د. محمد محسن أبو النور
رئيس وحدة الدراسات الإيرانية بمركز الدراسات الإستراتيجية وتنمية القيم
دخلت المواجهة الأمريكية ـ الإيرانية خلال سبتمبر 2026 مرحلة مختلفة نوعيا عن المراحل السابقة من الحرب، ذلك أن واشنطن لم تعد تعتمد على العقوبات المالية والنفطية بوصفها أداة الضغط الرئيسية، وإنما انتقلت إلى استهداف الحلقة المادية التي تسمح لإيران بتحويل صادراتها النفطية إلى موارد مالية، أي النقل البحري نفسه.
أولا: خبرة حرب الناقلات بالثمانينيات
في 5 سبتمبر 2026، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية استهداف ثلاث ناقلات نفط إيرانية وتعطيلها بصورة دائمة، بعد إطلاق الحرس الثوري صواريخ باتجاه سفينتين حربيتين أمريكيتين، وبذلك انتقلت المواجهة عمليا من حماية الملاحة وفرض الحصار إلى معادلة أكثر مباشرة يمكن وصفها بمرحلة حرب الناقلات التي أعادت الحوادث من كتب تاريخ ثمانينات القرن العشرين إلى وقائع الحرب في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين.
ويكتسب هذا التحول أهميته من أن العقوبات الأمريكية في إطار عملية “المنبوذ الاقتصادي”، رغم تأثيرها الكبير، كانت تترك لإيران مساحة للمناورة من خلال أسطول الظل، والوسطاء، وشبكات التأمين والتمويل، والمشتري الصيني، أما الحصار البحري فيستهدف قدرة طهران على نقل النفط فعليا.
وتشير بيانات تتبع حركة النفط التي نقلتها رويترز إلى أن تحميلات الخام الإيراني انخفضت من نحو مليوني برميل يوميا في مارس إلى ما بين 220 و255 ألف برميل يوميا في أغسطس، في حين يقترب معدل التضخم الإيراني خلال 2026 من 70% وفق تقديرات صندوق النقد الدولي.
ثانيا: تفسير ظاهرة الخنق الاقتصادي البحري
تكشف التطورات الأخيرة أن إستراتيجية واشنطن تجاوزت مفهوم العقوبات التقليدية. ففي أبريل 2026 استهدفت وزارة الخزانة الأمريكية مصفاة صينية مستقلة، إضافة إلى نحو أربعين شركة وسفينة مرتبطة بأسطول الظل الإيراني، مؤكدة أن هذا الأسطول يمثل أحد أهم مصادر التمويل التي تسمح لطهران بمواصلة نشاطها الاقتصادي والعسكري. وفي يوليو وسعت الخزانة الأمريكية الضغوط لتشمل شبكات التأمين البحري المرتبطة بالحرس الثوري، إلى جانب ناقلات تنقل ملايين البراميل من النفط الإيراني.
لكن الجديد أن هذه الأدوات المالية أصبحت مدعومة بالقوة البحرية. فقد أعلنت واشنطن منذ يوليو فرض حصار على السفن الداخلة إلى الموانئ الإيرانية أو الخارجة منها، وأكدت القيادة المركزية الأمريكية أنها أعادت توجيه عشرات السفن التجارية التي حاولت تجاوز الحصار، وفي أغسطس 2026م، قالت الإدارة الأمريكية إن نحو 1500 سفينة تجارية عبرت مضيق هرمز تحت الحماية الأمريكية، وإن عشرات السفن التي حاولت كسر الحصار أعيد توجيهها وعادت إلى المواني الإيرانية.
وبالتالي فإن إستراتيجية واشنطن الحالية تقوم على تجفيف قدرة إيران على تحويل النفط إلى سيولة مالية من خلال الجمع بين ثلاثة مستويات:
العقوبات على المنتجين والوسطاء.
تعطيل شبكات النقل والتأمين.
استخدام القوة البحرية لمنع تصدير النفط فعليا.
ولعل هذه نقلة مهمة؛ لأن العقوبات يمكن التحايل عليها، أما تعطيل حركة الناقلات في البحر فيرفع تكلفة التحايل بصورة كبيرة.
