حسين محمود التلاوي
تشهد منطقة الشرق الأوسط والقارة الإفريقية تحركات سياسية ودبلوماسية؛ أبرزها الزيارة الرئاسية المصرية إلى الإمارات؛ وهي التحركات التي تتقاطع مع ملفات عدة في حسابات الأمن القومي المصري؛ ما يؤشر إلى ترتيبات محتملة، وتفاهمات واردة في بعض أزمات المنطقة.
تشهد منطقة الشرق الأوسط والقارة الإفريقية العديد من التحركات السياسية والدبلوماسية رفيعة المستوى وواسعة النطاق، على خلفية الحرب على إيران المستمرة في التفاعل عسكريًّا وسياسيًّا، وتداعياتها المختلفة؛ وبوجه خاص الأمنية والاقتصادية.
ومن أبرز هذه التحركات، إن لم يكن أبرزها دون مبالغة، زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى الإمارات التي شهدت كشف وسائل إعلام إماراتية عن وجود مفرزة من القوات الجوية المصرية في الإمارات.
ويضاف إليها زيارة رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد إلى السودان التي اجتمع فيها مع رئيس مجلس السيادة الفريق عبدالفتاح البرهان، والاجتماع الثلاثي الجيبوتي الإثيوبي السوداني في جيبوتي ضمن الاحتفال بتنصيب رئيس جيبوتي إسماعيل عمر جيلة لولاية رئاسية جديدة.
تستطلع هذه الورقة دوافع تلك التحركات ومدى ارتباطها بالملفات ذات الصلة بالأمن القومي المصري؛ خصوصًا في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، والآفاق المحتملة أمام تلك الملفات على ضوء ما تفرزه تلك التحركات.
أولًا: العلاقات المصرية الإماراتية
لمصر علاقات ممتدة وراسخة مع دولة الإمارات تعود إلى عقود، وتأخذ العديد من المسارات بداية من المصالح الاستراتيجية العليا وصولًا إلى العلاقات الفنية والرياضية. وفي هذا السياق تعتبر مصر أمن الإمارات وأمن الخليج عمومًا من أمنها القومي؛ وهذا من ثوابت السياسة الخارجية المصرية. وتدير مصر علاقاتها مع الإمارات بأسلوب الإدارة المرنة الملائم للعلاقات الاستراتيجية؛ حيث يحفظ للعلاقات متانتها، ويتيح إدارة الخلافات إزاء بعض الملفات في الإطار العام من العلاقات الاستراتيجية. وفي هذا السياق ومن هذه المنطلقات، جاءت زيارة الرئيس السيسي إلى الإمارات؛ وهي الثانية من نوعها منذ تفجر الحرب على إيران نهاية فبراير الماضي؛ بما يظهر الأهمية التي تنظر بها مصر إلى منطقة الخليج، ومصالحها فيها.
ثانيًا: دلالات وجود المفرزة الجوية المصرية
على الرغم من أن المصادر الرسمية المصرية لم تعلن عن وجود عسكري مصري في الخليج عمومًا أو في الإمارات خصوصًا، ذكرت وسائل إعلام إماراتية أن مفرزة من القوات الجوية المصرية تتواجد في الإمارات للدفاع عن الأراضي الإماراتية ضد التهديدات الخارجية. وفي النظرة الأوليّة إلى هذه الخطوة المصرية، يمكن الربط بين هذا الوجود العسكري والأزمة الراهنة في الخليج من أكثر من زاوية.
الزاوية الأولى، يمكن اعتباره دعمًا مصريًّا للإمارات ضد أية محاولات إيرانية، لكن دون الاصطفاف مع الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران؛ فالغرض من وجود القوات دفاعي، وليس هجوميًّا. الزاوية الثانية، أن هذا الوجود قد يأتي في إطار المفاوضات الجارية بين إيران والولايات المتحدة؛ حيث تطلب إيران أن تتولى دول المنطقة مسألة تأمين أراضيها بعيدًا عن وجود قوات من الخارج.
لا تخلو هاتان المقاربتان للخطوة المصرية من منطق، لكنهما تغفلان الامتدادات الدولية للصراع في الخليج؛ حيث تصل تداعيات الحرب إلى مناطق مجاورة، منها القرن الإفريقي الذي يحتل مكانة بارزة في ملفات الأمن القومي المصري؛ سواءً فيما يخص أمن البحر الأحمر، أو ملف سد النهضة الإثيوبي.
