دكتور/ أحمد البدوي سالم
أستاذ العقيدة والفلسفة المساعد في جامعة الأزهر
زميل كلية الدفاع الوطني، الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية

في ظل ما تشهده الساحة الدولية من متغيرات وأحداث متلاحقة خصوصًا في منطقة الشرق الأوسط عقدت مجموعة يديعوت أحرونوت، بالتعاون مع معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي INSS، “مؤتمر الأمن القومي”، في 27 يوليو 2026م، بمشاركة سياسيين ومسؤولين دفاعيين رفيعي المستوى وباحثين ومختصين؛ لمناقشة واقع الأمن الإسرائيلي المتغير وخارطة التهديدات المتطورة.


وكان المحور الرئيس للمؤتمر عرض نتائج “مؤشر التهديدات التي تواجه إسرائيل” الصادر عن معهد دراسات الأمن القومي لأول مرة، وهي دراسة واسعة النطاق تجمع بين استطلاع الرأي العام الإسرائيلي، ودراسات معمقة وقد أجرى الباحثون مقابلات واستطلاعات مع نحو 147 خبيرًا، ودبلوماسيين أجانب وسياسيين وقادة ينتمون إلى فئات مختلفة من المجتمع الإسرائيلي، وبعد تحديد أربعة عشر سيناريو محتملًا، عرض الباحثون هذه السيناريوهات على قرابة ألف إسرائيلي وطلبوا منهم تقييم خطورة كل تهديد واحتمال وقوعه وحجم الضرر المتوقع في حال تحققه، ومدى استعداد الدولة لمواجهته، كما سمحوا للمشاركين باقتراح تهديدات لم يضعها الخبراء ضمن القائمة الأصلية، ترسم الدراسة خريطة لتصورات الجمهور وتقييمات الخبراء للتهديدات الرئيسة التي تواجه إسرائيل، بما في ذلك إيران، والساحة الفلسطينية، ومكانة إسرائيل الدولية، وقدرتها على الصمود، والتحديات الاقتصادية، ومناقشة ما تواجهه إسرائيل من متغيرات أمنية وسياسية وعسكرية واقتصادية، خصوًا حربها مع إيران ووكلائها، والمتغيرات في الشرق الأوسط، والضغوط على الساحة الدولية، والتحديات الداخلية الإسرائيلية، كلها تطرح تساؤلات جديدة أمام صناع القرار حول مستقبل وشكل إسرائيل في العقد القادم.
وقد كشفت وقائع المؤتمر عن تحول جذري في الخطاب الأمني الإسرائيلي، حيث تم تحديد الانقسام المجتمعي الداخلي واحتمال تراجع الدعم الأمريكي كتهديدات وجودية تضاهي، بل وتتجاوز المخاطر العسكرية الخارجية التقليدية من إيران ووكلائها، فبعد مرور ما يقرب من ثلاث سنوات على هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023، انعقد مؤتمر الأمن القومي الإسرائيلي في 27 يوليو 2026، لتقييم ورسم مستقبل إسرائيل في العقد المقبل، وذلك بدراسة معمقة للواقع الأمني والدبلوماسي والاقتصادي والاجتماعي المتغير في إسرائيل، ومن أهمية المؤتمر مشاركة القادة السياسيين، ورؤساء الأجهزة الأمنية السابقين، وكبار الباحثين، لمناقشة مسار البلاد خلال العقد القادم.


وكان أبرز ما عُرض في المؤتمر هو إطلاق “مؤشر التهديد الإسرائيلي” لأول مرة، وقد مثّل هذا المؤشر دراسة واسعة النطاق ذات شقين، صُممت لتجاوز التقييمات التقليدية للتهديدات من خلال القياس المنهجي ومقارنة التصورات العامة بتقييمات الخبراء، وقد وضع معهد الأمن القومي هيكلًا جديدًا مخصصًا لهذا المشروع، مما يشير إلى أن الأساليب السابقة في التقييم الاستراتيجي لم تعد كافية، ومن ثم تضمنت المنهجية مرحلتين رئيسيتين:
الأولى: استشارة الخبراء: حيث أجرى فريق البحث مقابلات معمقة وجهاً لوجه مع 147 خبيرًا من الجيش، والأجهزة الأمنية، والأوساط الأكاديمية، والصناعات الدفاعية، والحكومة، لتحديد وتعريف التهديدات الرئيسة خلال السنوات الخمس القادمة.
