ا د/ مروة إبراهيم
ملخص
تتناول هذه الورقة ما تشهده إثيوبيا حاليًا، وفقًا لما أبرزته التقارير الإعلامية والصحفية الإثيوبية المحلية -خلال شهر سبتمبر- من مفارقة هيكلية بالغة التعقيد، تتمثل في التزامن المحتدم بين تصاعد الصراعات الداخلية على جبهات متعددة وطفرة لافتة في توطين الصناعات العسكرية المتقدمة، وتحديداً إنتاج الطائرات بدون طيار. فبينما تقاتل الحكومة الفيدرالية لاحتواء تمردات مسلحة ومواجهات إقليمية دامية في أقاليم مختلفة نحو: تيجراي وأمهرة وأوروميا، تتجه في الوقت ذاته نحو تأمين أدوات حاسمة للردع، والتحرر من قيود الضغوط الدبلوماسية، وتحقيق الاكتفاء الذاتي والتفوق الجوي عبر افتتاح منشآت محلية كبرى.
مما يستنتج من خلاله تحول تكنولوجيا المسيرات من مجرد أداة قتالية طارئة إلى ركيزة استراتيجية تعتمد عليها أديس أبابا في إدارة نزاعاتها، لتتحول العمليات الجوية إلى حرب استنزاف داخلية لا تلوح في أفقها بوادر تسويات سياسية سلمية. وهذا يعمّق الجدل الحقوقي والدولي حول تداعيات هذه العمليات على المدنيين، ويضع الدولة الإثيوبية أمام معادلة حرجة تتجاذب فيها متطلبات الحسم الأمني وفرص الاستقرار المستدام. وعلى الصعيد الخارجي، يترابط هذا المشهد الداخلي مع تحولات إقليمية تشهدها منطقة القرن الأفريقي التي تقف على حافة الهاوية؛ إذ يتزامن ذلك مع تمدد حركة الشباب في الصومال على وقع انسحاب المظلة والدعم الدوليين، إلى جانب تفاقم التوترات العسكرية بين السودان وإثيوبيا، مما ينذر بمخاطر متصاعدة قد تفضي إلى اندلاع حرب إقليمية واسعة النطاق.
على المستوى الداخلي
أمنيا
التوسع الإثيوبي في تصنيع الطائرات بدون طيار: بين طموحات الردع وتحديات الصراعات الداخلية
ذكرت صحيفة “أديس استاندرد” في مقال بتاريخ 9-9 اعتماد إثيوبيا بشكل متزايد على التصنيع المحلي للطائرات بدون طيار لتلبية احتياجاتها العسكرية، مستفيدة من تجربتها السابقة في حرب تيجراي (2020-2022م) بالاعتماد على المسيرات التركية. وأشار المقال إلى افتتاح رئيس الوزراء مصنع “سكاي وين للصناعات الجوية” في أديس أبابا لتصنيع طائرات مدنية وعسكرية، وقال أبي أحمد: “إن الهدف لم يكن تأجيج الصراع بل منعه من خلال الردع”. وأشار المقال في ثناياه إلى أن هناك مصانع أخرى أُقيمت بمساعدة خبرات خارجية لتلبية الاحتياجات العسكرية المتزايدة. وفي المقابل تظل تفاصيل القدرة الإنتاجية للبلاد وأصل التقنيات والمكونات الأساسية غير واضحة. وذكرت وكالة فرانس برس أن وسائل الإعلام الأجنبية لم تُمنح إمكانية الوصول إلى منشأة “سكاي وين” . ويقدر المحللون امتلاك إثيوبيا لأسطول يضم الآلاف منها، مع توجيه الجيش الفيدرالي –وهو القوة الوحيدة التي تشغل مسيرات مسلحة– لاستخدامها في العمليات ضد الجماعات المسلحة في إقليمي أمهرة وأوروميا. وفي المقابل شكك خبراء مثل بيتر ويزيمان من معهد “سيبري” في حجم القدرات الفعلية، مرجحين استيراد نسبة كبيرة من التكنولوجيا والمكونات من الخارج، في وقت تظل فيه منشآت الإنتاج محجوبة عن وسائل الإعلام الأجنبية وسط استمرار التحديات الأمنية والنزاعات الإقليمية.
اختبار الحوكمة والعدالة الاقتصادية: هل تفكك حملة الفساد شبكات الإفلات من العقاب في إثيوبيا؟
أشارت الصحف والمواقع الإعلامية إلى ما قامت به الحكومة الإثيوبية من حملة واسعة ضد الفساد والجرائم الاقتصادية، يمثل اختباراً حقيقياً وخطوة مصيرية لمدى قدرة الدولة على تفكيك شبكات الانتفاع غير المشروع، وإصلاح الاختلالات الهيكلية العميقة التي تُثقل كاهل الاقتصاد الوطني. وعقبت صحيفة “أديس استاندرد” في مقال بتاريخ 16-9 أن إثيوبيا تمر بمرحلة جديدة ولا سيما بعد انتخابات يونيو 2026م، وذلك بتصعيد أجهزة إنفاذ القانون لعملياتها عبر القطاعات الحيوية—من إغلاق آلاف الشركات والمستودعات المتورطة في المعاملات غير المشروعة وأسواق العملات المشفرة، إلى ملاحقة شبكات تهريب الذهب والوقود، التي تكشف أرقام ضخمة من التلاعب المالي المنهجي بما يؤدي بشكل مباشر إلى تفاقم أزمات نقص العملات الأجنبية وتضخم الأسعار، وخلق شح مصطنع في السلع الأساسية.
