ولاء عبدالمرضي
باحثة بوحدة الدراسات الإسرائيلية
تحدث نتنياهو أمام الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في 24 سبتمبر 2026، وعندما اعتلى المنصة قام عشرات المندوبين من دول مختلفة بمغادرة القاعة، فما كان عليه إلا أنه وصفهم بـ”جبناء أخلاقيين” فهو لم يقل أولًا “السيد الرئيس” بل كانت بداية كلامه ردًا على من غادروا القاعة، على الرغم أنه لم يعلّق رئيس الجلسة على الانسحاب، لأنه يُعدّ شكلاً مشروعاً من أشكال الاحتجاج الدبلوماسي ما دام صامتاً ولم يُخلّ بالنظام في القاعة.
إن الانسحاب الجماعي يعبر عن الإدانة لسياسات حكومته في غزة لا مجرد موقف دبلوماسي إجرائي، وما فعله هو محاولة قلب اتجاه الاتهام إلى إتهام أخلاقي؛ وكأنه يريد أن يقول أن إسرائيل الطرف الذي يمتلك الشجاعة الأخلاقية في مواجهة عالم جبان، وقد وصفت وكالة رويترز الحدث بأنه جاء وسط انتقادات دولية متزايدة وفي سياق حملة انتخابية إسرائيلية قبل انتخابات 27 أكتوبر. لذلك فالخطاب كان موجهًا في الوقت نفسه إلى قاعة الأمم المتحدة وإلى جمهور إسرائيلي داخلي يشاهد رئيس الوزراء وهو يتحدى منتقديه من على المنصة الدولية.
أولًا: إيران
“قبل أربعة عشر عامًا رسمت خطًا أحمر” تشير العبارة إلى خطابه أمام الجمعية العامة في سبتمبر 2012، حين رفع رسما كرتونيا لقنبلة، قُسِّمت إلى مراحل تمثّل مستويات تخصيب اليورانيوم الإيراني، ثم رسم بقلم أحمر خطا على الرسم، معلنا أن “الخط الأحمر” الذي يجب ألا يُسمح لإيران بتجاوزه هو إتمام المرحلة الثانية من التخصيب، وقد تحول ذلك المشهد وقتها إلى مادة للسخرية والتعليق الواسع، لكنه رسّخ في الوقت نفسه صورة نتنياهو بوصفه صاحب “الإنذار المبكر” من البرنامج النووي الإيراني.
ويستكمل الحديث عن إيران ويحاول أن يقدم الحرب على إيران بأنها تنفيذًا لتعهد قطعه أمام العالم منذ سنوات، فيتحوّل “الخط الأحمر” هدف تحقق بالفعل، ويحاول تحويل كلامه من مجرد تحذير في السابق إلى تنفيذ في الوقت الحالي وكل هذا ما هو إلا حديث موجه للداخل الإسرائيلي وتحديدًا للناخب الإسرائيلي، ولبعض الدول الأوروبية التي تدعم الكيان، وهنا يصور بنيامين نتنياهو الكيان كأنه الشاهد والقاضي في نفس الوقت مثل ما يقوم به الحاخامات تبريرًا لقتل النبي موسى للمصري فقد جاء في كتاب “شريعة الملك ” :” משה רבנו ראה את המצרי מכה את ישראל, ועל פי זה הרגו . הנה משה הוא העד והוא הדיין.”([1]) – ” رأى موسى المصري يضرب اليهودي؛ لذا قتله، فكان هو الشاهد والقاضي “. نجد هنا قصدًا مباشرًا من خلال حادثة موسى بأنه يمكن لليهوديّ أن يكون شاهدًا وقاضيًا في الوقت نفسه، ولكن الأمر سياسيًّا يتعلق بالولايات المتحدة، فهي من تريد أن تكون المسيطر في الشرق الأوسط وإسرائيل بما انها توصف سياسيًّا أنها القاعدة العسكرية للولايات المتحدة فإنها نفذت الحرب بالتعاون مع الولايات المتحدة.
“تعهدتُ بمنع دكتاتورية إيران من تطوير قنابل ذرية، وأسلحة نووية تهدف إلى تدمير إسرائيل، وأسلحة نووية قادرة على تهديد العالم بأسره” يُصنّف المحللون السياسيون والمؤسسات الدولية مثل منظمة فريدم هاوس نظام الحكم في إيران كـنظام سلطوي ثيوقراطي (ديني)، في حين تُعرّفه الحكومة الإيرانية رسمياً بأنه ديمقراطية إسلامية تعتمد على دمج الانتخابات بالشريعة، ولكن عندما وصفه نتنياهو بالديكتاتورية فهنا يقصد في الملف النووي وإصرار إيران عليه.
“كان تدمير المنشآت النووية الإيرانية أمرًا صعبًا للغاية. لكن بالنسبة لي، كان من أسهل القرارات” من المهم معرفة أن المنشآت الإيرانية تعرضت بالفعل لضربات شديدة، لكن الوكالة الدولية للطاقة الذرية ظلت في 2026 تقول إنها غير قادرة على التحقق بصورة كاملة من وضع عدد من المنشآت والمواد النووية بسبب فقدان الوصول والرقابة. وفي سبتمبر 2026 أُحيل ملف إيران مجددًا إلى مجلس الأمن بسبب مشكلات الضمانات والتفتيش. ولذلك فإن تقديم المسألة باعتبارها انتهت بصورة قاطعة هو صياغة سياسية أقوى من درجة اليقين التي تسمح بها المعلومات الدولية المتاحة.
والجملة الأشد أهمية “لو لم نفعل ذلك لكنا جميعًا في عداد الموتى” هذه ليست معلومة يمكن إثباتها تاريخيًا، بل افتراض مضاد للواقع، ويبرر القرار العسكري الإسرائيلي – الأمريكي بالضرب، فإذا كانت النتيجة البديلة هي موت الجميع، يصبح القرار تلقائيًا ضرورة وجودية لا سياسة قابلة للنقاش، وهنا يعطى لنفسه مبررًا لما فعله في إيران، ويحاول استعطاف نظرة العالم له، وهذا يذكرني بما جاء في كتاب “الكُتاب” (סופרים) حيث:” يُقتل الأفضلية من غير اليهود في حالة الحرب”([2])، وهو ما حدث بالفعل في إيران من قتل السياسيين والقادة والعلماء وهناك سبب آخر وهو أن قتل العلماء تحديدًا هو زعزعة للمشروع النووي كاملًا فهؤلاء يمثلون تهديدًا لهم.