ثالثا: دلالات لجوء إيران وأمريكا إلى معادلة الـ”ناقلة مقابل ناقلة”
يمثل استهداف الناقلات الإيرانية في سبتمبر 2026م، نقطة تحول في قواعد الاشتباك، ففي السابق كان بإمكان واشنطن أن تقول إن عملياتها تستهدف الصواريخ والطائرات المسيرة والألغام أو السفن التي تنتهك العقوبات، أما استهداف ناقلات النفط مباشرة، فقد جعل الأصول الاقتصادية الإيرانية جزءا من بنك الأهداف العسكري.
وقد تواترت خلال الأيام الأولى من سبتمبر 2026م، تقارير عن اعتماد واشنطن معادلة “ناقلة مقابل ناقلة”، أي الرد على استهداف السفن التجارية أو تعطيلها باستهداف ناقلات مرتبطة بإيران وشبكات تصدير نفطها.
وفي الخامس من سبتمبر أعلنت سنتكوم فعليا تعطيل ثلاث ناقلات إيرانية بعد الهجمات الصاروخية الإيرانية على سفن أمريكية، وتكمن خطورة هذه المعادلة في أنها تنقل الصراع من المجال العسكري إلى المجال الاقتصادي المباشر.
فإذا أصبحت كل عملية إيرانية ضد سفينة تجارية قابلة لأن تؤدي إلى خسارة ناقلة إيرانية، فإن طهران ستواجه معادلة تكلفة جديدة تنهض على الإجابة عن السؤال المركزي وهو: هل تستطيع تحقيق مكسب عسكري في هرمز إذا كان ثمنه تقليص قدرتها على تصدير النفط؟
غير أن هذه السياسة تحمل في المقابل مخاطرة واضحة لواشنطن، فكلما اتسعت دائرة استهداف الناقلات، أصبح من الصعب الفصل بين الحرب على إيران والحرب على سوق الطاقة العالمية.
وقد ارتفع سعر خام برنت بالفعل إلى نحو 99 دولارا للبرميل في يوم 8 سبتمبر 2026م، مع تصاعد المخاوف بشأن الإمدادات، بينما يمر عبر هرمز نحو خمس الإمدادات العالمية من النفط والغاز الطبيعي المسال، ومن ثم، فإن واشنطن لا تحتاج فقط إلى إثبات قدرتها على ضرب الناقلات الإيرانية؛ وإنما تحتاج أيضا إلى إثبات قدرتها على منع تحول حرب الناقلات إلى أزمة طاقة عالمية.
رابعا: إمكانية اعتراض واشنطن أسطول الظل المتجه إلى الصين
يمثل النفط الإيراني المتجه إلى الصين الاختبار الأصعب للإستراتيجية الأمريكية، فالصين ليست مجرد مشتر للنفط الإيراني، وإنما هي المنفذ الرئيسي المتبقي أمام طهران لتسييل جزء من صادراتها النفطية.
ولذلك فإن استهداف ناقلة إيرانية في المياه الدولية يختلف إستراتيجيا وقانونيا عن اعتراض ناقلة تحمل شحنة إيرانية إلى مشتر صيني أو مرتبطة بشركات صينية، وحتى الآن، تبدو واشنطن أكثر ميلا إلى التضييق الانتقائي من إعلان حرب مفتوحة على الأسطول المتجه إلى الصين.
فوزارة الخزانة الأمريكية استهدفت بالفعل شركات وسفنا مرتبطة بالصادرات الإيرانية إلى الصين، بما في ذلك ناقلات تديرها شركات مقرها هونج كونج، كما استهدفت مصافي “الشاي الصيني” التي تشتري النفط الإيراني أو ما تم الاصطلاح عليه بمفهوم “أباريق الشاي” الصينية التي تكرر النفط الإيراني الخام في الصين.
والسبب أن تحويل الحصار الإيراني إلى مواجهة بحرية مباشرة مع سفن أو شركات صينية قد يغير طبيعة الحرب نفسها، فالضغط على إيران يمكن أن يبقى ضمن إطار الحرب الأمريكية ــ الإيرانية، أما اعتراض سفن صينية بصورة متكررة فيمكن أن ينقل الصراع إلى مستوى العلاقات الأمريكية ــ الصينية، وقد يحول الحرب الإقليمية بين أمريكا وإسرائيل ضد إيران إلى حرب عالمية أمريكية ضد الصين.