الثانية: استطلاعات الرأي العام: وذلك استنادًا إلى آراء الخبراء، حيث تم تصميم استطلاع للرأي العام داخل إسرائيل، وتم إجراؤه مرتين – الأولى في فبراير والثانية في يوليو 2026 – على عينة تمثيلية تضم حوالي ألف إسرائيلي، وقد سمح هذا النهج المزدوج لمعهد أبحاث ودراسات الأمن القومي (INSS) برصد كل من الإجماع المهني حول المخاطر الاستراتيجية ومخاوف الجمهور، مُسلطًا الضوء على الثغرات المحتملة في الإدراك التي قد تؤثر على صمود الجبهة الداخلية الإسرائيلية، ودعم السياسات، وقد شكّل المؤتمر نفسه منصة لعرض هذه النتائج لأول مرة.
• رسم خريطة بيئة التهديدات الجديدة:
كشف المؤتمر عن تحول جذري في كيفية إدراك المؤسسات والمراكز الأمنية الإسرائيلية لأخطر التهديدات التي تواجهها إسرائيل، وأظهرت المناقشات تحولًا واضحًا من التركيز الأحادي على الأعداء الخارجيين إلى تقييم أكثر تعقيدًا ومتعدد المستويات، حيث يُنظر إلى المخاطر الداخلية والخارجية على أنها مترابطة، ومن جدول أعمال المؤتمر: أبحاث التهديدات الإسرائيلية، مقابلة مع الباحث الرئيس العميد (احتياط) يوفال أيالون، وهو باحث كبير في معهد الدراسات الأمنية الوطنية، وكانت المحاورة: الصحفية شارون كيدونوقدم، وخطر فقدان الدعم الأمريكي في اليوم التالي لترامب خلال مقابلة مع اللواء (احتياط) تامير هيمان، رئيس معهد دراسات الأمن القومي (INSS).، وكان المحاور: الصحفي نداف إيال، وبحث الدعم البديل لإسرائيل – ماذا يحدث عندما يرحل الأب؟ خلال مقابلة مع العميد (احتياط) عساف أوريون، باحث أول ورئيس مركز ديان وجيلفورد جلاسر لسياسة إسرائيل والصين في معهد دراسات الأمن القومي (INSS)، والمحاور: الصحفي رون بن يشاي، والقيادة في الاختبار خلال مقابلة مع غادي أيزنكوت، الرئيس السابق للأركان، ورئيس حزب يشار، أجرى المقابلة: الصحفي موران أزولاي، والقيادة في الاختبار – أفيغدور ليبرمان، مقابلة مع أفيغدور ليبرمان، وزير الدفاع السابق، ورئيس حزب إسرائيل بيتنا وكان المحاور: الصحفي يوفال كارني، القيادة في الاختبار – إيتامار بن غفير، مقابلة مع إيتامار بن غفير، وزير الأمن القومي ورئيس حزب عوتسما يهوديت، وكان المحاور: الصحفي يوفال كارني، القيادة في الاختبار – نفتالي بينيت، مقابلة مع نفتالي بينيت، رئيس الوزراء السابق ورئيس حزب “معًا”، وأجرى المقابلة: الصحفي موران أزولاي، وتحدي المرونة الوطنية – هل حققنا توقعات السكان على الجبهة الشمالية؟ وكانت حلقة نقاش بمشاركة موشيه دافيدوفيتش، رئيس المجلس الإقليمي ميتا آشر؛ والدكتورة إيديت شفران جيتلمان، باحثة أولى في المعهد الوطني للأمن القومي؛ ولي-أت كوهين، نائب رئيس التخطيط والاستراتيجية في إدارة تنوفا للشمال، وكانت المحاورة المذيعة: الصحفية شارون كيدون، والصراع الإسرائيلي الفلسطيني – إن لم يكن إدارة للصراع، فماذا يكون إذن؟ حلقة نقاش تضم نعومي نيومان، الرئيسة السابقة لقسم الأبحاث في جهاز الأمن العام (الشاباك)؛ والباحثة الدكتورة أنات روث؛ والعميد (احتياط) عودي ديكل، الباحث الرئيسي في معهد الأمن القومي، المحاور المذيع: الصحفي إليشا بن كيمون، بينما تم مناقشة موضوع التهديد النووي الإيراني – بين الواقع المنظم والتنفيذ المستمر ناقشته لجنة الخبراء إيران أفنير فيلان، وداني سيترينوفيتش، وسيما شين، وأدار النقاش العميد (احتياط) عساف أوريون، باحث أول في معهد الدراسات الأمنية الوطنية، والقيادة في الاختبار مقابلة مع بتسلئيل سموتريتش، وزير المالية ووزير الدفاع، ورئيس الصهيونية الدينية، وأجرى المقابلة: الصحفي موران أزولاي، والقيادة في الاختبار مقابلة مع بيني غانتز، رئيس الأركان ووزير الدفاع السابق، ورئيس حزب أزرق وأبيض، وكان المحاور: الصحفي أمير إيتينجر، والقيادة في الاختبار خلال مقابلة مع اللواء (احتياط) يائير غولان، رئيس الحزب الديمقراطي، وكان المحاور: الصحفي أمير إيتينجر.


كما تم مناقشة موضوع: هل يتآكل التفوق النوعي على جبهة الأمن القومي بسبب خطر “هجرة العقول”؟ خلال جلسة نقاشية بمشاركة البروفيسور تامير شيفر، رئيس الجامعة العبرية في القدس؛ والعميد (احتياط) رام أمينوح، والعميد (احتياط) والمستشار المالي السابق لرئيس الأركان ورئيس قسم الميزانية في وزارة الدفاع؛ والبروفيسور أرييه تسابان، رئيس جامعة بار إيلان، وكان المحاور، المذيع: الصحفي تال شاهف، بالإضافة إلى مناقشة موضوع: ما وراء خريطة التهديدات – من المخاطر إلى الفرص، خلال مقابلة مع العميد (احتياط) درور شالوم، الرئيس السابق لقسم الأمن والشؤون السياسية في وزارة الدفاع. والذي يشغل حالياً منصب مستشار أول في جي بي مورغان غلوبال، وكانت المحاورة المذيعة: الصحفية شارون كيدون، وختامًا جلسة تقييم الوضع خلال مقابلة مع اللواء (احتياط) تامر هيمان، رئيس معهد دراسات الأمن القومي (INSS)، وكانت المحاورة المذيعة: الصحفية شارون كيدون.
وتنقسم التهديدات التي تمثل تهديدًا للأمن القومي الإسرائيلي وفق استطلاعات الرأي وجلسات المؤتمر والمقابلات وحلقات النقاش إلى: تهديدات داخلية وتهديدات خارجية:
• أولًا: التهديدات الداخلية: والتي تتمثل في: تراجع الطابع الديمقراطي للدولة، وتحوّل الانقسامات الداخلية إلى حرب أهلية، والصراع الفلسطيني، فقد اعتبرت الدراسة أن القضية الفلسطينية تهديد طويل الأمد، ووضعت ثلاثة مسارات محتملة، أهمها: ضم الأراضي الفلسطينية دون منح حقوق متساوية للفلسطينيين مع اليهود، والتحول إلى دولة ثنائية القومية، وإقامة دولة فلسطينية. أظهرت النتائج قدرًا من التوافق على خيار الدولة ثنائية القومية على أنه يمثل السيناريو الأكثر تهديدًا لمستقبل إسرائيل. ومن التهديدات الداخلية أيضًا: التحولات الديموغرافية وتراجع الإنتاجية، وهجرة أصحاب المهارات والكفاءات: يظهر هذا العامل كتهديد، حيث يخشى الإسرائيليون من هجرة العقول والقدرات العلمية، ويُقدّر أعداد المهاجرين بعشرين ألف مهاجر سنويًا.