“لا توجد بدائل؛ يوجد البقاء أو الفناء” وهنا تعني هذه الجملة شعار قوي في العقيدة الإسرائيلية وهو “لا خيار” (אין ברירה)، وقد صاغ مناحيم بيجن هذا الشعار في خطابه الشهير عام 1982 عن “حروب الاختيار وحروب اللااختيار”[3] وهنا تُقدم إسرائيل الحروب التي تخوضها أنها اضطرار وجودي لا اختيار. وهنا تأكيد على إلغاء النقاش السياسي، وتحوِيل الصراع إلى معركة على الوجود. وهو توظيف غير مباشر لما ورد في سفر التثنية ( 30 : 19 ) “قَدْ جَعَلْتُ قُدَّامَكَ الْحَيَاةَ وَالْمَوْتَ. الْبَرَكَةَ وَاللَّعْنَةَ. فَاخْتَرِ الْحَيَاةَ لِكَيْ تَحْيَا أَنْتَ وَنَسْلُكَ”.
ثانيًّأ: حرب 1967:
فجأة ينتقل من الحديث عن إيران عام 2025 إلى عام 1967 وربط بين التاريخين بفكرة التهديد الوجودي، واستخدم كلمة “الإبادة” وهو توظيف سياسي فدائمًا تتحدث إسرائيل أنها في موقف الدفاع عن نفسها، وأن باق الشعوب تريد إبادتها، وهو بذلك يكشف عن ركيزة أساسية في خطابه السياسي، محاولة توجيه الرأي العام بعيدًا عما تقوم به إسرائيل في فلسطين، ومحاولة تقديم إسرائيل باعتبارها ضحية مُعرضة لخطر وجودي. على الرغم من أن العهد القديم نفسه يثبت أن اليهود هم من أبادوا شعوبًا فقد ورد في (سفر التثنية 20: 16-17) ” وَأَمَّا مُدُنُ هؤُلاَءِ الشُّعُوبِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَصِيباً فَلاَ تُسْتَبْقِ مِنْهَا نَسَمَةً مَّا، بَلْ تُحَرِّمُهَا تَحْرِيماً: الْحِثِّيِّينَ وَالأَمُورِيِّينَ وَالْكَنْعَانِيِّينَ وَالْفِرِزِّيِّينَ وَالْحِوِّيِّينَ وَالْيَبُوسِيِّينَ، كَمَا أَمَرَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ”، وكذلك ورد في (سفر يشوع 8: 24-26 ) “وَكَانَ لَمَّا انْتَهَى إِسْرَائِيلُ مِنْ قَتْلِ كُلِّ سُكَّانِ عَايٍ فِي الْحَقْلِ فِي الْبَرِّيَّةِ… أَنَّ جَمِيعَ سَاقِطِي ذلِكَ الْيَوْمِ مِنْ رِجَال وَنِسَاءٍ كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفاً، جَمِيعُ أَهْلِ عَايٍ. وَيَشُوعُ لَمْ يَرُدَّ يَدَهُ الَّتِي مَدَّهَا بِالْمِزْرَاقِ حَتَّى حَرَّمَ جَمِيعَ سُكَّانِ عَايٍ”، وما ورد في ( سفر صموئيل الأول 15: 3 ) “فَالآنَ اذْهَبْ وَاضْرِبْ عَمَالِيقَ، وَحَرِّمُوا كُلَّ مَا لَهُ وَلاَ تَعْفُ عَنْهُمْ، بَلِ اقْتُلْ رَجُلاً وَامْرَأَةً، طِفْلاً وَرَضِيعاً، بَقَراً وَغَنَماً، جَمَلاً وَحِمَاراً” وهنا حتى الأطفال الرضع لم تسلم ولا الحيوانات وهذا ما تقوم به إسرائيل في فلسطين بالفعل.
ثم يقول “لم نكن حينها في يهودا والسامرة، قلب الوطن التاريخي للشعب اليهودي” وقد اختيار “يهودا والسامرة” بدلاً من «الضفة الغربية» لأن هذه هي التسمية التوراتية للأرض فقد ذكر العهد القديم أن «يهودا» سبط ومملكة، و«السامرة» عاصمة مملكة إسرائيل الشمالية لما ورد (سفر الملوك الأول 16: 24)” وَاشْتَرَى جَبَلَ السَّامِرَةِ مِنْ شَامِرَ بِوَزْنَتَيْنِ مِنَ الْفِضَّةِ، وَبَنَى عَلَى الْجَبَلِ. وَدَعَا اسْمَ الْمَدِينَةِ الَّتِي بَنَاهَا بِاسْمِ شَامِرَ صَاحِبِ الْجَبَلِ “السَّامِرَةَ”. وكلمة “قلب” نظرًا لمكانة الضفة الغربية في الفكر الصهيوني الديني.
واستكمل قائلًا ” يجب أن تعلم أن اليهود كانوا على مرتفعات الجولان منذ أيام موسى. يمكنك أن تقرأ ذلك في الكتاب المقدس” وعندما تم الرجوع إلى الكتاب المقدس نفسه وجدت أنه قد ورد اسم “جولان” كمدينةَ ملجأ[4] فقد ورد (التثنية 4: 43) “بَاصِرَ فِي الْبَرِّيَّةِ فِي أَرْضِ السَّهْلِ لِلرَّأُوبِينِيِّينَ، وَرَامُوتَ فِي جِلْعَادَ لِلْجَادِيِّينَ، وَجُولَانَ فِي بَاشَانَ لِلْمَنَسِّيِّينَ” وفي (يشوع 20: 8) ” وَفِي عَبْرِ أُرْدُنِّ أَرِيحَا نَحْوَ الشَّرْقِ جَعَلُوا بَاصِرَ فِي الْبَرِّيَّةِ عَلَى السَّهْلِ مِنْ سِبْطِ رَأُوبِينَ، وَرَامُوتَ فِي جِلْعَادَ مِنْ سِبْطِ جَادٍ، وَجُولَانَ فِي باشَانَ مِنْ سِبْطِ مَنَسَّى” وهنا منطقة “جولان” المقصودة وهو اسم مدينة شهيرة للملجأ وليست الجولان المعرفة الآم والتي احتلتها إسرائيل عام 1967 [5]، والجدير بالذكر أيضًا أن موسى لم يعبر نهر الأردن أصلاً ولم يدخل أرض كنعان؛ بل مات ودُفن في “جبل نبو” كما ورد في (التثنية 34: 1-5) ” فَمَاتَ هُنَاكَ مُوسَى عَبْدُ الرَّبِّ فِي أَرْضِ مُوآبَ” وهنا يعني أن موسى لم يدخل أرض الجولان ولا يراها.
“كنا في رقعة أرض صغيرة. وما زلنا كذلك ثلث واحد بالمئة من مساحة العالم العربي”
هنا محاولة لتصغير إسرائيل أمام العالم العربي كمساحة ولكن من المهم فهم أن صغر المساحة لا يحسم الصراع الدائم بينهما، فالاعتراف بالدولة الفلسطينية يلغى وجود إسرائيل على الأرض أساسًا، كمان أنه هنا يبعد عن التوسع الاستيطاني والخطط الإسرائيلية التي تقوم بها حكومته الآن.