ملف سد النهضة:
تعد الامارات من كبار الفاعلين في الاقتصاد الإثيوبي، وتحظى بعلاقات قوية مع مختلف القوى في منطقة القرن الأفريقي، حتى إقليم أرض الصومال الانفصالي. وتتركز هذه العلاقات في ملفات الموانئ والأمن، وتأتي ضمن استراتيجية إماراتية للتواجد في إفريقيا؛ وبوجه خاص في المناطق الساحلية ذات الموانئ الاستراتيجية. لذلك يمكن للإمارات أن تلعب دورًا مهمًّا في ملف سد النهضة بالضغط على إثيوبيا، و”تقريب وجهات النظر” المصرية الإثيوبية؛ ما يؤدي إلى تسوية الخلاف، والقضاء على بؤرة توتر كبيرة في القرن الإفريقي؛ وهو ما يؤدي بدوره إلى فتح المجال أمام المزيد من الاستثمارات الإماراتية في المنطقة التي تعتبر أحد المداخل إلى عمق القارة الإفريقية.
الوجود الإيراني في البحر الأحمر
في سياق آخر، قبل أسابيع، ذكرت مصادر صحفية دولية أن وفدًا عسكريًّا إيرانيًّا زار السودان لإعادة مناقشة مشروع القاعدة البحرية الإيرانية في السودان على البحر الأحمر؛ وهي الزيارة التي تأتي في سياق مساعي السودان للحصول على طائرات مسيرة من إيران في إطار حرب الجيش السوداني ضد متمردي قوات الدعم السريع، لاسيما فى أعقاب إلغاء السعودية الصفقة العسكرية الضخمة التى سبق الإعلان عن إبرامها لصالح السودان. وفي ظل الأزمة الحالية في الخليج، وجدت إيران في الطلب السوداني فرصة للخروج مما يمكن اعتباره “عزلة دولية” نتيجة الحرب الأمريكية الإسرائيلية عليها، فى الوقت الذى رأى بعض المسئولين فى الخرطوم أن إعادة العلاقات العسكرية مع طهران خلال تلك المرحلة يعد طوق النجاة عقب شن إثيوبيا هجمات عسكرية مباشرة عليها وتغيير ميزان القوى لصالح الدعم السريع.
يتعارض وجود القاعدة البحرية الإيرانية بالسودان مع الأمن القومي المصري بشكل واضح؛ فالاستراتيجية المصرية إزاء البحر الأحمر تقوم على أن أمنه مسئولية الدول المطلة عليه، ووجود قاعدة إيرانية قد يفتح الباب أمام محاولات دولية أخرى لإقامة مثل تلك القواعد على أبواب مصر الجنوبية، وفي منطقة حيوية بالنسبة لقناة السويس. لذلك يمكن فهم الخطوة المصرية بإرسال مفرزة القوات الجوية المصرية إلى الإمارات (المعروف على نطاق واسع أنها من كبار داعمي قوات الدعم السريع) على أنها رسالة إلى كل من إيران والسودان بأن لمصر أيضًا مصالحها التي تسعى إلى حمايتها وتطويرها، دون أن يتعارض ذلك مع التزاماتها في علاقاتها الدولية.
ثالثًا: إثيوبيا والتحرك في “الفراغ”
كان من الطبيعي أن تسعى إثيوبيا إلى استغلال هذه الأجواء بالسعي إلى التقارب مع السودان، بعد التوترات الأخيرة بينهما؛ إثر اتهامات سودانية إلى إثيوبيا باختراق طائرات مسيرة للأراضي السودانية، وتوجيه ضربات داخلها لأهداف سودانية، وبتقديم الدعم لقوات الدعم السريع المتمردة في حربها ضد الجيش السوداني. لذلك توجه رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إلى السودان، واجتمع مع الفريق عبدالفتاح البرهان الذي أعلن عقب اللقاء عن التوصل إلى تفاهمات مع آبي أحمد بشأن انتشار الجيش السوداني. وعلى الرغم من عدم وضوح التفاصيل الكاملة لهذه التفاهمات، فإنها تشير إلى مساعي إثيوبيا إلى تحقيق توازن في علاقاتها بأطراف الصراع في السودان؛ بحيث تحول دون ابتعاد الدولة السودانية عنها أكثر مما هو قائم؛ وهو أمر مهم لإثيوبيا على عدة محاور.
