الباحثة/ إيمان بخيت أحمد
مقدمة
بعد أكثر من سبعة أشهر على توقيع اتفاق شرم الشيخ لوقف إطلاق النار في 2025، يعيش قطاع غزة في حالة استنزاف مستمر من خلال الهجمات الإسرائيلية اليومية فالهدنة مجرد اسم لا فعل. فبدلاً من أن تكون هذه الهدنة مدخلاً لوقف دائم للعنف وإعادة الإعمار ورفع الحصار، تحولت إلى غطاء لسياسة استنزاف ممنهج، وجمود سياسي خطير، وانهيار إنساني صامت، ولكن متسارع. الهدنة الحالية لم توقف أعمال العنف اليومية، ولم تفتح المعابر لإدخال المساعدات بصورة كاملة وكافية بسبب التعنت الإسرائيلي ، بل ما حدث هو حالة من “لا حرب شاملة ولا سلام حقيقي” والمستفيد الوحيد هنا هو الاحتلال وذلك لتغيير الواقع على الأرض بينما ينشغل العالم بحروب أخرى وعلى رأسها الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، لذا نجد أن هناك تناقض كبير: فبينما تعلن الجهات الرسمية سريان الهدنة، تشير الوقائع الميدانية إلى استمرار القصف والاغتيالات وتوسيع المناطق العسكرية، مما يجعل الوضع الحالي أكثر تعقيداً مما كان عليه خلال الحرب.
البعدان العسكري والسياسي – هجمات مستمرة والطريق إلى السلام مسدود
أولاً – البعد العسكري: خروقات يومية وتغيير ديموغرافي بطيء
على الرغم من الاتفاق، لا تزال الهجمات الإسرائيلية متواصلة: قصف المخيمات، وإطلاق النار من الزوارق الحربية على الصيادين، وهدم المنازل في المناطق الحدودية.
التوسع الممنهج لـ”المنطقة الصفراء” (والمقصود بها المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل عسكرياً داخل غزة)، والتي بدأت بـ53% من مساحة القطاع وتجاوزت الآن 60%. هذا التوسع يعني أمرين:
أ- تقسيم فعلي للقطاع وتهجير تدريجي للسكان نحو مساحة أقل من 40% من الأرض.
ب-تغيير للوضع القائم قد يصعب التراجع عنه مستقبلاً. ومع وجود تقارير إسرائيلية عن دراسة العودة إلى عمليات عسكرية واسعة (بعد الحصول على ضوء أخضر أمريكي)، يبقى الاحتمال الأكبر هو استمرار “حرب الاستنزاف” بدلاً من المواجهة الشاملة التي قد تكون مكلفة قبل انتخابات إسرائيل الداخلية.
ثانيا – البعد السياسي: معضلة نزع السلاح وجمود المفاوضات بسبب التعنت الإسرائيلي
جوهر الأزمة السياسية: نزع سلاح حماس، . تصر إسرائيل على أن نزع السلاح شرط مسبق للانسحاب الكامل وإعادة الإعمار وبدء المرحلة الثانية من الخطة. بالمقابل، ترفض حماس نزع السلاح قبل تحقيق انسحاب إسرائيلي كامل ورفع الحصار وإيجاد أفق سياسي واضح والعمل على وجود الدولة الفلسطينية وتعتبر حركة حماس أن التزامها بالمرحلة الأولى لم يقابل بالتزام إسرائيلي مماثل.
وما يزيد الموقف تعقيداً بالنسبة للتقدم في أي مفاوضات بين الطرفين هو ظهور تقارير عن دعم إسرائيلي لميليشيات محلية معادية لحركة حماس (مثل “القوات الشعبية” في رفح)، مما يزيد الفوضى الأمنية ويوفر ذريعة لاستمرار العمليات العسكرية.
كذلك “اللجنة الوطنية لإدارة غزة” (NCAG) – البديل المقترح لحكم حماس – لا تزال تعقد اجتماعاتها في القاهرة لأن إسرائيل تمنع أعضاءها من دخول قطاع غزة، مما يخلق فراغاً إدارياً خطيراً تعيد حماس ملؤه تدريجياً.
ثالثا – البعد الإنساني والانهيار الصامت – كارثة متعددة الاتجاهات:
ما يجعل الوضع في غزة الآن أخطر مما كان عليه خلال الحرب هو الانهيار الإنساني البطيء والواسع النطاق، والذي يهدد بكارثة صحية وبيئية دائمة.
