كيومرث اشتريان ترجمة. يحيى المغربي
لا يمكن مقارنة المجتمع الإيراني الكبير بأي مجتمع آخر، ولا يقبل أكثره الليبرالية الكاملة، ولا يُعد فضاء منغلقا جدًا مثل كوريا الشمالية أو الصين، وعلى أية حال، يحتاج هذا المجتمع المتعلم لمقتضيات خاصة دائمًا ما تنبع السلطة السياسية من صميمها، بمعنى أن تهيئ آلية ذاتية تغذي السلطة السياسية أولًا بأول.
وعلى هذا النحو، ستصاب السياسة وممارستها بظاهرة “الانقراض الاجتماعي”، إذ يشير تاريخ إيران منذ العصر المغولي حتى الوقت الحالي إلى أنه في حالة انقطاع السلطة السياسية عن جسد المجتمع فإن ذلك يهيئ المجال للانقراض الاجتماعي للحكومة، ويظل كل منهما في نقطة عمياء بلا معنى بالنسبة للآخر.
وهكذا تغرق السلطة السياسية في موضوعات واضطرابات كثيرة وكبيرة حينما تفقد ارتباطها واتصالها بجسد المجتمع، فينفصل عنها هؤلاء الذين يحملون أهدافا وغايات سامية بأشكال مختلفة، وتجنح سفينة أهدافهم في بحر من الرأسمالية الريعية، وهو نوع من الممارسة الاقتصادية يطلق عليها مصطلح “اقتصاد الرانت”، أي الاقتصاد الذي يعتمد على المحسوبية والعلاقات غير المشروعة، ويهتم بتحقيق مكاسب من دون جودة المنتج، خاصة في مجالات مثل المحاجر، وخزانات النفط، وحدائق الأوقاف. ويتحول ميناء السياسة إلى رصيف بلا هوية. كما تتسبب القطيعة بين المجتمع والسياسية في أن تعجز السلطة السياسية عن إدراك متطلباتها الدائمة.
وفي الواقع يمثل المجتمع السياسي المنبع الأصلي والطبيعي لظهور السلطة، وأحيانًا يُصاب هذا المنبع بالانسلاخ ويفقد المجتمع رأس المال السياسي الدائم من الأحزاب البارزة، ويصبح بمثابة “سمسار سياسي بلا هوية” ومنبعًا للسلطة. وفي نتيجة أخرى لن يكون هناك ما يعرف بـ”المجتمع السياسي”؛ لأن المجتمع عبارة عن مؤسسات اجتماعية تهيئ ممارسة سياسية هادفة، وعند غياب هذه المؤسسات يتجلى الانقراض الاجتماعي للسلطة السياسية، ويسلك المجتمع طريقًا متخبطًا في شكل جماعي، حتى تفقد هويته السياسية.
من ناحية أخرى، وتواكبًا مع هذا الانقراض الاجتماعي، تحول الأزمات المختلفة للحكومة مؤسسات الولاء التقليدية إلى تركيبات مدنية، وتحولها إلى داعم للسلطة السياسية، وبالتالي تفقد هذه المؤسسات المهارات الاقتصادية والتقنية والصناعية، وتخرج المؤسسات الحكومية من مفهومها ووظيفتها الأساسية بحيث تكون مؤسسة وساطة وتسهيل وإدارة للسلطة. وتتجه للبحث عن الريع أو الأرباح والمحسوبية وإنتاج ثروات غير مجدية.
عليه تتأسس تدريجيًا مؤسسات ريعية فرعية تخدمها، لكي تستفيد من “شرعيتها المخلصة”. بهذا الشكل، وبطريقة متناقضة، تتحول “مؤسسات الريع” إلى محرك “لانقلاب اقتصادي خفي” ضد الأهداف الأساسية، وتقع تلك الأحداث داخل المجتمع والأحزاب السياسية أيضًا، وعلى هذا تنشأ مشاكل الأعمال السياسية والإدارية وما شابهها داخل هيكل الحكم، وتفّرغ المؤسسات الحكومية من وظائفها التقنية، ويُبتلى النظام السياسي في صميمه، ويقع العصيان “داخل المؤسسة” من قبل الأحزاب المختلفة من أجل السيطرة عليها، ومن ثم تكون هناك أحزاب مغمورة غير معروفة في الدوائر الإدارية والسياسية والعسكرية والأمنية أو الاقتصادية، تثير الضغائن، حتى تسيطر على المؤسسات الحكومية وتنجح في ذلك.
وفي حالة كتلك تنشأ معادلة مفادها أنه كلما تحظى المؤسسات بقابلية التخفي والتكتم وفقدان الرقابة العامة أكثر، تتمتع بقابلية أعلى من أجل الهيمنة عليها، وفي هذه الأثناء، على الرغم من أن السلطة التنفيذية تمتلك قدرة أقل على القمع المؤسسي، بسبب طبيعتها البيروقراطية والمدنية، لكن هذا لا يجعلها عرضة للاختطاف، ولا يدعي رؤساؤها قائلين: “نحن عقل الحكم، وليس عينه، ولا يديه أو أذنه”.
وتُشاهد هذه الظاهرة في الديمقراطيات الحديثة مثل إنجلترا وأمريكا أيضًا، ويتفوق خبراء ومديرو الأجهزة السيادية أو الحكومية تكنولوجيًا وأمنيًا على الشخصيات السياسية، ويستبعدونهم، وتسيطر السلطة الحكومية والأمنية على السلطة السياسية، كما تتخذ القوات الأمنية في الدول الديمقراطية قرارات رئيسة، بفضل ما تتمتع به من نفوذ واسع، وخاصة في السياسية الخارجية وتسيطر بشكل كامل على البلاد الصغيرة والغنية.
في السياسة الداخلية للأنظمة الديمقراطية كلما يزداد معدل الحريات السياسية، يمكن السيطرة على نفوذ الأمن، إن معرفة نظام صنع القرار في البلاد الديمقراطية الغربية (وبالطبع الأنظمة السياسية الأخرى) من دون معرفة ماهية وطبيعة “قوة المؤسسة الأمنية”، و”مكائد الخبراء” في صناعة قرارات متغطرسة، تُعد معرفة سطحية.
كل ما تم ذكره هو ما يشغل الأنظمة السياسية بنفسها، حتى تصاب بالانقراض الاجتماعي للسلطة السياسية، أي تفقد السلطة السياسية معناها الاجتماعي تدريجيًا، بحيث يُعد هذا أسوء من فقدان (القاعدة الاجتماعية).
فـ(المعنى الاجتماعي) هنا عبارة عن مفهوم يتجاوز (القاعدة الاجتماعية)، وإذا عجزت السلطة السياسية عن أن توفّر لنفسها، بصورة منهجية وتدريجية، موردا من القوى الاجتماعية، فإنها من جهة تُصاب بـ(الانقراض الاجتماعي للسلطة)، ومن جهة أخرى تقع فريسة لانقلابات داخلية من جانب مؤسساتها نفسها تلك التي وقعت تحت سيطرة القوى الريعية.
ــــــــــــــــــــ
مقالة مترجمة من صحيفة همميهن الإيرانية الإصلاحية بعنوان “روایت کیومرث اشتریان از انقراض اجتماعی قدرت سیاسی” (رواية كيومرث اشتريان عن الانقراض الاجتماعي للسلطة السياسية)”.
كيومرث اشتريان أكاديمي ومفكر سياسي إيراني معاصر، من الأسماء المعروفة في حقل العلوم السياسية والفكر السياسي في إيران، ويعمل أستاذا للعلوم السياسية في جامعة طهران.