“ومع ذلك، يتهمون إسرائيل، إسرائيل الصغيرة، بالاستعمار. استعمارٌ ما”
تكرار “إسرائيل” بهذا الشكل هو محاولة استعطاف العالم. و”استعمارٌ ما” هي جملة استنكارية، ولكن ما لا يعلمه أن العالم يفهم جيدًا ومن خلال ما أثبته العهد القديم والتاريخ بأنهم مستعمرين، سواء فيما وصفته فقرات العهد القديم من دخول المدن أو ما يثبته التاريخ الحديث عن كيفية تسلل الهجرات الصهيونية إلى أرض فلسطين.
“من بينهم أناس في بريطانيا وفرنسا… هم من اخترعوا هذا المصطلح… كفى هراءً، كذبة أخرى“ إن اختيار بريطانيا وفرنسا ليس عشوائياً، وذلك لأنهما من أكثر الدول الأوروبية التي تشن نقدًا على إسرائيل واعترافهما بدولة فلسطين.
“إنه ليس صراعًا على الأراضي، بل صراع على وجود دولة يهودية بغض النظر عن الحدود” وهذه الجملة تحديدًا أخطر جملة في الخطاب، وهذا يعني أنه يدرك جيدًا أن الصراع على الأرض هو صراع وجود وهوية ولا معنى لأي تسوية إقليمية، ولا لحل الدولتين بدون أرض، كما أنه يحاول توجيه الأنظار إلى المساحة الصغيرة لإسرائيل بألا يجب النظر إليها، وعندما قال “دولة يهودية” فهو يقر بأن الدولة دينية في حال أن إسرائيل تقدم نفسها للعالم دولة علمانية متحضرة بها ديمقراطية ولكن الحقيقة أنها ديمقراطية انتقائية.
“كانوا يحفرون مقابر جماعية استعداداً لآلاف الضحايا” محاولة لاستعطاف العالم وقد تكون إشارة غير صريحة لأحداث النازية والتي دائمًا تستخدمها إسرائيل لتكسب تعاطف الدول معها.
ثالثًا: الجانب الشخصي في الخطاب:
“كنتُ طالبًا إسرائيليًا في مدرسة ثانوية في فيلادلفيا” ذِكر هذه الجملة لها بعدان الأول أن يصل برسالة إلى الولايات المتحدة الأمريكية أنه كان يومًا جزءًا منها ولها أفضال عليه، والثاني ان يصل برسالة إلى الدلخل الإسرائيلي أنه عندما رأى – إسرائيل – يحتاجه ليدافع عنه عاد فورًا، وهي رسالة أيضًا للجنود الإسرائيليين في الجيش؛ نظرًا لما انتابتهم من حالة نفسيه شديدة عقب عملية طوفان الأقصى عام 2023 فبعضهم قدم استقالته وبعضهم انتحر.
“وجدتُ البلاد غارقة في ظلام دامس” وقد ربما يقصد هنا الحالة التي توجد عليها إسرائيل في المنطقة من نفور واستبعاد وإدانة.
“بساتين البرتقال حول الرملة” وكأنه هنا يستعيد ذاكرته، ولكن اخطأ في هذا لأن التاريخ يذكر أن أكبر عملية تهجير للفلسطينيين كانت في حرب 1948 بعد استيلاء القوات الإسرائيلية على اللد والرملة بين 9 و18 يوليو، إذ طُرد نحو 50 ألف فلسطيني من بيوتهم على يد قوات كان نائب قائدها إسحاق رابين[6]، كما أن بساتين البرتقال التي كانت مملوكة للفلسطينيين تمت مصادرتها، وأصبحت ملكًا لإسرائيل، وتم وضعها تحت مسمى – أملاك متروكة- ومنه اندرجت تحت القانون التي اخترعته إسرائيل ” أملاك المُهجرين” وليس ” أملاك الغائبين” كما يزعمون وذلك حتى يتثنى لهم الاستيلاء على الأرض.[7]
“بيبي، ماذا تفعل هنا؟” ركضنا وتعانقنا” هذه ذكريات شخصية يريد من خلالها استعطاف العالم فقط، وهو يحاول أن يقوم بأنسنة الحدث الدولي.
“سننتصر. ليس لدينا خيار آخر” هذه هي الجملة تم تكرارها في أكثر من حديث وكأنها يكرر عليها بشكل مختلف وهو أيضًا استخدم عبارة ” لن نستسلم” في شعاره في حملته الانتخابية، وكأنه يريد أن يرسل رساله للعالم>
“وكما فعل النازيون، اختار الإرهابيون الركاب اليهود”وهنا يربط بين الفلسطينيون والنازيون، وهنا فرق كبير فالفلسطينيون هم دخلوا أرضهم واستولوا عليها والعهد القديم نفسه يذكر ذلك، بينما أحداث النازية كانت عبارة عن اضطهاد كل من هو دون العرق الآري، وليس اليهود وحدهم ولكنهم يستغلون هذه الحادثة ويكررونها دومًا للاستعطاف.
“في الرابع من يوليو عام 1976، في الذكرى المئوية الثانية لتأسيس الولايات المتحدة” هنا محاولة للفت انتباه الجمهور الأمريكي، حيث يذكرهم بعملية عنتيبي الإسرائيلية في اليوم الأكثر رمزية في الذاكرة الوطنية الأمريكية وهو ما يخلق ترابط مقصود بين رواية الحادثة وتأسيس بلادهم وكأن في الاثنين حرية بشكل مختلف.