• وقفة مع الانقسام الداخلي:
كان من بين المواضيع الرئيسة والمتكررة تحديد الانقسام المجتمعي الداخلي في إسرائيل كتهديد استراتيجي بالغ الخطورة، فقد أظهرت بيانات مؤشر التهديد أن 97% من المشاركين أعربوا عن قلقهم إزاء التهديدات الداخلية، مقارنةً بـ 80% ممن أعربوا عن قلقهم إزاء التهديدات الخارجية، وقد تجلّى هذا التخوف في خطر “الصراع العنيف بين مكونات المجتمع الإسرائيلي”، والذي صُنِّف ضمن أخطر المخاطر إلى جانب حصول إيران على أسلحة نووية (حيث ذكر 39% من المشاركين كلا الخطرين).
ونظرًا لخطورة التصدع في الجبهة الداخلية حذر خبراء في المؤتمر من الانقسامات العميقة حول قضايا الهوية والدين والخدمة العسكرية وأنها لا تُعدّ مجرد مشكلات اجتماعية، بل أصبحت تُضعف قدرة الدولة على التعبئة في حالات الطوارئ، مما يُشجع الأعداء الخارجيين على شن الهجوم على إسرائيل، وقد تناولت الدكتورة إيديت شفران غيتلمان، الخبيرة في العلاقات بين الجيش والمجتمع، تحدي الصمود الوطني في جلسة نقاشية مُخصصة لهذا الموضوع، كما تم مناقشة موضوع: خطر “هجرة العقول” – هل تتآكل الميزة النوعية على جبهة الأمن القومي؟، كما قدم أفيغدور ليبرمان، زعيم حزب “إسرائيل بيتنا”، مداخلة عن قانون التجنيد الإجباري، فذكر أن “كل من لا يلتحق بالمسار العسكري في جيش الدفاع الإسرائيلي سيلتحق بالمسار المدني. أما الباقون، إن لم يأتوا، فلن يحصلوا على أي مخصصات، ولن يحصلوا على أي تخفيضات في الضرائب البلدية أو رسوم رعاية الأطفال، وسيُسجل عليهم سابقة جنائية. وإذا لم يُصدر قانون التجنيد الإلزامي، فسيتعين على جميع المواطنين الإسرائيليين دفع ما لا يقل عن 16% زيادة في ضريبة الدخل”.
• ثانيًا: التهديدات الخارجية: وبحسب موقع عمون فإن هذه التهديدات تمثلت في:
1- تحول إيران إلى دولة تمتلك سلاحًا نوويًا: يرى الجمهور الإسرائيلي أن هذا السيناريو من أخطر السيناريوهات التي قد تسبب ضررًا بالغًا لإسرائيل.
2- التعرض لهجوم صاروخي واسع: حيث ذكرت الاستطلاعات مدى الخوف من تعرض إسرائيل لهجوم صاروخي واسع منسق من عدة جبهات، مما قد يلحق ضررًا بالغًا بالجبهة الداخلية الإسرائيلية.
3- استمرار الحرب فترة طويلة: برز هذا الأمر كتهديد بسبب إمكانية استنزاف الجيش وقوات الاحتياط والاقتصاد والمجتمع، ما يؤثر على اقتصاد إسرائيل.
4- تراجع الدعم الأمريكي: صنفت الدراسة تراجع الدعم الأميركي ضمن «التهديدات الاستراتيجية الخطيرة». فقد أصبح الجمهور أكثر وعيًا بحجم الدور الذي يؤديه الغطاء الأميركي في توفير السلاح والذخائر، والدفاع عن إسرائيل داخل المؤسسات الدولية ودعمها اقتصاديًا وسياسيًا.