وتشير حركة السوق الصينية إلى أن بكين نفسها تتعرض لضغط متزايد في هذا الإطار، فقد بلغت وارداتها البحرية من النفط الخام نحو 7.14 مليون برميل يوميا في أغسطس 2026م، مقارنة بنحو 11.41 مليون برميل يوميا قبل الحرب، وفقا لبيانات نقلتها رويترز.
لذلك فإن الصين تمثل حدا إستراتيجيا للتصعيد الأمريكي، وليس بالضرورة مانعا مطلقا له، ومن المعروف أن واشنطن تستطيع رفع تكلفة وصول النفط الإيراني إلى الصين، لكنها ستتردد في جعل كل ناقلة مرتبطة بالصين هدفا عسكريا؛ لأن ذلك قد يفتح جبهة إستراتيجية لا ترغب الإدارة الأمريكية في فتحها بالتزامن مع الحرب الإيرانية.
خامسا: أفق المواجهة العسكرية بين إيران وأمريكا في مرحلة حرب الناقلات
رغم التفوق الأمريكي الكبير، لا تبدو الحرب البرية الشاملة خيارا مرجحا، ذلك أن التجربة التاريخية للولايات المتحدة الأمريكية في العراق وأفغانستان، فضلا عن الطبيعة الجغرافية والديموجرافية لإيران، تجعل إسقاط النظام بالقوة العسكرية المباشرة عملية شديدة التكلفة.
ولهذا يبدو أن واشنطن تفضل صيغة مختلفة تنهض على التالي:
الضربات العسكرية المتكررة.
الحصار البحري.
استهداف البنية العسكرية.
العقوبات الاقتصادية.
فتح النافذة التفاوضية.
وتؤكد تصريحات الرئيس ترامب هذا النمط من التفكير، فقد أعلن أن الولايات المتحدة تسيطر على هرمز، لكنه في الوقت نفسه أبقى الباب مفتوحا أمام الاتفاق، وقال في يوليو 2026م، إن واشنطن تستطيع ضرب البنية التحتية الإيرانية إذا لم تتوصل طهران إلى اتفاق، مع إشارته إلى أنه يفضل تجنب ذلك إذا أمكن.
وبعبارة أخرى، لا يبدو الهدف الأمريكي الحالي هو تحقيق “نصر عسكري نهائي” بالمعنى التقليدي، وإنما إنتاج وضع تفاوضي جديد تكون فيه الخيارات الإيرانية أضيق بكثير مما كانت عليه قبل الحرب.
خاتمة
دخلت الحرب الأمريكية ــ الإيرانية مرحلة جديدة مع تحول الناقلات من مجرد وسيلة لنقل النفط إلى أداة في الصراع العسكري والاقتصادي ذاته، وقد أثبتت واشنطن حتى الآن قدرتها على تعطيل جزء كبير من صادرات النفط الإيرانية، ورفع تكلفة استخدام أسطول الظل، وفرض واقع بحري جديد في هرمز، لكن هذه القدرة لا تعني أن واشنطن حسمت الحرب، إذ إن انخفاض حركة الملاحة وارتفاع أسعار النفط يفرضان تكلفة على الولايات المتحدة وحلفائها والأسواق العالمية أيضا.
وعليه، فإن المعركة المقبلة لن تكون حول قدرة الولايات المتحدة على ضرب ناقلة إيرانية أخرى، وإنما حول من يستطيع تحمل تكلفة حرب الناقلات لفترة أطول، وتحاول إيران تحويل هرمز إلى ورقة ضغط على الاقتصاد العالمي، بينما تحاول واشنطن تحويل هرمز إلى أداة لخنق الاقتصاد الإيراني.
وبين الإستراتيجيتين ستبقى الصين العامل الأكثر حساسية، فيما سيظل الداخل الإيراني المتغير المحتمل هو الورقة التي يمكن أن تنتقل بها واشنطن من محاولة إجبار النظام على تغيير سلوكه إلى التأثير في مستقبل النظام نفسه، وإذا لم تحدث تسوية سياسية قريبة، فإن السيناريو الأرجح هو استمرار إستراتيجية الاستنزاف الهجين القائم على الحصار الاقتصادي والبحري، والضربات العسكرية المحدودة، والضغط على الداخل، والتفاوض المتقطع من موقع القوة.