“وبمعجزة، أنقذوا 103 رهائن” يريد أن يقول أن ما حدث كأنه معجزة إلهية، وهنا يقصد عملية عنتيبي أو “عملية الصاعقة” ثم أُعيد تسميتها “عملية يوناثان” تخليداً لقائدها أخو بنيامين نتنياهو، وهي عملية عسكرية إسرائيلية نُفذت ليلة 3–4 يوليو 1976. بدأت في 27 يونيو حين اختُطفت طائرة تابعة لشركة إير فرانس، كانت متجهة من تل أبيب إلى باريس، بعد توقفها في أثينا، على يد عنصرين من “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين” بأوامر من وديع حداد، الذي كان قد انشق عن جبهة جورج حبش، حوّل الخاطفون الطائرة إلى ليبيا ثم إلى مطار عنتيبي في أوغندا، حيث حظوا بدعم الرئيس الأوغندي عيدي أمين. وهناك أطلق الخاطفون سراح الركاب غير الإسرائيليون، واحتجزوا الباقين للمطالبة بالإفراج عن 53 فلسطينيًّا في سجون إسرائيل، فأرسلت إسرائيل في 3 يوليو أربع طائرات نقل من طراز هركوليز تقل ما بين 100 و200 جندي، بمرافقة مقاتلات فانتوم، قطعت نحو 4000 كيلومتر، وحررت الرهائن خلال أقل من ساعة من الهبوط. وقد قُتل الخاطفون السبعة و45 جندياً أوغندياً، ودُمّر ما بين 11 و30 طائرة عسكرية أوغندية، فيما كان المقدم يوناثان نتنياهو القتيل الوحيد في صفوف القوة الإسرائيلية.[8]
“أود أن أتقدم بالشكر مجددًا لأوغندا على إقامة تمثال ليوني” قوله هذا هو رسالة دبلوماسية إفريقية، شهدت العلاقات الأوغندية الإسرائيلية تقاربًا لافتًا عام 2026، يقوده الجنرال موهوزي كاينيروغابا، قائد قوات الدفاع الأوغندية ونجل الرئيس يوري موسيفيني. ففي فبراير أعلن عبر منصة «إكس» أن بلاده ستقيم تمثالاً ليوني نتنياهو في المكان نفسه الذي قُتل فيه بمطار عنتيبي، بهدف تعزيز ما وصفه بـ”علاقات الدم الوثيقة” مع إسرائيل. وفي مارس صرّح بأن أوغندا تتمنى انتهاء الحرب في الشرق الأوسط، وقال أن أي حديث عن تدمير إسرائيل أو هزيمتها سيُدخل أوغندا في الحرب، وفي أغسطس 2026، في الذكرى الخمسين للعملية، أزاح الستار عن التمثال البرونزي الذي يصوّر يوني حاملا بندقية. [9]
رابعًا: عملية 7 أكتوبر والحرب على سبع جبهات
“لم يكن هناك إسرائيلي واحد في غزة آنذاك، لا مدني ولا جندي”حجة يقصد بها الانسحاب من غزة عام 2005، يريد أن يقول أن عملية 7 أكتوبر هدفها العداء الكامل لإسرائيل والأمر لم يكن متعلقا بغزة وانسحاب القوات منها.
“أبشع مذبحة لليهود منذ المحرقة” الربط مرة ثانية بأحداث النازي، ولكنه أغفل أن أحداث النازي لم تكن تخص اليهود فقط، بل كل من هو من جنس غير الجنس الآري، وكذلك عملية 7 أكتوبر يوجد بين الضحايا يهود وأجانب، فهو يحاول توثيق الحدث بأنه اعتداء قوي على اليهود، مع العلم أنه لا هذه العملية ولا غيرها ولا أي دولة تتعامل مع إسرائيل أنها ضد اليهود بوصفهم الديني، ولكن كل هؤلاء ضد الصهيونية وما تقوم بها من قتل الفلسطينيين والاستيلاء على الاراضي وبناء المستوطنات وكل المحاولات التي تعرقل قيام دولة فلسطينية، إذا فإننا لسنا ضد اليهود كديانة بل ضد الفكر الصهيوني ومعتنقيه.
“بفرحة شيطانية، وبشهوة سادية” وهنا وصف شديد النفسية تجاه منفذي العملية، وهنا يحاول أيضًا أن يستعطف الدول كما انه صورهم كوحوش في حديثه.
“جيرانهم، الذين وفروا لهم فرص عمل… ينقلون الأطفال الفلسطينيين… لتلقي العلاج من السرطان”
سردية مضللة توضح قصة الجار المُحسن المغدور، على الرغم من أن هناك تقارير تثبت أن الحواجز التي يضعها الجيش الإسرائيلي على حركة سيارات الإسعاف تمنع الوصول إلى العلاج للفلسطينيين في قطاع غزة، وانتهى بعضها بوفاة المرضى.[10] كما أن هناك تقرير عن مكتب أوتشا أن تشديد القيود في محافظة نابلس وعدد كبير من المناطق تفيد بأن الحواجز ونقاط التفتيش تعرقل الوصول إلى الرعاية الطبية ، ووثّقت منظمة الصحة العالمية 987 اعتداءً وتأخيرًا للرعاية الطبية في الضفة منذ 7 أكتوبر 2023، شملت 673 سيارة إسعاف وانتهت بـ39 حالة وفاة.[11] وهناك الكثير والكثير ما يثبت أن هذه السردية لا أساس لها من الصحة.
“أحرقوا الأطفال أحياءً… قطعوا رؤوس رجالنا… اغتصبوا نساءنا” هذه أيضًا سردية غير صحيحة قد نفتها حماس نفسها، وهذا الوصف وجد في العهد القديم فنرى ما ورد في (التثنية 20: 13–14) “وَإِذَا دَفَعَهَا الرَّبُّ إِلَهُكَ إِلَى يَدِكَ فَاضْرِبْ جَمِيعَ ذُكُورِهَا بِحَدِّ السَّيْفِ، وَأَمَّا النِّسَاءُ وَالأَطْفَالُ وَالْبَهَائِمُ وَكُلُّ مَا فِي الْمَدِينَةِ، كُلُّ غَنِيمَتِهَا، فَتَغْتَنِمُهَا لِنَفْسِكَ، وَتَأْكُلُ غَنِيمَةَ أَعْدَائِكَ الَّتِي أَعْطَاكَ الرَّبُّ إِلَهُكَ”.
“نهضنا وقاتلنا كالأسود”وهنا إشارة لما ورد في (العدد 23: 24) هُوَذَا شَعْبٌ يَقُومُ كَلَبْوَةٍ، وَيَرْتَفِعُ كَأَسَدٍ. لَا يَنَامُ حَتَّى يَأْكُلَ فَرِيسَةً وَيَشْرَبَ دَمَ قَتْلَى”، ومن هذه الفقرة تحديدًا اشتُق اسم العملية العسكرية الإسرائيلية ضد إيران في يونيو 2025 “الأسد الصاعد” (עַם כְּלָבִיא) .
“حرب ضروس على سبع جبهات” الرقم سبعة له دلالة رمزية في العهد القديم ترتبط بالخلق والقسم والطقوس والعبادات فتكرارها يستدعي الجانب الديني في وجدان الجمهور اليهودي، فنجد على سبيل المثال ما ورد في (التثنية 28: 7) ” يَجْعَلُ الرَّبُّ أَعْدَاءَكَ الْقَائِمِينَ عَلَيْكَ مُنْهَزِمِينَ أَمَامَكَ. فِي طَرِيقٍ وَاحِدَةٍ يَخْرُجُونَ عَلَيْكَ، وَفِي سَبْعِ طُرُقٍ يَهْرُبُونَ أَمَامَكَ” وذكر العهد القديم سبعة شعوب أُمر الرب بنو إسرائيل بمحاربتها (التثنية 7: 1) ” مَتَى أَتَى بِكَ الرَّبُّ إِلَهُكَ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ دَاخِلٌ إِلَيْهَا لِتَمْتَلِكَهَا، وَطَرَدَ شُعُوبًا كَثِيرَةً مِنْ أَمَامِكَ: الْحِثِّيِّينَ وَالْجِرْجَاشِيِّينَ وَالْأَمُورِيِّينَ وَالْكَنْعانيِّينَ وَالْفِرِزِّيِّينَ وَالْحِوِّيِّينَ وَالْيَبُوسِيِّينَ، سَبْعَ شُعُوبٍ أَكْثَرَ وَأَعْظَمَ مِنْكَ”.