5- العزلة الدولية الإسرائيلية وفقدان الشرعية الخارجية: حيث بينت الاستطلاعات تخوف الجمهور من تراجع المكانة الدولية لإسرائيل مما يؤدي إلى حرمانها من المساندة العسكرية والسياسية، ويفتح الباب أمام العقوبات والمقاطعة والقيود الاقتصادية والقانونية.
• وقفة مع تراجع الدعم الأمريكي:
كان من بين النتائج المهمة الأخرى الاعتراف بوجود أزمة استراتيجية في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، وقد لخصت هذا القلق جلسة المؤتمر التي حملت عنوان “الاستعداد للأسوأ: خطر فقدان الدعم الأمريكي بعد ترامب”.
وكان من أعمال في المؤتمر حول هذا الموضوع: القيادة تحت الاختبار، غادي آيزنكوت، ودراسة التهديدات الإسرائيلية قدمها يوفال أيالون، دعم بديل لإسرائيل – ماذا يحدث عندما يرحل الأب؟ قدمها أساف أوريون، خطر فقدان الدعم الأمريكي في اليوم التالي لترامب قدمها
اللواء احتياط/ تامير هايمان، المدير التنفيذي لمعهد الدراسات الأمنية والاستراتيجية، وقدم تحذيراً شديد اللهجة، مصرحاً بأن الخطر الاستراتيجي الأكبر الذي يهدد إسرائيل قد لا يكون إيران، بل “فقدان الدعم الشعبي الأمريكي”.، وقد لوحظ أنه في حين أصبحت السياسة الأمنية الإسرائيلية شخصية للغاية في ظل الرئيس ترامب، فإن الدعم المؤسسي والحزبي الأساسي “يتلاشى”، مع تزايد الآراء السلبية تجاه إسرائيل بين الشباب الأمريكي، بمن فيهم الجمهوريون.
كما بين العميد (احتياط) آساف أوريون أن الحرب الطويلة ضد حماس وحزب الله كانت من المستحيلات لولا الأسلحة الأمريكية والغطاء السياسي الأمريكي، كما جادل بأنه في حين يمكن لإسرائيل تقليل اعتمادها، إلا أنها لا تستطيع التحرر منه، محذراً من مستقبل “يغيب فيه الأب”. وقد أكد مؤشر التهديدات هذا الخوف، حيث صُنِّف “فقدان الدعم الأمريكي” كأحد أخطر التهديدات، وتضاعفت احتمالية حدوثه في غضون أشهر قليلة.
• وقفة مع تهديد إيران للأمن القومي الإسرائيلي:
بينما هيمنت المخاوف الداخلية والدولية على النقاش، ظلت التهديدات الأمنية التقليدية محورية والتي تتمثل في إيران، فقد ضمت حلقة نقاش بعنوان: “التهديد النووي الإيراني: بين واقع متفاوض عليه واستمرار فرضه، وموضوع التهديد النووي الإيراني – بين الواقع المنظم واستمرار تطبيق القانون، قدمه خبراء مثل سيما شين وداني سيترينوفيتش، وأساف أوريون، وقد أظهر مؤشر التهديدات أن 39% من المشاركين في الاستطلاع صنفوا إيران النووية ضمن أخطر ثلاثة تهديدات، بينما اعتقد 67% منهم أنها ستلحق ضررًا كارثيًا بالبلاد، وكشف استطلاع رأي محدد حول فعالية العمل العسكري عن تشاؤم متزايد؛ إذ انخفضت نسبة الجمهور الذين يعتقدون أن حملة مستقبلية قادرة على تفكيك برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني بشكل كبير من 73% في بداية العام إلى 28% فقط بحلول يوليو 2026.