أ- كارثة بيئية وصحية غير مسبوقة: تحذر الأونروا ومنظمة الصحة العالمية من “مثلث خطر” يضم انتشار القوارض (فئران تعض الأطفال في خيامهم)، وانهيار كامل لأنظمة الصرف الصحي، ونقص حاد في الرعاية الصحية. النفايات الصلبة تراكمت إلى ارتفاعات “طوابق كاملة” في بعض المناطق، وتم تسجيل أكثر من 17 ألف حالة مرضية مرتبطة بالقوارض والطفيليات، و70% من الأطفال في المخيمات يعانون من آفات جلدية بسبب البيئة الملوثة. السبب مباشر: منع إسرائيل دخول أنابيب ومعدات معالجة المياه، وتراكم النفايات، والاعتماد على حفر امتصاصية بدائية تفيض بين الخيام.
ب- أزمة سوء تغذية مفتعلة: تصف “أطباء بلا حدود” ما يحدث بأنه “أزمة سوء تغذية مصنعة بالكامل”. قبل أكتوبر 2023، كان سوء التغذية في غزة شبه معدوم؛ اليوم، 90% من الأطفال المولودين لأمهات يعانين من سوء التغذية يولدون مبسترين و84% بوزن منخفض جداً. تم تسجيل 4,176 طفلاً في برامج علاج سوء التغذية الحاد. مؤسسة غزة الإنسانية (GHF) قلصت نقاط توزيع الغذاء من 400 إلى 4 فقط، مما خلق “نقاط توزيع مميكنة ومميتة”. حيث يتم استهداف المواطنين الذين يحاولون الوصول إلى نقاط توزيع المساعدات من قبل جنود الجيش الإسرائيلي.
السياق الإقليمي والسيناريوهات المستقبلية – غياب
السياق الإقليمي: بسبب الانشغال العالمي: العامل الأكثر تسبباً في تهميش ما يحدث في قطاع غزة وما يحدث كذلك في الضفة الغربية هو الانشغال العالمي والإقليمي بالحرب مع إيران. حيث أن الولايات المتحدة الأمريكية منشغلة بالملف الإيراني، وتركت ملف غزة لـ”مجلس السلام” الذي يبدو عاجزاً عن الضغط على إسرائيل للالتزام ببنود الهدنة والاتفاقيات التي تمت. أما الدول العربية منشغلة بحماية استثماراتها وأمنها في ظل التصعيد الإقليمي والهجمات الإيرانية على بعض الدول العربية.
وفي ظل كل ما يحدث في المنطقة من تصعيد تواصل الدولة المصرية تحركاتها الدبلوماسية المكثفة على مسارين متوازيين: المسار السياسي عبر الضغط لتفعيل المرحلة الثانية من اتفاق شرم الشيخ، والمسار الميداني عبر محاولة إدخال لجنة إدارة غزة إلى القطاع والعمل على فتح كافة المعابر بشكل كامل. لكن هذه الجهود تصطدم بالتعنت الإسرائيلي واستمرار الجمود في مفاوضات نزع السلاح .
الخاتمة:
ما يحدث في غزة اليوم ليس مجرد جمود في المفاوضات التي تتم من جانب الوسطاء والأطراف المعنية بالتفاوض، بل هو عملية ممنهجة وواعية لإعادة تشكيل القطاع وفق رؤية إسرائيلية جديدة. غزة التي كانت ذات يوم “سجناً مفتوحاً” (حسب تعبير منظمة العفو الدولية) تصبح اليوم “منطقة عازلة” خاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية المباشرة، وسكانها يتحولون إلى “نازحين دائمين” داخل حدود القطاع مما سيؤدي تدريجياً إلى عمليات هجرة قسرية خارج القطاع وهو ما تحاول إسرائيل تنفيذه بكافة الطرق.
أما الوسطاء فهم يعملون ومازالت المفاوضات مستمرة، والميليشيات التي تعمل لصالح إسرائيل مستمرة في عملها، واللجنة الفنية التابعة لـــــ” مجلس السلام” عالقة في القاهرة بسبب رفض إسرائيل دخولها القطاع والقيام بعملها. وكل هذا يصب في مصلحة المخطط الإسرائيلي.
أحدث المنشورات
- مالي 2026م: تصاعد الهجمات المسلحة وإعادة رسم خريطة التهديدات الأمنية
- الدور المصري في قلب الاستراتيجية الفرنسية: قراءة في جولة ماكرون وإعادة تشكيل الحضور في إفريقيا
- مصر والإمارات والقرن الإفريقي: ملفات عدة وترتيبات محتملة
- الفساد السياسي في إسرائيل بين صراع السلطة وتآكل الدولة
- حروب إسرائيل بالألوان وتشكيل الأمن وهندسة الجغرافيا السياسية
- من النص التوراتي إلى القرار السياسي: قراءة في خطابات نتنياهو
- قطاع غزة بين الهدنة المعلنة والواقع هجمات مستمرة، وجمود سياسي تحت وطأة الصراع الإقليمي
- تحولات “ماجا” ومستقبل التحالف الأمريكي الإسرائيلي التداعيات على الأمن القومي المصري والعربي
الخميس, 14 مايو