“هل تعرفون دولة أخرى بحجم نيوجيرسي قادرة على خوض حرب على سبع جبهات؟” ولاية نيوجيرسي هي ولاية أمريكية وهنا توجيه للجمهور الأمريكي، يذكر مكتب الإحصاء الأمريكي أن مساحة اليابسة في نيوجيرسي تبلغ نحو 7,353 ميلاً مربعاً، ومساحة المسطحات المائية نحو 1,368 ميلاً مربعاً، أي إجمالي 8,721 ميلًا مربعا، أي 22,587 ألف متر مربع[12] فهى تقارب مساحة إسرائيل التي تعادل 20,770 كيلومترًا مربعًا، كما أنه يبلغ عدد اليهود في نيوجيرسي وفق تقديرات 2024 نحو 581,200، أي 6.26% من سكان الولاية، وهي من أعلى النسب في الولايات المتحدة. وتتركز الجالية في مقاطعات بيرغن وإسكس ومونماوث وميدلسكس، ومعظمها في ضواحٍ مرتبطة اقتصادياً بمدينة نيويورك.[13]
“قادة حزب الله؟ ماتوا. معنوياتهم؟ تحطمت” صيغة سؤال وجواب في نفس الوقت وكأنه يعبر عن الانتصار.
“خامنئي، ضيف، سنوار، هنية، نصر الله… لقد رحلوا جميعًا” قائمة الأسماء التي قامت إسرائيل باغتيالهم، ووضع خامنئي في رأس القائمة رسالة للداخل الإسرائيلي قبل الانتخابات، وكأنه يريد أن يقول أنه قضى على رأس الشر بينما الباقون فهم أذرع إيران في المنطقة، وأنه استطاع أن يفكك هذه المنظومة الميلشياتي لأن هذه المليشيات تقوم على أشخاص.
خامساً: الضفة الغربية
“بالمناسبة، من هنا جاءت كلمة “يهودي”: يهودا. إنها أرضنا” إشارة توراتية، يهوذا ابن يعقوب (التكوين 29: 35) “وَحَبِلَتْ أَيْضاً وَوَلَدَتْ ابْناً وَقَالَتْ: هِذِهِ الْمَرَّةَ أَحْمَدُ الرَّبَّ. لِذَلِكَ دَعَتْ اسْمَهُ يَهُوذَا. ثُمَّ تَوَقَّفَتْ عَنْ الْوِلادَةِ” ومنه جاءت تسمية يهود وكلمة “بالمناسبة” كانه يريد أن يقول معلومة عابرة .
“لا أطيق هذا. لن أقبل بالعنف الأهلي. نحن دولة قانون” يحاول إبراز إسرائيل كإنها تحافظ على القانون وهي في الحقيقة تتجاوز كل القوانين وعلى رأسهم القوانين الدولية وقانون حقوق الإنسان من خلال انتهاك حرمة الفلسطينيين وحرمانهم من أبسط الأشيءا وهي الأمن والأمان.
“المستوطنين المسالمين، الأبرياء، الملتزمين بالقانون” محاولة لإبراز المستوطنين أنهم أبرياء ولكن الأخبار اليومية تثبت غير ذلك، من الاعتداءات والانتهاكات في حق الفلسطينيين، تقرير صادر عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، أن الاعتداءات شملت مصادرة أراضٍ، وتوسعة مستوطنات، وإقامة بؤر استيطانية جديدة، إلى جانب عمليات هدم وتجريف واقتلاع أشجار، وإعدامات ميدانية، وإغلاقات وحواجز عسكرية. وبحسب التقرير، تركزت الاعتداءات في محافظة الخليل بواقع 2,224 اعتداء، تلتها رام الله والبيرة بـ2,175 اعتداء، ثم نابلس بـ2,095 اعتداء، وبيت لحم بـ1,137 اعتداء. وأن حكومة الاحتلال انتقلت من استخدام الاستيطان كأداة توسع إلى اعتباره إطارا لإعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية سياسيا وقانونيا وإداريا، عبر تشريعات وقرارات حكومية تهدف إلى ترسيخ مشروع الضم وفرض وقائع دائمة على الأرض.[14]
“ليس لنا وطنٌ آخر. إنه لشرفٌ عظيمٌ أن ندافع عنه” هنا رسالة واضحة للداخل الإسرائيلي، بسبب قرب الإنتخابات.
“أقسم قسماً مقدساً: لن تذهب تضحياتكم سدى” يوجه كلامه لأخيه يوني، وكأنه يوجه رسالة في نفس الوقت لجنود الجيش الذين اهتزوا نفسيا جراء عملية طوفان الأقصى.
سادسًا: الولايات المتحدة وإسرائيل
“في هذه المعركة ضدّ البرابرة” وهنا يصف الخصوم بهذا الوصف، وهنا يقصد السبع جبهات،
“لم يكن لنا شريكٌ أعظم من الرئيس ترامب” محاولة للقرب للرئيس ترامب خاصة مع قرب الانتخابات الاسرائيلية.
“الذين يهتفون “الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل” ربط مصير البلدين
“أمة واحدة… يمينًا ويسارًا، شبابًا وشيوخًا، متدينين وعلمانيين” هي محاولة للتقريب بين الجمهور الإسرائيلي كاملًا.
“هل لدينا اختلافات؟ بالطبع. من منا لا يختلف؟” وهنا اعتراف بالانقسام.
“يهودًا ومسيحيين ودروزًا ومسلمين، جيشنا الأكثر أخلاقية في العالم” هنا يريد أن يقدم الجيش أنه متنوع ، وفي الوقت نفسه يوظف هذا التنوع في توصيف صورته أمام العالم.
سابعًا: الجبهة الثامنة
“لكن لهذه الحرب جبهة ثامنة، وهي حرب الحقيقة” التأكيد على وجود جبهة ثامنة وهي حرب الروايات، ونشر الأخبار.
“وبشكلٍ أشدّ فتكًا، على وسائل التواصل الاجتماعي” اعتراف بأن المنصات الرقمية هي الساحة الأخطر، والجدير بالذكر أن إسرائيل نفسها استخدمت وسائل التواصل الاجتماعي لتوجيه الرأي العالم لبعض الشعوب من خلال تمويل بعض الشركات، مثل شركة ديمومان انترناشونال.
“أنفقت دول أجنبية عديدة مليارات لا تُحصى لنشر الأكاذيب” وكأنه يريد ابلاغ العالم أن هناك العديد من الدول التي تنشر أخبار كاذبة عن إسرائيل وهي محاولة لتصحيح الصورة أمام العالم.
