أ.د مروة إبراهيم

باحثة بوحدة الدراسات الأفريقية

 

منطقة جبال الكدلو: الامتداد الطبيعي والتاريخي مع بني شنقول

تقع جبال الكدلو في الطرف الجنوبي الشرقي لولاية النيل الأزرق بالسودان، وتشكّل الحزام الجبلي المحاذي مباشرة لحدود إقليم بني شنقول الإثيوبي (المقام عليه السد الإثيوبي). وتمتد جغرافيّاً في النطاق الشرقي للولاية على طول الحدود المتاخمة لإقليم بني شنقول، وتشكل جزءاً من الحزام الاستراتيجي الممتد جنوباً وشرقاً نحو مدن ومحليات الإقليم مثل الكرمك وقيسان. ويفصل بين منطقة جبال الكدلو وإقليم بني شنقول خط حدودي رُسم بناءً على الاتفاقية المبرمة عام 1902م بين الإمبراطور الإثيوبي مينليك الثاني وبريطانيا (ممثلة للسودان)، وهي المعاهدة التاريخية التي نتج عنها اقتطاع أراضي بني شنقول لصالح إثيوبيا ورسم الحدود الحالية بين البلدين.

تاريخياً، كانت أراضي بني شنقول وجبال الكدلو وحدة واحدة وجزءاً لا يتجزأ من سلطنة الفونج الإسلامية (سلطنة سنار). وما يكرس هذا الترابط هو التداخل القبلي العميق؛ فسكان الكدلو ينتمون في أصولهم إلى مجموعات الفونج، والبرتا، والقماز، وهي ذات المكونات الإثنية التي يتشكل منها سكان إقليم بني شنقول-قماز. هذا التماثل خلق شبكة واسعة من روابط الدم والقربى والمصاهرة عابرة الحدود، وجعل من المنطقتين امتداداً جغرافياً وبشرياً لا تقيده الحدود المصطنعة.

الأهمية الاقتصادية والبيئية لمنطقة الكدلو

لا تقتصر أهمية الكدلو ومحيطها على الأبعاد العسكرية والجغرافية فحسب، بل تمتد لتشمل بيئة غنيةً بالثروات الطبيعية والاقتصادية الهائلة؛ فهي منطقة تمتاز بغابات استوائية ومدارية كثيفة وموارد خشبية وبيئية واسعة في جنوب شرقي السودان، فضلاً عن كونها جزءاً من الامتداد الجيولوجي الغني بالمعادن. وتتكامل هذه الأهمية مع الشبه الجيولوجي لخصائص الشريط الحدودي المتاخم (الممتد نحو تخوم بني شنقول وفازوغلي التاريخية والمشهورة بإنتاج الذهب والمعادن النفيسة)، مما يجعل السيطرة على هذه المعاقل الجبلية الحاكمة مكسباً استراتيجياً واقتصادياً مزدوجاً؛ فهي تمثل من جهة درعاً عسكرياً، ومن جهة أخرى مورداً حيوياً لتمويل النفوذ والعمليات عبر استغلال الغطاء البيئي والمقدرات المعدنية المتنازع عليها.

الكدلو مسرح للنزاعات الميدانية وحرب الجبال

تجسد الارتباط العسكري والميداني بين جبال الكدلو ومحاورها المجاورة بصورة كبيرة في تطورات الصراع؛ حيث تشهد منطقة الكدلو والمناطق المجاورة لها معارك مستمرة وعمليات عسكرية مكثفة، ولا تقتصر هذه العمليات على الكدلو وحدها، بل تمتد عبر شبكة معقدة من المرتفعات والمحاور الاستراتيجية في محافظة الكرمك ومحيطها مثل جبل كدم ومناطق قيسان، والتي تشهد أعمال كر وفر مستمرة. وفي هذا السياق، تسعى القوات المسلحة السودانية لتثبيت سيادتها وإحكام قبضتها على طول هذا الحزام الجبلي ذي الطبيعة التضاريسية الوعرة (والتي تتميز بالكهوف والممرات المعقدة التي تشبه جبال النوبة، مما يتطلب قوات مشاة مدربة على حرب الجبال لإحباط محاولات السيطرة على خطوط الإمداد)، في حين تحاول المجموعات المسلحة اتخاذ هذه التضاريس منقذاً وممراً للفرار أو المناورة باتجاه الحدود وإقليم بني شنقول.

العمق الاستراتيجي والتهديد المباشر للدمازين

تكتسب منطقة جبال الكدلو أهمية استراتيجية وجيوسياسية كبيرة من كونها أنها تمثل حلقة الوصل في محاولات الضغط الميداني للوصول إلى مدينة الدمازين عاصمة النيل الأزرق ومقر الفرقة الرابعة مشاة. ولهذا السبب، يكتسي التحرك العسكري للجيش في تحصين وتأمين هذا الحزام الجبلي طابعاً استباقياً لقطع الطريق أمام أي اختراق عسكري يهدد استقرار الإقليم الإداري والعسكري بأكمله، حيث تُستغل طبيعة جبال الكدلو الحاكمة كقاعدة إسناد مدفعي وتأمين لخطوط الإمداد المتجهة من عاصمة الإقليم (الدمازين) نحو الجبهات المتقدمة.