من بين هذه المحاور الموقف السوداني المتضامن مع الموقف المصري في ملف سد النهضة، حيث تتحسب إثيوبيا إلى أن يؤدي التقارب المصري الإماراتي الأخير إلى ممارسة الإمارات ضغوطًا على إثيوبيا في ملف سد النهضة. ومن المعلوم أن العلاقات الإماراتية بدول القرن الإفريقي في ملف الموانئ مهمة للغاية بالنسبة لإثيوبيا الحبيسة. ويحرص الإثيوبيون أيضًا على ضبط العلاقات مع الجيش السوداني؛ بحيث تأمن إثيوبيا من أن تؤدي الخلافات مع السودان إلى تسهيل انتقال السلاح والأفراد والمواد اللوجستية عبر الأراضي السودانية من خلال شبكات التهريب المنظمة إلى الجماعات المسلحة الناشطة في أكثر من إقليم داخل إثيوبيا.
رابعًا: جنوب السودان وتصعيد ضد مصر
لم تكتف إثيوبيا بمساعيها مع السودان، بل حرصت كذلك على فتح جبهة سياسية جديدة ضد مصر في جنوب السودان التي تحتفظ مصر معها بعلاقات جيدة في سياق تعزيز القاهرة علاقاتها مع دول حوض النيل والقرن الإفريقي. فقد صعدت جنوب السودان لهجتها ضد مصر في الفترة الأخيرة، وبدأ الأمر بتحركات سياسية على خلفية ملف لاجئيها في مصر؛ حيث قدمت شكوى ضد مصر في المفوضية العليا للاجئين تزعم فيها أن مصر تمارس إجراءات تضييق بحق اللاجئين الجنوب سودانيين في الأراضي المصرية.
ولم تمر أيام على هذا التحرك حتى ذكرت صحف جنوب سودانية أن رئيس البلاد سلفاكير ميارديت أصدر قرارًا بإغلاق ما سمتها التقارير الصحفية “القاعدة العسكرية المصرية” في منطقة “جوت” جنوب السودان، عند الحدود الإثيوبية.
وعلى الرغم من أن المصادر الرسمية المصرية لم تشر سواء إلى وجود قاعدة عسكرية مصرية في جنوب السودان، أو توضح هل هذا التواجد يأتى فى إطار قاعدة أم نقطة ارتكاز عسكرية، فإن القرار يأتي في سياق التقارب بين إثيوبيا وجنوب السودان اللتين تعتبران من داعمي قوات الدعم السريع المتمردة في السودان. وعلى الجانب المقابل، يمكن إعتبار أن انتهاء التواجد العسكرى المصرى بالقرب من الحدود مع إثيوبيا قد جاء فى إطار إعادة الترتيبات الأمنية فى المنطقة بشكل أوسع، وفى إطار صفقه أكبر ترعاها مصر والإمارات تتضمن حصول أديس أبابا على ضمانات تشمل تخفيف الضغوط العسكرية المصرية والتمهيد لإبرام إتفاق شامل مع دول المصب قبل الانتخابات الإثيوبية القريبة المقبلة.
تداعيات وآفاق
من المعلوم أن الدبلوماسية المصرية لا تتخذ خطوات من منطلق رد الفعل أو التحرك العشوائي، بل تكون دومًا داخل استراتيجية طويلة الأمد تحدد الأهداف، والممكن تقديمه لتحقيق هذه المستهدفات.
تتسم خطوة إرسال القوات المصرية إلى الإمارات بأنها خطوة كبيرة، يتعين أن تلقى ردًّا مناسبًا من أبو ظبى يتجاوز الخطوة التقليدية بضخ الاستثمارات في الاقتصاد المصري؛ لأن هذه الاستثمارات تحقق أرباحًا كذلك للاقتصاد الإماراتي، ولا تأتي مجانًا.
من المتوقع أن يكون الرد الإماراتي مطابقًا للمخاوف الإثيوبية بممارسة ضغوط على إثيوبيا في ملف سد النهضة، وإتاحة الفرصة أمام تفاهمات لتسوية الأزمة السودانية بما يحقق مكاسب لكل الأطراف المنخرطة في الأزمة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version