“وكانت قطر أول من فعل ذلك… الجامعات الأمريكية… الجزيرة… غسل أدمغة الشباب” وهنا كأنها حرب باردة، يجرّد الشباب المحتجين في الجامعات الأمريكية من الإرادة ويصوّرهم أنهم ضحايا تلاعب.
“تركيا هي أحدث دولة تصدّرت المشهد في نشر الأكاذيب” اتهام واضح وصريح لتركيا، وهنا هو قام بوصف تركيا هكذا لأنها سبق وأطلقت على ما يحدث في غزة بأنه كارثة إنسانية.
“أردوغان طاغية… يقتل… ينكر الإبادة الجماعية للأرمن… يسجن الصحفيين” وهنا اتهام واضح للرئيس أردغان أما في ملف الأرمن، فتركيا ترفض توصيف أحداث 1915 بأنها “إبادة جماعية”، في حين أن دولًا ومؤسسات عديدة، ومنها الولايات المتحدة، اعترفت بها بهذا الوصف، والأهم في الخطاب أن نتنياهو يستخدم هذه النقاط بطريقة هجومية مضادة لأن أردوغان يتهم إسرائيل بارتكاب إبادة في غزة، فيرد نتنياهو وكأنه يقول كيف تتهمنا بالإبادة وأنت تنكر الإبادة الأرمنية، وتتهمنا بانتهاك الحقوق بينما لديك ملف الأكراد والصحفيين والمعارضة؟ ولذلك فذكر الأرمن والأكراد هنا ليس عابرًا؛ بل هو محاولة لنزع المصداقية الأخلاقية عن أردوغان أمام جمهور الأمم المتحدة. تركيا ردت رسميًا ووصفت اتهامات نتنياهو بأنها بلا أساس، وقالت إن تصريحاته لا تحجب الأزمة الإنسانية في غزة والإجراءات القانونية الدولية المتعلقة بإسرائيل.[15]
“يقول إنه سيصبح حاكم القدس. كلا، لن تفعل. هذه بلادنا، مدينتنا، عاصمتنا الأبدية” هذا الرد الشخصي يؤكد الخطاب الإسرائيلي الذي يعتبرالقدس جزءا من أرض إسرائيل الكبري التي يحلم بها الفكر الصهيوني، وهذا الأمر غير قانوني لأن القرار لمجلس الأمن 478 لم يعترف بالاجراءات التي سعت إليها إسرائيل لتغيير القدس.
ثامناً: ممداني ومعاداة السامية
“مكتب عمدة نيويورك المعادي للسامية” ممداني نفسه يقول إنه يعارض معاداة السامية، وسبق أن وصف ارتفاع جرائم الكراهية ضد اليهود في نيويورك بأنه “غير مقبول” وتعهد بمواجهتها. وفي الوقت نفسه، هو ينتقد إسرائيل ونتنياهو بشدة، ووصف نتنياهو بأنه “مجرم حرب” ودعا الحكومة الفيدرالية إلى تنفيذ مذكرة المحكمة الجنائية الدولية بحقه؛ وهي مواقف أثارت اتهامات من نتنياهو ومؤيدين لإسرائيل بأنه يؤجج العداء ضد إسرائيل أو اليهود.[16]
وأنا لدى تحفظ على مصطلح معاداة السامية حيث أن العرب جميعهم ساميون، ومن ثم فمصطلح معاداة السامية غير صحيح، بينما عن معاداة اليهود فأنني اؤمن جيدًا أننا لا نعادي اليهودية كديانة ولكننا نعادى الصهيونية التي تدعو أن أرض فلسطين ملك لليهود، فالمعاداة لفكر وليس لأشخاص.
“إسرائيل لم ترتكب إبادة جماعية. إسرائيل منعت إبادة جماعية” هنا محاولة نفي الإبادة عن إسرائيل، على الرغم أن هناك العديد من المجازر الموثقة، مثل دير ياسين (1948)، وكفر قاسم (1956)، وصبرا وشاتيلا (1982) وغيرها من المجازر والتهجير القسري والقتل والإرهاب.
“ارفعوا رؤوسكم عالياً. كونوا فخورين… لا تخافوا. انهضوا” هي شعارات موجهة للجمهور الاسرائيلي، حيث الانتخابات التي من المفترض أن تعقد خلال أسابيع.
تاسعًا: أوروبا وإيران والشعب الإيراني
“اختار قادة هذه الدول الاستسلام للغوغاء… اختاروا الضعف. اختاروا سياسة الاسترضاء” هنا يهاجم نتنياهو قادة دول أوروبا في سياق انتقاده للحكومات، استخدام نتنياهو تعبير “الغوغاء” لم يكن عابرًا؛ فهو يحاول نزع الشرعية عن الاحتجاجات والضغوط الشعبية المؤيدة للفلسطينيين في أوروبا، ثم يصف استجابة بعض حكومات أوروبا الغربية لهذه الضغوط بأنها ضعف واسترضاء، ليضعها ضمن مقارنة تاريخية توحي بأن التراجع أمام خصوم إسرائيل سيشجعهم على مزيد من الضغط، وهنا يخاطب معًا الداخل الإسرائيلي، ليؤكد أن حكومته تقف وحدها بثبات أمام الضغوط الدولية.
“أخوة الديمقراطيات أم جماعة الإخوان المسلمين؟” وهنا كأنه يخيرهم ما بين الديمقراطية أم انتشار وتزايد جماعة الإخوان المسلمين في بلادهم.
“يخنقون مجاريكم المائية، وإمدادات الطاقة” يقصد نتنياهو أن الجماعات الجهادية التي يتحدث عنها لا تمثل، في طرحه، تهديدًا أمنيًا محليًا فقط، بل تستطيع الضغط على الممرات البحرية الحيوية وإمدادات الطاقة وشرايين الاقتصاد العالمي، في إشارة واضحة إلى مضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر. وقد جاء ذلك ضمن حجته بأن أوروبا، إذا واصلت ما سماه “الاسترضاء”، ستدفع ثمنًا اقتصاديًا وأمنيًا أيضًا.
“الذكاء الاصطناعي والذكاء المتفوق” عندما ذكر نتنياهو الذكاء الاصطناعي والذكاء المتفوق كان يريد أن يقدّم إسرائيل كدولة تتجه إلى المستقبل وتراهن على التفوق التكنولوجي، والمقصود بـالذكاء المتفوق (Superintelligence) هو مرحلة افتراضية تتجاوز فيها قدرات أنظمة الذكاء الاصطناعي القدرات البشرية في نطاق واسع من المهام.
“لم تكن إسرائيل أقوى مما هي عليه الآن. نحن لا نخشى شيئاً” هذه رسالة دعائية للداخل الإسرائيلي، فهو يحاول ربط القوة الاسرائيلية بالقدرات العسكرية والتفوق التكنولوجي.
“طغاة طهران… يخشون شعبهم” يقصد نتنياهو أن مصدر القلق الأكبر للنظام الإيراني ليس إسرائيل بل هو الشعب الايراني نفسه وتحركه ضد النظام.