شريان متصل: طبيعة الارتباط بين الكدلو ومحليات النيل الأزرق وتداعياتها

إن فهم طبيعة الصراع في جبال الكدلو يتطلب إدراك أنها لا تمثل نقطة منعزلة، بل هي العقدة الجغرافية والتضاريسية الأبرز ضمن نسيج مترابط يضم محليات الكرمك وقيسان وباو. فجغرافياً، تشكل هذه المحليات الحزام الشرقي والجنوبي للولاية الذي تحتضن مرتفعاته وسهوله امتداداً بشرياً وقبلياً واحداً لمكونات الفونج والبرتا والقماز. هذا التشابك العميق يعني أن أي تصعيد أو تحرك عسكري يطرق “جبال الكدلو” ينعكس فوراً كصدمة ميدانية وأمنية على كامل الشريط الحدودي الممتد في الكرمك وقيسان، وهو ما يفسر بدوره التداعيات الإنسانية الواسعة وموجات النزوح الجماعي المروعة التي طالت عشرات الآلاف من سكان هذه المجتمعات المترابطة عند كل هبّة عسكرية؛ حيث دفعت المواجهات المستمرة والهجمات المباغتة الكثير من الأسر للاحتماء بالعراء ومناطق التجمع غير الرسمية في ظل نقص حاد في الغذاء والدواء، لتتضاعف مأساة إقليم أنهكته أصلاً تبعات النزاعات الطويلة.

البُعد الأمني والعسكري: ممرات اللجوء وموقف أديس أبابا

بسبب موقع الكدلو وإشرافها المباشر على الحدود المتاخمة لإثيوبيا، تحولت المنطقة مراراً إلى بؤرة صراع وممر استراتيجي للعمليات واللجوء المتبادل؛ حيث تُعتبر واحدة من نقاط التماس والمحاور المهمة التي ترتكز فيها القوات المسلحة لتأمين وإغلاق الشريط الحدودي الجنوبي والشرقي الممتد نحو التخوم المشتركة.

وعلى النقيض من ذلك، فعند اندلاع الاضطرابات، كانت الجبال تشكل ملجأً للجماعات للاحتماء بطبيعتها والتداخل مع سكانها. واليوم، يتضاعف هذا البُعد الأمني مع سعي تحالف الدعم السريع والحركة الشعبية التابعة لعبد العزيز الحلو للسيطرة عليها للضغط على الجيش السوداني، مما يهدد بتحويل الشريط الحدودي إلى ساحة حرب مفتوحة.

وفي هذا السياق، تقف الحكومة الإثيوبية في موقف يجمع بين القلق الحقيقي والبراغماتية الاستراتيجية المصلحية؛ فهي من جهة تخشى أن تؤدي هذه المواجهات المتاخمة لحدودها – وتحديداً قرب إقليم بني شنقول الحساس استراتيجياً لوجود السد – إلى تدفقات مسلحة غير محسوبة أو استغلال الفراغ الأمني من قبل جماعات مناوئة لها. ومن جهة أخرى، توظف هذه التجاذبات بحذر لخدمة مصالحها عبر هندسة توازن هش يضمن إشغال الأطراف السودانية ببعضها، دون السماح بانفجار شامل قد يرتد عصفاً على استقرار حدودها الغربية، لتجنب أي امتداد جغرافي للأزمة السودانية داخل أراضيها، مع السعي للحفاظ على قنوات اتصال متوازنة مع الأطراف الإقليمية.

ختاماً

إن ما يدور اليوم في جبال الكدلو ومحيطها لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الأوسع للحرب السودانية؛ فهو يتجاوز كونها معركة عسكرية تقليدية للسيطرة على تضاريس وعرة، ليلامس أبعاداً وجودية وتاريخية متشابكة. فإذا كان إقليم بني شنقول يمثل في الوجدان التاريخي “الأرض السودانية المستقطعة” عبر ترسيمات 1902م الاستعمارية، فإن جبال الكدلو تقف اليوم كحائط صد استراتيجي وخط دفاع جغرافي وبشري أخير على حافة هذا الإقليم الحساس. وتتأكد هذه الأهمية بازدواجية المكتسبات العسكرية والاقتصادية؛ إذ لا تنفصل طبيعة المعركة عن كون الكدلو مستودعاً طبيعياً ومورداً حيوياً من الغابات والمعادن التي تسعى الأطراف لتوظيفها في تمويل صراعها، بالتوازي مع تعامل إثيوبي يتأرجح بحذر بين مخاوف حماية أمن السد على حدودها الغربية وبين البراغماتية في هندسة توازن هش يضمن إشغال الأطراف السودانية. وسط هذه المعادلة المعقدة، يظل المدنيون من مجتمعات الفونج والبرتا والقماز عابري الحدود الضحية الأبرز لموجات النزوح المروعة الناتجة عن اصطدام خطوط النار، لتظل الكدلو في النهاية مرآة كاشفة تعكس أزمة المشهد السوداني بأسره، وتنذر بأن أي تغيير في معادلة السيطرة عليها سيشكل تصدعاً استراتيجياً تتجاوز ارتداداته حدود النيل الأزرق لتصوغ مستقبل الاستقرار في الإقليم برمته.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version