماعي وتفاعل معها المستخدمون بشكل كبير منتقدين محتواها بشدة، وهنا يظهر سؤال مهم لماذا تعود تسجيلات من يناير إلى التداول بقوة الآن؟ ولماذا تجد جمهورًا مستعدًا للتفاعل معها وتحويلها إلى مادة للاعتراض على أداء الدولة؟
تسجيلات قديمة تكشف عن غضب المجتمع:
التسجيلات المتداولة تعود إلى احتجاجات يناير 2026م، ومع ذلك فإن إعادة انتشارها الآن تكشف عن وجود حالة غضب بالفعل من الحكومة أظهرته هذه التسجيلات، فالمجتمع الآن يعيش حربًا مفتوحة ويشعر بتهديد خارجي ويتابع في الوقت نفسه أخبار الاختراقات الأمنية واستهداف مواقع وشخصيات حساسة وتضارب في الروايات الرسمية حول ما جرى ويجري، ولذلك فإن المواطن يطرح نقاشًا جديدًا حول كفاءة الدولة وقدرتها على إدارة الأزمات.
إن المجتمع الإيراني لا ينقسم ببساطة إلى مؤيدين للحكومة ومعارضين لها إذ يمكن لشخص أن يرفض القصف الخارجي ويدافع عن بلاده لكنه في الوقت نفسه ينتقد طريقة إدارة الحكومة للملف الأمني أو أسلوب تعامل الأجهزة مع الاحتجاجات، ولذلك فإن انتشار التسجيلات قد يعكس اتساع مساحة المواقف الرمادية داخل المجتمع حيث لا يعني رفض التدخل الخارجي تلقائيًا إلى قبول كل سياسات الدولة الداخلية، وهذه المساحة تحديدًا هي التي تجعل التفاعل مع التسجيلات أكثر أهمية من مجرد عدد المشاهدات أو المشاركات.
ومن ثم فإن هذه التسجيلات لم تخلق غضبًا جديدًا بل أظهرت غضبًا أو قلقًا قائمًا بالفعل، فكلما كان المجتمع أكثر ثقة في مؤسساته تراجعت قدرة تسجيلات قديمة على إحداث موجة واسعة من التفاعل، لذلك فإن انتشار هذه التسجيلات يشير إلى قابلية داخلية متزايدة للتفاعل مع الأخبار التي تكشف خللًا في أداء الدولة وهي إشارة لا تعني انهيار الثقة بالكامل في النظام لكنها تعني أن الحالة النفسية والسياسية للمجتمع ليست في أفضل حالاتها.
التصدعات داخل مؤسسات الدولة:
تزامن انتشار التسجيلات مع ظهور خلافات علنية بين مؤسسات الدولة، فقد اتهم المجلس الأعلى الإعلام في بيان له نُشر يوم 24 يوليو هيئة الإذاعة والتلفزيون بحذف أجزاء من تصريحات رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان ورئيس السلطة القضائية كما انتقد عدم بث مقابلات وزير الخارجية مع وسائل الإعلام الأجنبية خلال الحرب، وعندما يشعر المواطن أن مؤسسات الدولة نفسها تختلف حول ما ينبغي أن يسمعه الجمهور فإن ذلك يضيف عنصرًا جديدًا إلى حالة عدم الثقة القائمة أصلًا.
وفي الوقت نفسه تحدث عباس عراقجي في حواره الذي تم نشره يوم 19 يوليو على الموقع الرسمي لوزارة الخارجية الإيرانية عن وجود ثغرات أمنية مكنت من استهداف مواقع وشخصيات حساسة، لكن الجدل الذي أثارته تصريحاته والانتقادات التي وجهت إليه أظهرا أن الخلاف لا يتعلق فقط بوجود الثغرة الأمنية بل أيضًا بطريقة الاعتراف بها وإدارتها سياسيًا وإعلاميًا.
وهنا يكتسب التفاعل مع التسجيلات القديمة دلالة أكبر، فالمواطن الإيراني لا يتعامل معها باعتبارها واقعة منفصلة عن الحرب بل يضعها ضمن سلسلة من المؤشرات التي تتحدث عن ارتباك أمني ومؤسسي وقد يكون هذا الربط موضوعيًا أو مبالغًا فيه لكن تأثيره السياسي لا يعتمد فقط على دقته إذ إن تكرار الأخبار التي تكشف خلافات أو ثغرات قد يؤثر في الحالة النفسية العامة، خصوصًا في ظل القصف المستمر وفي الحروب لا تقاس أزمة الثقة فقط بما إذا كانت الدولة قادرة على الانتصار عسكريًا بل أيضًا بقدرتها على إقناع مواطنيها بأن مؤسساتها تعرف ما تفعله.