“سيدي الرئيس، سأترك هذا الجهاز لديك لتسلمه للوفد الإيراني… عندما ينشقون لا محالة” هذه رسالة استفزازية، فهو يستخدم الجهاز كرمز لكسر الرقابة الإيرانية، ويؤكد أن ممثلي النظام قد يتخلون عنه يومًا.
“بيت لحم… كانت نسبة المسيحيين فيها تتراوح بين 80 و90%… واليوم نسبة المسلمين”
ادعاء ديموجرافي غير دقيق، حيث انه استخدام حول توظيف التركيبة الدينية، ولكنه أغفل عن التسلسل التاريخي؛ فبيت لحم كانت بالفعل ذات أغلبية مسيحية كبيرة قبل قيام – إسرائيل -، وتشير رويترز إلى أن المسيحيين كانوا نحو 85% من سكانها عام 1947، لكن هذه النسبة لم تكن قائمة عندما بدأت السيطرة الإسرائيلية على المدينة عام 1967. فالتعداد الذي أجرته السلطات الإسرائيلية نفسها بعد حرب يونيو سجل في مدينة بيت لحم 7,790 مسلمًا، أي 53.9% من السكان، مقابل 6,231 مسيحيًا، أي 46.1%؛ ما يعني أن التحول إلى أغلبية مسلمة سبق قيام السلطة الفلسطينية بنحو ثلاثة عقود. وبالتالي فإن تقديم المسألة وكأن بيت لحم كانت «80 أو 90% مسيحية في ظل إسرائيل» ثم أصبحت مسلمة بعد انتقالها إلى الحكم الفلسطيني يخلط بين بيت لحم قبل 1948 وبيت لحم بعد 1967، ويتجاوز التحولات التي أحدثتها حرب 1948 وتدفق اللاجئين والهجرة الممتدة لعقود. كما أن تراجع الوجود المسيحي لا يمكن اختزاله في عامل ديني واحد؛ فرصد رويترز لهجرة العائلات المسيحية في السنوات الأخيرة يربطها أيضًا بتدهور الاقتصاد وانهيار السياحة والقيود الإسرائيلية على الحركة والعنف وعدم الاستقرار في الضفة الغربية، وهي ظروف تؤثر في المسيحيين والمسلمين معًا.[17].
“سيسقط هذا النظام الشرير، وسنحتفل جميعًا بذلك اليوم”
حين يقول نتنياهو هذا فهو لا يكتفي بانتقاد سياسات إيران أو برنامجها النووي، بل ينقل خطابه إلى مستوى الدعوة الضمنية لتغيير النظام من الداخل، ويضع إسرائيل في موقع من يتحدث باسم الشعب الإيراني ويحدد له شكل مستقبله السياسي. هذه اللغة تخدم أيضًا سردية إسرائيلية أوسع تفصل بين “الشعب الإيراني” و”النظام”، لتقديم المواجهة مع إيران باعتبارها مواجهة مع النظام لا مع الإيرانيين أنفسهم. لكن المشكلة أن الحديث عن سقوط النظام بوصفه نتيجة غير صحيح، فهو مجرد توقع سياسيًّا؛ فمستقبل أي نظام تحدده توازنات داخلية تشمل مؤسسات الدولة، والشارع، والاقتصاد، والقوى الأمنية، وغيرهم.
عاشرًا: الشعب اليهودي ومستقبل إسرائيل
“يعود لأكثر من ثلاثة آلاف عام. نتحدث اليوم اللغة نفسها… نعيش في الأرض نفسها”
هناك خلطًا تاريخيا لديه، وهذه الكلام يختزل قرونًا من الشتات والهجرات وتبدل الإمبراطوريات والسكان وتحول اللغة نفسها. فيما يخص التواجد في الأرض فهم كانوا في فترة طويلة من الشتات، حتى أن العهد القديم نفسه يثبت أن الارض ليست أرضهم فنرى (التكوين 12: 6) ” وَاجْتَازَ أَبْرَامُ فِي الأَرْضِ إِلَى مَكَانِ شَكِيمَ إِلَى بَلُّوطَةِ مُورَةَ. وَكَانَ الْكَنْعَانِيُّونَ حِينَئِذٍ فِي الأَرْضِ” وكانت الأرض غربة لإبراهيم واسحاق ويعقوب وهناك العديد من الفقرات التي تثبت هذا، وكذلك فيما يخص أن الأرض كان بها أقوام فنرى (يشوع 15: 63) ” وَأَمَّا الْيَبُوسِيُّونَ السَّاكِنُونَ فِي أُورُشَلِيمَ فَلَمْ يَقْدِرْ بَنُو يَهُوذَا عَلَى طَرْدِهِمْ، فَسَكَنَ الْيَبُوسِيُّونَ مَعَ بَنِي يَهُوذَا فِي أُورُشَلِيمَ إِلَى هَذَا الْيَوْمِ” وكذلك ورد (التثنية 7: 1) ” مَتَى أَتَى بِكَ الرَّبُّ إِلَهُكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ دَاخِلٌ إِلَيْهَا لِتَمْتَلِكَهَا، وَطَرَدَ شُعُوبًا كَثِيرَةً مِنْ أَمَامِكَ: الْحِثِّيِّينَ وَالْجِرْجَاشِيِّينَ وَالأَمُورِيِّينَ وَالْكَنْعَانِيِّينَ وَالْفِرِزِّيِّينَ وَالْحِوِّيِّينَ وَالْيَبُوسِيِّينَ، سَبْعَ شُعُوبٍ أَكْثَرَ وَأَعْظَمَ مِنْكَ” وهذا يدل على أن الارض لم يكونوا فيها منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة، بينما عن اللغة فأكاديمية اللغة العبرية، وهي الهيئة الرسمية المسؤولة عن اللغة في إسرائيل، تؤكد أن العبرية ظلت لقرون لغة دينية، قبل إحيائها كلغة منطوقة في أواخر القرن التاسع عشر، كما أن العبرية الحديثة تشكلت من طبقات لغوية تاريخية متعددة وأضافت مفردات وتراكيب حديثة مقتبسة من لغات أخرى[18].
“داود، سليمان، إشعياء، إرميا: تلك أرضنا”
هنا يذكرملكان ثم نبيان، ومن اللافت أن إشعياء هو صاحب النبوءة المنقوشة على “جدار إشعياء” المقابل لمقر الأمم المتحدة، والتي يجسدها أيضًا تمثال في حدائق المنظمة نفسها: “فَيَقْضِي بَيْنَ الأُمَمِ وَيُنْصِفُ لِشُعُوبٍ كَثِيرِينَ، فَيَطْبَعُونَ سُيُوفَهُمْ سِكَكًا وَرِمَاحَهُمْ مَنَاجِلَ. لَا تَرْفَعُ أُمَّةٌ عَلَى أُمَّةٍ سَيْفًا، وَلَا يَتَعَلَّمُونَ الْحَرْبَ فِي مَا بَعْدُ.” (إشعياء 2: 4)، أما إرميا فهو نبي له عدة نبوءات تتعلق بداود وسليمان، واختياره يحمل مفارقة أعمق، فنجد انه ورد (إرميا 7: 4) ” لا تَتَّكِلُوا عَلَى كَلَامِ الْكَذِبِ قَائِلِينَ: هَيْكَلُ الرَّبِّ، هَيْكَلُ الرَّبِّ، هَيْكَلُ الرَّبِّ هُوَ!” وهذا هو الهيكل المزعوم الذين يدعون أنه تحت المسجد الأقصى وينقبون تحته.
