لم تكن الموازنة الإسرائيلية مجرد أرقام فحسب، بل هي عبارة عن توجهات سياسية، وهي تُعتبر موازنة ما بعد الحرب، يناقش الكنيسيت الإسرائيلي هذه الأيام مشروع موازنة عام 2026م، والتي أقر فيها أنها سوف تكون بقيمة 214 مليار دولار (662 مليار شيقل) وتم التصويت بموافقة 62 عضو مقابل 55 عضو، وإحالته للجنة المالية للقراءة الثانية والثالثة قبل مارس 2026م ولكن هناك الكثير من المشكلات ظهرت عند مناقشتها، ومنها:
– خطط ما بعد الحرب: هناك توجه سياسي استيطاني، يتمثل في أفكار أحزاب الصهيونية الدينية، التي تتمثل في إعادة تأهيل الجيش، ودفع تعويضات طويلة الأجل للجنود والمصابين، وإعادة إعمار المستوطنات المتضررة، والتجهيزات الأمنية تحسبًا لأي حرب مع جبهات جديدة.
– الانقسام الداخلي: تشهد إسرائيل الآن انقساما داخليا، عبر عنه الصراع بين العلمانيين والمتدينين، والاحتجاجات السياسية الداخلية ضد الحكومة، وتوجهاتها تجاه الولايات المتحدة، وأزمة قطاع غزة، هذا غير صعوبات الحياة المعيشية للفرد. كل هذا أدى إلى ضغوط قوية على موازنة 2026م، حيث تُقدّر فجوة التمويل بنحو 12.1 مليار دولار (أي 40 مليار شيكل) مما يهدد بفرض مزيد من الضرائب، وخفض الخدمات، وزيادة العجز.
– الضغوط الاجتماعية: يعاني المجتمع من ضغوط كبيرة بسبب ارتفاع تكلفة المعيشة وتراجع الإنفاق على الصحة والتعليم، واتساع الفجوة في التنمية بين بعض الأماكن السكنية، ورفع الضرائب، ما أثار غضب الكثير من المجتمع الإسرائيلي.
– امتناع الأحزاب الدينية عن التصويت: احتجاجًا على تعثر قانون منع تجنيد حريديم من ناحية، ومن ناحية أخرى المطالبة بزيادة مخصصات المعاهد الدينية، ودعم المستوطنات. وهنا يتضح أن الموازنة تُدار كأداة بقاء سياسي لا كأداة إدارة اقتصادية.
– مشاكل الشركات التكنولوجية: قطاع التكنولوجيا هو الركيزة الأساسية في الموازنة الإسرائيلية، وقد جاءت مشاكل القطاع بسبب الخروج الجزئي لبعض الشركات، وانخفاض نسبة الاستثمارات، وتراجع أرباح الشركات الناشئة.
– خطط الضفة الغربية: هناك ما يقرب من 175 مليون دولار سوف تنفق على الضفة الغربية، وذلك لزيادة نسبة الاستيطان فيها.
النتائج وفق المؤشرات الاقتصادية السابقة:
تقدم المؤشرات الاقتصادية السنوية على أنها محدد للموازنة الجديدة
أ-حجم الدين: يزداد حجم الدين منذ عام 2023م وفق بيانات البنك المركزي، الأمر الذي يترتب عليه سيناريوهات عدة:
| حجم الدين-العام | النسبة |
| 2023 | 61.3 % |
| 2024 | 69.0 % |
| 2025 | 68.6 % |
تظهر الديون التي تراكمت بين أعوام 2023م–2025م كمؤشر، إما زيادتها أو أن تظل على النسبة نفسها أو ما يقرب منها عام 2026م وهو ما سوف يؤثر على الموازنة.
ب-التصنيف الإئتماني: خفضت وكالة فيتش في عام 2024م تصنيف إسرائيل من “A+ ” إلى “A” مع نظرة مستقبلية سلبية، بينما غيرت وكالة “موديز” النظرة المستقبلية للتصنيف الائتماني من سلبية إلى مستقرة في يناير 2026م، لكنها لم تغير مستوى التصنيف نفسه، فلا يزال عندBaa1. من المعروف أن التصنيف الإئتماني يؤثر على نسبة الاقتراض، وهذا يعني أن إسرائيل يمكنها اقتراض المال بتكلفة أقل نسبيًّا من الأسواق الدولية؛ لأن المستثمرين قد يرون مخاطرة في السندات، وهذا ما جعل وزارة المالية الإسرائيلية تُعلن أنها على استعداد لطرح سندات دولية في 2026م كجزء من استراتيجيتها لتمويل العجز وتقليل الضغط.
ختامًا:
تبدو الموازنة الإسرائيلية عام 2026م محاطة بالعديد من المشاكل على كافة المستويات: ضرورات أمنية، وتوجهات استيطانية، وتحديات مالية، وأن استمرار ارتفاع الإنفاق العسكري، وتزايد أعباء الدين، وتباطؤ النمو الاقتصادي النسبي، عوامل قادرة على الضغط على الحكومة الإسرائيلية. من هنا يمكن القول أن اعتماد موازنة 2026م سيظل مرهونًا بقدرة الحكومة على إدارة هذه المخاطر.
أي أن فشل اعتماد الميزانية غير مرتبط فقط بمسألة فنية في الكنيسيت، بل هو صدام سياسي-اقتصادي مركب يشمل صراعات داخل الائتلاف الحاكم، وربط الميزانية بقضايا خلافية أخرى، فضلا عن الضغوط القانونية لانتهاء المهلة، وتحديات في التخطيط المالي، وأعباء اقتصادية كبيرة.
