ا/ محمد السيد

باحث متخصص في الشأن الإسرائيلي

تكشف التطورات الحالية في لبنان حالة من الارتجال والتعثر في النهج الإسرائيلي. فبينما تمكّن الجيش الإسرائيلي من تحقيق إنجازات تكتيكية ملموسة على الميدان تتمثل في تدمير قدرات صاروخية مُعتبرة لدى حزب الله واستهداف قياداته، تظل هذه النجاحات عالقة في الجانب العملياتي، دون تحويلها إلى مكاسب استراتيجية طويلة الأمد.

هذا التباعد بين الأداء الميداني والرؤية السياسية يعكس خللًا واضحًا في نمط التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي، الذي يعوّل على الحسم العسكري كحل ناجز، أكثر من توظيفه كأداة ضمن مسار سياسي أوسع. ونتيجة لذلك، باتت تقف إسرائيل اليوم أمام واقع أكثر تعقيدًا يتمظهر في قدرة حزب الله، رُغم الضربات، على الاحتفاظ بأدوات ردع فعّالة، وبمرونة تنظيمية تسمح له بامتصاص الخسائر وإعادة ترتيب صفوفه من جديد.

ومع تصاعد ديناميات الصراع في المنطقة، انتقلت الساحة اللبنانية من موقع ثانوي إلى نقطة ارتكاز وعُقدة حاسمة في صياغة معادلة التسوية الأوسع، لا سيما في سياق التفاهمات الأمريكية-الإيرانية الجارية. غَير أن هذه التفاهمات لا تزال تعاني من قصور حاد يتمثل في غياب أطراف فاعلة ميدانيًا، وعلى رأسها إسرائيل وحزب الله، عن إطارها التفاوضي، مما يفرغها من قدرتها على معالجة الأسئلة الجوهرية المرتبطة بمستقبل الانتشار العسكري للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، وإمكانية نزع سلاح حزب الله.

وفي هذا الإطار، تتباين تحركات الأطراف الفاعلة في منطلقاتها، بما ينعكس في مسارات متعددة تسير بصورة متوازية. فعلى صعيد إيران، تسعى إلى توظيف التصعيد في لبنان ورقة ضغط مباشرة في مفاوضاتها مع واشنطن. أما إسرائيل، فتتمسك بفصل المسارات التفاوضية، تفاديًا لأي التزام بانسحاب شامل من جنوب لبنان. وفي المقابل، تضطلع الولايات المتحدة بدور مزدوج يجمع بين الكبح والوساطة؛ إذ تمارس ضغطًا لكبح التحركات العسكرية الإسرائيلية، وفي الوقت نفسه تطرح مقاربة بديلة، كالتي طُرحت مؤخرًا بشأن دور سوريا المحتمل في إضعاف حزب الله.

أما لبنان، فيواجه وضعًا يحدّ من قدرته على إنتاج قرار سياسي مستقل، في ظل تنامي تأثير التوازنات الإقليمية على مسار قراراته الداخلية.

ومع استمرار هذا المشهد الإشكالي، بالتوازي مع النشاط العسكري القائم، يمكن تلمّس ملامح نهج إسرائيلي آخذ في التشكل حيال إدارة الملف اللبناني سياسيًا، والذي يُرجّح أن يقوم على 3 محاور مترابطة ومتوازية:

-أولًا: السعي إلى تحقيق توازن دقيق بين هامش حرية العمل العسكري الذي تتيحه الولايات المتحدة، وبين استيعاب توجّه الرئيس ترامب نحو التوصل إلى اتفاق وتجنب العودة إلى العمل العسكري.

-ثانيًا: دعم المسارات الرامية إلى تقليص نفوذ حزب الله من الداخل، ولا سيما في ظل بروز مؤشرات على انقسامات داخل البيئة الشيعية، وتنامي خطاب يدعو إلى بناء بدائل اجتماعية واقتصادية قادرة على تقديم نموذج منافس للبنية التي رسخها الحزب، سواء على مستوى الخدمات أو المؤسسات المحلية.

-ثالثًا: استثمار مظاهر التأييد الشعبي في لبنان للدفع باتجاه مسار تفاوضي مباشر مع الدولة اللبنانية، بما يتيح التقدم نحو تفاهمات رسمية مع إسرائيل، وخصوصًا في ظل الدور المحوري الذي تضطلع به الرئاسة والحكومة اللبنانية في إدارة هذا المسار.

في المحصلة، سواء أعادت إسرائيل صياغة استراتيجيتها تجاه لبنان أم لا، تبقى هناك حقيقة ثابتة وهي أن التفوق العسكري، مهما بلغ مستواه، لا يكفي وحده لإنتاج تسويات سياسية مستقرة. ومما لا شك فيه أن هذه المُعضلة ستزداد تعقيدًا في ظل التحفظات الإسرائيلية على موقف الرئيس الأمريكي، الذي بات يُنظر إليه مؤخرًا على أنه حليف مُتقلب المواقف إزاء الملف الإيراني وتشعباته النووية، إضافة إلى ما يُلاحظ من ميله المتزايد إلى اتخاذ مواقف مرنة أو مفاجئة أحيانًا قد لا تتطابق بالضرورة مع الحسابات الإسرائيلية.

 

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version