ويوصي المقال بأنه ينبغي ألا تتعامل الحكومة مع هذه المبادرة بوصفها مجرد تحرك أمني أو إجرائي عابر؛ بل بإعتبارها محك حقيقي لفصل السلطة العامة أخيراً عن الإثراء الشخصي. وفي المناطق النائية والأطراف، لا يُقاس أثر الفساد بالسخط الشعبي فحسب، بل يُلمس يومياً من خلال الغياب التام للخدمات الفعالة؛ حيث تظل آبار المياه جافة أو تتوقف عن العمل رغم الميزانيات الضخمة المخصصة لها، مما يترك الملايين يفتقرون إلى أبسط مقومات الحياة ويفاقم أزمات النزوح وتدهور الصحة والتعليم. لذا، فإن نجاح هذه الحملة لا يُقاس حصراً بحجم الإجراءات العقابية أو العقارات المغلقة في المركز، بل بمدى انعكاسها الفعلي والمستدام على جودة الحياة في الأطراف، من خلال إرساء معايير المناقصات التنافسية، وتتبع أداء المقاولين، وربط الإصلاحات بآليات رقمية شفافة تكفل وصول التنمية إلى كل مواطن وتكسر نهائياً ثقافة الإفلات من العقاب.
دوامة العنف في إثيوبيا: من أزمات تيجراي إلى دموية عرقية الجوراجي
إلى جانب الأزمات المتراكمة والتوترات المستمرة في أنحاء متفرقة من إثيوبيا ولا سيما إقليم غرب تيجراي، الذي يشهد حاليًا تصعيدًا ميدانيًا وسياسيًا يهدد استقرار وسلامة إقليم القرن الأفريقي بأسره، سلطت الصحف الضوء على كوارث وأزمات أمنية أخرى تشهدها مناطق متفرقة من إثيوبيا. ويأتي في مقدمة ذلك الهجوم الدامي في مديرية “أبيشيجي” بإقليم “الجوراجي”، والذي أبرزته صحيفة “أديس استاندرد” في مقال بتاريخ 16-9 ليستدل على مدى حجم هشاشة الوضع الأمني وتصاعد العنف ضد المدنيين في المناطق غير المركزية، وقد ذكرت الصحيفة استهداف مسلحين لدار عزاء ، مما أسفر عن مقتل 16 مدنياً واختطاف نساء وأطفال. وهو ما وصفته الصحيفة بأسوء أنواع العنف والقسوة وغياب الوازع الإنساني، ويعكس هذا الهجوم ويؤكد أن التحدي الأمني الأكبر الذي تواجه إثيوبيا، يمتد ليشمل عجز الأجهزة المحلية عن توفير الحماية الأساسية للمواطنين في الأطراف، مما يكرس شعوراً عاماً بانعدام الأمان وفقدان الثقة في منظومة إنفاذ القانون على امتداد الخريطة الإثيوبية.
تفاقم التوترات العسكرية بين السودان وإثيوبيا وسط مخاوف من حرب إقليمية واسعة
سلطت صحيفة “أديس استاندارد“ الضوء –في مقال بتاريخ(17-9)-على تفاقم التوترات السياسية والميدانية بين السودان وإثيوبيا، مشيرة إلى الاتهامات المستمرة التي يوجهها المسؤولون العسكريون السودانيون لأديس أبابا بدعم قوات الدعم السريع وتسهيل عملياتها العسكرية عبر الحدود — لا سيما في محاور إقليم بني شنقول-قُموز ومنطقة الكورمك والفشقة الاستراتيجية — وهو ما تقابله الحكومة الإثيوبية ودولة الإمارات بالنفي القاطع. كما تطرقت الصحيفة إلى ما كشفت عنه التقارير الحقوقية والدولية التحقيقية، بما في ذلك تحقيقات “رويترز” وصور الأقمار الصناعية الصادرة عن مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ( ييل (Yale HRL) التي رصدت تطورات في قاعدة “أسوسا” العسكرية، حول وجود أدلة وقرائن ترجح تقديم أشكال من الدعم اللوجستي وتخزين الطائرات المسيرة للميليشيات. وتأتي هذه التطورات بالتوازي مع تحذيرات أممية بشأن تورط مقاتلين أجانب وإثيوبيين في النزاع، مما يهدد بتحويل الأزمة السودانية إلى مواجهة إقليمية أوسع تضغط على الحدود السودانية، في وقت توازن فيه الخرطوم عبر تصريحات قياداتها بين رفضها الحازم لخوض حرب واسعة وتمسكها بأن سلامة أراضيها خط أحمر، وسط مساعٍ دبلوماسية إقليمية لاحتواء الأزمة. وقد أدلت الصحيفة بتأكيد نائب رئيس مجلس السيادة السوداني، الفريق أول مالك عقار، في مؤتمر صحفي: “أن السودان لا يريد خوض حرب مع إثيوبيا، على الرغم مما وصفه بـ “الموقف العدائي المتزايد من أديس أبابا”. وعلقت الصحيفة أن هذه التصريحات تأتي في خضم اشتداد القتال في جميع أنحاء السودان، بما في ذلك ولايات النيل الأزرق ودارفور وكردفان، مع استمرار الصراع بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع شبه العسكرية. بالإضافة إلى أن إقليم النيل الأزرق، ولا سيما المناطق المحيطة بكورمك قرب الحدود الإثيوبية، تشهد تجدداً للقتال مع اتساع رقعة الصراع في جميع أنحاء السودان. كما تضاف هذه الاتهامات الأخيرة إلى مزاعم سابقة أطلقها مسؤولون سودانيون تربط عمليات الطائرات المسيرة المزعومة لقوات الدعم السريع بالأراضي الإثيوبية.