الالتفاف الشعبي حول الدولة لا يلغي القلق الداخلي:
إن أي تحليل يتحدث عن انهيار الالتفاف الداخلي سيكون مبالغًا فيه، حيث تقدم جنازة المرشد دليلًا مهمًا على استمرار قدرة النظام على الحشد الشعبي، فالحرب الخارجية تدفع قطاعات واسعة إلى الوقوف خلف الدولة حتى المعارضين، لكن هذا الالتفاف يثبت وجود قاعدة للدولة في لحظة الخطر ولا يثبت بالضرورة اختفاء الخلافات أو القلق من أداء مؤسساتها.
وهنا يجب التمييز بين مستويين الموقف من العدو خارجيًا والموقف من الحكومة داخليًا، فالإيراني الذي يرفض القصف الأمريكي قد لا يكون راضيًا عن أداء الحكومة، والإيراني الذي يشارك في جنازة المرشد قد يظل معترضًا على طريقة إدارة الاحتجاجات أو على الفساد أو على القرارات السياسية. وبذلك فإن الحرب قد تؤدي إلى نتيجة مزدوجة تعزيز الالتفاف حول الدولة في مواجهة الخارج، وفي الوقت نفسه زيادة حساسية المجتمع تجاه الأخطاء الداخلية، لأن المواطن الذي يشعر بأنه مهدد خارجيًا يصبح أكثر اهتمامًا بالسؤال عن قدرة الدولة على حمايته.
وفي نفس حوار عراقجي تداول عدد كبير من المستخدمين مقاطع من حواره وانتقدوا استخدامه المتكرر لمصطلح “الجمهورية الإسلامية” بدلًا من “إيران” فقالوا أنه لم يستخدم لفظ إيران طوال حديثه واستخدم مرارًا وتكرارًا لفظ الجمهورية الإسلامية، و رأى المعارضون في ذلك تعبيرًا عن تقديم الهوية الأيديولوجية على الهوية الوطنية، وبغض النظر عن صحة هذا التفسير بالنسبة إلى نية عراقجي فإن انتشار النقاش نفسه يكشف أن جزءًا من الصراع السياسي الإيراني يدور حول سؤال أعمق هل الدفاع عن إيران يعني بالضرورة الدفاع عن النظام السياسي القائم؟
خاتمة
لا تكشف التسجيلات المتداولة عن انهيار وشيك في الداخل الإيراني، كما لا يمكن اعتبارها وحدها دليلًا على تحول واسع في المزاج الشعبي ضد الحكومة لكن اختزالها في كونها تسجيلات قديمة سيكون خطأً تحليليًا؛ فإن التفاعل الكبير مع تسجيلات تعود إلى يناير 2026م يكشف أن المجتمع الإيراني يعيش حالة من الحساسية العالية تجاه كل ما يتعلق بأداء الدولة وأجهزتها الأمنية. وقد ساهمت الحرب المستمرة والضربات الخارجية والأخبار المتعلقة بالاختراقات والخلافات العلنية بين المؤسسات في جعل هذه الحساسية أكثر وضوحًا. لذلك فإن التسجيلات لم تصنع بالضرورة حالة الغضب لكنها كشفت عن وجود بيئة اجتماعية أصبحت أكثر استعدادًا للتفاعل مع أخبار تكشف التخبط أو الارتباك أو الانقسام داخل الدولة.
وفي المقابل فإن استمرار الالتفاف الشعبي حول الدولة والذي ظهر بوضوح في جنازة المرشد وفي رفض العدوان الخارجي يثبت أن إيران لا تواجه أزمة داخلية أحادية الاتجاه، فالمجتمع يمكن أن يلتف حول الدولة عندما تتعرض البلاد للقصف وأن يرفض التدخل الخارجي لكنه في الوقت نفسه يحتفظ بأسئلة وانتقادات تجاه الحكومة وأجهزتها، فالجبهة الداخلية الإيرانية ليست منهارة لكنها ليست مستقرة نفسيًا وسياسيًا.
أحدث المنشورات
- التصويت الأمريكي على وقف المساعدات لإسرائيل: الدلالات والآثار والاستشراف
- مستقبل العراق بين واشنطن وطهران.. قراءة إسرائيلية لزيارة الزيدي
- لماذا لم يسقط النظام الإيراني برغم الضربات الأمريكية الموجعة؟!
- الحرب وأزمة الثقة في إيران.. لماذا عادت تسجيلات يناير إلى التداول؟
- إفريقيا في مرآة الأمن القومي المصري (قراءة أسبوعية)
- الإمبراطورية الحالمة لآبي أحمد: بين مطرقة النقد الغربي وسياق الهشاشة الداخلية
- تفاعلات الشأن الداخلي ومحددات السياسة الخارجية لإثيوبيا
- ما بعد نتنياهو: الـ”بيبيزم” إرث الصهيونية التنقيحية
السبت, 25 يوليو