“الإيمان بإله واحد، وقدسية الحياة، وسيادة القانون، وسعينا الدؤوب نحو السلام… والعدالة”
كلها قيم جميلة ولكن الأجمل معرفة عن مدى توافق السياسات الفعلية معها، فأي حديث عن قدسية الحياة يتعارض بما وثقه مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان في 4 سبتمبر/أيلول 2026، حين أفاد بمقتل 24 فلسطينيًا في هجمات إسرائيلية خلال خمسة أيام فقط، بينهم أطفال وامرأة، وشدد صراحة على أن العمليات العسكرية لا تعفي إسرائيل من التزاماتها المتعلقة بحق الفلسطينيين في الحياة، وعندما يتحدث عن سيادة القانون فإن محكمة العدل الدولية أصدرت في 19 يوليو 2024، الذي خلص إلى أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وطالبت بإنهائه بأسرع ما يمكن ووقف جميع الأنشطة الاستيطانية فورًا، على الرغم من هذا ضربت إسرائيل الكلام بعرض الحائط بل وزادت رقعة توسيع الاستيطان، كما أن المحكمة الجنائية الدولية أصدرت في 21 نوفمبر 2024 مذكرة توقيف بحق نتنياهو، بعدما وجدت مسؤوليته عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية؛ وهذه بالطبع اتهامات قضائية، لكنها تظل حقيقة قانونية يصعب تجاهلها عند الحديث عن سيادة القانون، أما الحديث السلام والعدالة، فيقابله تقرير الأمين العام للأمم المتحدة الصادر في يونيو 2026 بشأن تنفيذ القرار 2334، والذي أعاد التأكيد أن المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة منذ 1967 “ليس لها شرعية قانونية” وتمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي ومعضلة رئيسية أمام عملية السلام، لذلك فالإشكالية ليست في القيم التي استشهد بها نتنياهو، وهي قيم إنسانية ودينية كبرى، وإنما في الفجوة بين القيم المعلنة على منصة الأمم المتحدة والوقائع التي توثقها الأمم المتحدة والمحاكم الدولية على أرض الواقع.
“نهض المصريون والبابليون والفرس… ثم تلاشت حضاراتهم” الجدير بالذكر أن الحضارة لا تقاس ببقاء نظام سياسي ثلاثة آلاف عام، فالدول تزول وتتبدل، أما الحضارات فتعيش بما تتركه في اللغة والعلم والثقافة والذاكرة الإنسانية، ومصر وبابل وفارس أمثلة قوية على ذلك.
«إذا استجمعنا شجاعتنا، وشددنا عزيمتنا»
وهنا إشارى لما ورد في (يشوع 1: 7) ” إِنَّمَا كُنْ مُتَشَدِّدًا، وَتَشَجَّعْ جِدًّا لِكَيْ تَتَحَفَّظَ لِلْعَمَلِ حَسَبَ كُلِّ الشَّرِيعَةِ الَّتِي أَمَرَكَ بِهَا مُوسَى عَبْدِي. لَا تَمِلْ عَنْهَا يَمِينًا وَلَا يَسَارًا لِكَيْ تُفْلِحَ حَيْثُمَا تَذْهَبُ”
ختامًا:
يكشف تفكيك خطاب نتنياهو أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة أنه خطاب مزدوج الوجهة، ظاهره مخاطبة العالم من أعلى منبر دولي، وباطنه حملة انتخابية موجهة إلى الناخب الإسرائيلي قبل أسابيع من الانتخابات.
([1]) שפירא (יצחק) , אליצור (יוסף) ,תורת המלך דיני נפשות בין ישראל לעמים, חלק ראשון, הדפסה שנייה, מכון התורני שעל יד ישיבת עוד יוסף חי, 2010, עמ’ נ
([2]) שפירא (יצחק) , אליצור (יוסף) ,תורת המלך דיני נפשות בין ישראל לעמים, עמ’ רא
([3]) https://www.wrmea.org/1994-july-august/begins-admission-in-1982-that-israel-started-three-of-its-wars.html
([4]) https://www.jpost.com/opinion/op-ed-contributors/article-301568 Access Date 25 /9 /2026
([5] ) https://st-takla.org/Full-Free-Coptic-Books/FreeCopticBooks-002-Holy-Arabic-Bible-Dictionary/05_G/G_183.html Access Date 25 /9 /2026
([6])https://www.wrmea.org/israel-palestine/middle-east-history-expulsion-of-the-palestinians%E2%80%94lydda-and-ramleh-in-1948.html Access Date 25 /9 /2026
([7]) https://www.palestine-studies.org/en/node/1657142 Access Date 25 /9 /2026
([8]) https://www.britannica.com/event/Entebbe-raid Access Date 25 /9 /2026
(([9] https://www.timesofisrael.com/statue-of-yoni-netanyahu-unveiled-at-ugandas-entebbe-airport-50-years-after-raid/
([10] ) https://www.mekomit.co.il/
([11]) https://www.hrw.org/he/news/2026/08/05/west-bank-israel-delaying-palestinian-ambulances-risks-lives
https://content.govdelivery.com/accounts/USCENSUS/bulletins/3017fda/ ([12](
([13] (https://jewishvirtuallibrary.org/jewish-population-in-the-united-states-by-state
([14] https://www.almodon.com/arabworld/2026/07/06/%D8%AA%D9%82%D8%B1%D9%8A%D8%B1-%D8%A3%D9%83%D8%AB%D8%B1-%D9%85%D9%86-26-%D8%A3%D9%84%D9%81-%D8%A7%D8%B9%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%A1-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D9%81%D9%8A-6-%D8%A3%D8%B4%D9%87%D8%B1
([15]) https://cyprus-mail.com/2026/09/25/turkey-hits-back-at-netanyahus-vile-comments-on-erdogan-at-un
([16]) https://www.nyc.gov/mayors-office/news/2026/06/transcript–mayor-mamdani-appears-on-abc-s–this-week–with-jona?utm_source=chatgpt.com
https://www.pcbs.gov.ps/media/35onwpzu/palestinecensus1967.pdf?utm_source ([17])
([18] https://eng.hebrew-academy.org.il/about-us/our-history/