تمدد حركة الشباب في الصومال في ظل تراجع الدعم الدولي وأزمات حفظ السلام الجيوسياسية
أوضحت صحيفة “أديس استاندرد” في مقال تحليلي منشور بتاريخ 16-9 وفقًا لتقارير “فورين بوليسي” ومعهد “سيبري” خطورة تمدد نفوذ حركة الشباب في الصومال بقوة أكبر وموارد مالية هائلة تُقدر بـ 100 إلى 150 مليون دولار سنوياً من فرض الضرائب والسيطرة الريفية، متجاوزة بذلك نكساتها السابقة ومقتربة بمسافة 45 كيلومتراً من مقديشو. وهو ما اعتبرته الصحيفة مفارقة أمنية صارخة تتمثل في عجز المجتمع الدولي، رغم مرور عقدين وضخ ما يقدر بنحو 3.6 مليار دولار عن القضاء على الحركة، ونجاح قوات الاتحاد الأفريقي في طرد حركة الشباب من المراكز الحضرية الرئيسة من مقديشو، لكن الحركة لا تزال تسيطر على مساحات واسعة أو تؤثر فيها في جنوب وسط الصومال الريفي، وذكر المقال أن هذا التعثر الاستراتيجي يعود جزئياً إلى استغلال الحركة للتدخلات الأجنبية السابقة لتصوير نفسها كحركة مقاومة، بالتزامن مع أزمة تمويل عالمية وانسحاب وشيك للدعم الأمريكي والدولي بحلول نهاية ديسمبر، مما ينهي التمويل لبعثة الاتحاد الأفريقي الحالية (AUSSOM) ويترك الأمن الصومالي أمام فراغ محتمل واختبار بالغ الصعوبة لقدرات قواته المحلية. وفي ظل هذا الانسحاب ونقص التمويل الذي هدد جهود حفظ السلام في إفريقيا جنوب الصحراء، تتشابك التعقيدات الإقليمية للقرن الأفريقي؛ إذ انطلقت بعثة (AUSSOM) –التي تضم كتيبة مصرية ودعمًا عسكريًا إثيوبياً وفق اتفاقية التهدئة والتعاون لعام 2025– وسط توترات دبلوماسية سابقة بين إثيوبيا والصومال إثر مذكرة التفاهم مع أرض الصومال، ليرسم المشهد خريطة معقدة تتنازع فيها التجاذبات الجيوسياسية وفراغ الدعم الدولي لصالح تنامي نفوذ حركة الشباب.
ختامًا: أبرزت هذه الورقة المشهد الإثيوبي والإقليمي الذي تتأرجح فيه أديس أبابا بين طموحات الحسم العسكري الداخلي عبر توطين صناعة المسيرات وإدارة صراعاتها الممتدة، وبين واقع إقليمي هش يقف على حافة الهاوية. فبينما تعكس استراتيجية الاعتماد على التفوق الجوي رغبة في التحرر من القيود الخارجية وفرض الردع، فإنها تعمق في المقابل أزمات الاستنزاف الداخلي وتثير مخاوف حقوقية ودولية متزايدة بشأن المدنيين وغياب التسويات السياسية السلمية. وعلى النطاق الأوسع، يتقاطع هذا المسار الداخلي مع تراجع المظلة الدولية في الصومال، وتمدد حركة الشباب، فضلاً عن التوترات الحدودية، لتشكل جميعها حلقة مفرغة من الأزمات المتشابكة؛ وهو ما ينذر بخطر اتساع رقعة الصراع، ويضع الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي بأسرها أمام اختبار وجودي حاسم يتطلب إعادة تقييم شاملة لمعادلات الأمن والتسوية.