ومن المثير للدهشة أن الصراع الفلسطيني استُبعد من القائمة العامة للتهديدات الأربعة عشر، ودُرِسَ بشكل منفصل، وكان هذا خيارًا منهجيًا متعمدًا يهدف إلى تقييم الأهمية الاستراتيجية للصراع، وكانت النتائج لافتة: فقد اعتبر 53% من الجمهور و78% من الخبراء الصراع “تهديدًا بالغ الأهمية”. ومع ذلك، عند سؤالهم عن الأولويات، اعتقدت الأغلبية (68%) أن “التهديدات العامة” (إيران، الانقسام الداخلي) لها أولوية أعلى من الصراع الفلسطيني نفسه.
وقد عكست احدى جلسات المؤتمر والتي كانت بعنوان “الصراع الإسرائيلي الفلسطيني: إن لم يكن إدارة الصراع، فما الحل؟” المأزق الاستراتيجي العميق، واختلف المتحدثون بمن فيهم نعومي نيومان وأودي ديكل، حول الحلول ووصف بعضهم اتفاقيات أوسلو بأنها “ميتة”. وبدا أن النقاشات قد تحولت من حل الدولتين إلى إدارة الصراع أو استكشاف سيناريوهات أخرى، والتي اعتُبرت بدورها تهديدات لمستقبل إسرائيل.
• النتائج الاستراتيجية والمسار المستقبلي:
اختتم المؤتمر برسالة واضحة ومقلقة للقيادة الإسرائيلية: بأن إسرائيل تواجه حلقة من أربعة تهديدات: صراع داخلي حاد، وإيران النووية، وهجوم صاروخي واسع النطاق، وتآكل الديمقراطية حيث تتداخل التهديدات فيما بينها، وقدمت نتائج تشخيصًا جوهريًا لاستشراف مستقبل إسرائيل خلال العقد المقبل، كما بين مؤتمر الأمن القومي أنه عفا على الزمن مفهوم التهديد الأحادي المهيمن، وإن التهديدات انتقلت إلى سلسلة متشابكة من الأزمات مثل: الانقسام الداخلي، والعزلة الدولية، والحملات العسكرية، يمكنها ان تتفاقم لتحدث سلسلة من ردود الفعل مثل تأثير الدومينو.
كما أبرز المؤتمر الفشل الاستراتيجي لإسرائيل، حيث وجه درور شالوم، المسؤول الدفاعي السابق نقدًا لاذعًا للقيادة الإسرائيلية، مصرحًا بأن إسرائيل تعاني من “فشل استراتيجي”، واستدل على ذلك بأن حماس وحزب الله وإيران ما زالت نشطة، وأن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لتأمين الدولة دون واقع سياسي جديد، ودبلوماسية، وأسس داخلية متينة.
كما كشف المؤتمر عن المعضلة الجوهرية التي تواجه إسرائيل المتمثلة في: هل تستطيع الحفاظ على هيمنتها العسكرية ومكانتها الدولية في ظل تمزق نسيجها الاجتماعي الداخلي وتآكل علاقتها الأساسية مع الولايات المتحدة؟ فكان المؤتمر بمثابة دراسة متفحصة لمستقبل إسرائيل خلال العقد المقبل، وأن أخطر ما يواجه الأمن القومي من تهديدات داخلية متمثلة في: تراجع الطابع الديمقراطي للدولة، وتحوّل الانقسامات الداخلية إلى حرب أهلية، والقضية الفلسطينية والتحول إلى دولة ثنائية القومية، والتحولات الديموغرافية وتراجع الإنتاجية، و هجرة أصحاب المهارات والكفاءات، وأن التهديدات الخارجية تمثلت في: تحول إيران إلى دولة تمتلك سلاحًا نوويًا، والتعرض لهجوم صاروخي واسع، واستمرار الحرب فترة طويلة الأمد، وتراجع الدعم الأمريكي، والعزلة الدولية الإسرائيلية وفقدان الشرعية الخارجية، وهذا ما أعلنه مؤتمر الأمن القومي الإسرائيلي.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version