حسين محمود التلاوي
المستلخص:
ركزت تحليلات إثيوبية على استراتيجية مصر في البحر الأحمر والأزمة السودانية، لكنها تغافلت عن نقاط موضوعية أخرى تتعلق بالترويج للسردية الإثيوبية ضمن سياسة إعلامية إثيوبية أوسع تروج لسرديات الدولة، وتستخدم وسائل التواصل الاجتماعي، والتحليلات الاستراتيجية، وتصريحات مسئولين سابقين وشخصيات عامة.
تعددت عناوين التحليلات الإخبارية والاستراتيجية الإثيوبية التي تناولت التحركات المصرية في القرن الإفريقي والأزمة السودانية في ظل التطورات الأخيرة بين السودان وإثيوبيا. تستعرض هذه الورقة مجموعة عناوين مع نظرة تحليلية توضح ضعف الأسس التي بنيت عليها تلك الرؤى الإثيوبية.
إثيوبيا تستشعر الخطر
في موقع معهد الشئون الخارجية الإثيوبي ورد تحليل للاستراتيجية المصرية في البحر الأحمر بعنوان “قوس التطويق المصري: موضع إثيوبيا في مسرح النيل-البحر الأحمر” للباحث بالمعهد “ميهيريت زيليكي”. تناول التحليل طبيعة الاستراتيجية المصرية في البحر الأحمر بالتحليل، ومدى تأثر إثيوبيا بها، وما يتعين على الإثيوبيين فعله لـ”مواجهة” هذه الاستراتيجية المصرية. يرى المحلل الإثيوبي أن مصر انتقلت “في مواجهتها مع إثيوبيا” من الخلاف الثنائي المباشر حول سد النهضة إلى إستراتيجية تطويق جغرافي منسق؛ مما دفع أديس أبابا إلى إعادة تنظيم موقفها الإقليمي لمواجهة “التطويق” الذي يمتد من النيل إلى البحر الأحمر. ويرى التحليل أن عام 2023م كان نقطة التحول الرئيسية؛ حيث تسبب اكتمال ملء السد واندلاع الحرب السودانية في انهيار مسار المفاوضات الثلاثية، ويرى أن ذلك أدى إلى “نقل القاهرة للصراع إلى جبهات جديدة”، في استفادة من الأزمات الإقليمية لبناء تحالفات محيطة بإثيوبيا عبر إريتريا والسودان والصومال. ويرى المحلل أن هذه التحركات المصرية ترتكز على علاقات ثنائية خارج مظلة الإفريقي الذي تتمتع إثيوبيا بنفوذ فيه باعتبارها دولة المقر.
وينتقل التحليل إلى تفصيل تلك التحركات المصرية، فيشير إلى أنها شملت توقيع بروتوكول تعاون عسكري مع الصومال أدى إلى إرسال قوات مصرية إلى مقديشو، وتكثيف التنسيق الدبلوماسي والعسكري مع إريتريا، ودعم القوات المسلحة السودانية لـ”ضمان نفوذ دائم على الحدود الغربية لإثيوبيا”، فضلًا عن السعي إلى “إقصاء أديس أبابا” عن الترتيبات الأمنية الناشئة في البحر الأحمر.
وفي المقابل، يوضح التحليل أن إثيوبيا تبنت ما وصفه بـ”الاستراتيجية المضادة”، ويقول إنها ترتكز على أربعة مسارات لحماية عمقها الإمني، بالسعي الى تأمين منفذ بحري مباشر عبر مذكرة التفاهم مع إقليم أرض الصومال الانفصالي لكسر العزلة البحرية، وتعميق شراكاتها الأمنية والعسكرية مع الإمارات وتركيا وإسرائيل للحصول على دعم تقني واستخباراتي “تفشل القاهرة في إحباطه”، إلى جانب ترسيخ الاستقرار في إقليم تيجراي لتأمين جبهتها الشمالية، وتوسيع دبلوماسيتها في حوض النيل عبر اتفاقية الإطار التعاوني لمنع عزلها مائيًّا. ويختتم الكاتب في تحليله إن قدرة إثيوبيا على اختراق هذا الطوق تبقى رهنًا بمدى نجاحها في تأمين المنفذ البحري خلال المرحلة المقبلة.
تجاهل الدوافع المصرية والأزمات الإثيوبية
من النظرة المبدئية على التحليل، يتضح تبنيه لوجهة النظر الإثيوبية إلى حد تجاهل عدد من الاعتبارات، ومنها
أولًا – الدوافع الذاتية لمصر: يرى التحليل أن مصر تتحرك في السودان والقرن الإفريقي والبحر الأحمر بهدف تطويق إثيوبيا ، بعيدًا عن الاعتبارات الأمنية الأخرى لمصر؛ ومنها حماية الأمن القومي المصري في مجالاته الحيوية، ومكافحة الإرهاب، وحماية الملاحة الدولية.
ثانيًا – تجاهل طبيعة الأزمات الإقليمية ودور إثيوبيا: يتجاهل التحليل أن توثيق الصومال علاقاتها الأمنية والعسكرية مع مصر جاء مدفوعًا بتوقيع إثيوبيا مذكرة تفاهم مع إقليم أرض الصومال الانفصالي لاستغلال ميناء بربرة؛ وهو التحرك الذي يمثل انتهاكًا لسيادة الصومال ووحدة أراضيه. وفيما يخص السودان، يغفل التحليل أن العلاقات المصرية مع القوات المسلحة السودانية تحكمها روابط تاريخية وأمن حدودي مباشر، والقول بأنها مجرد “محور تطويق” يغفل تعقيدات الحرب الأهلية السودانية، وتداعياتها المباشرة والمعلومة على الأمن القومي المصري، بمختلف مساراته.
ثالثًا – إغفال الضعف البنيوي الإثيوبي: يستعرض التحليل ما أسماه “الاستراتيجية الإثيوبية المضادة”، لكنه يتجاهل الهشاشة الداخلية الكبيرة التي تواجهها بلاده. من أوجه ذلك أن الاستقرار في إقليم تيجراي لا يزال هشًّا، وسط تصاعد بطيء لاحتمالات تفجر المواجهة، إلى جانب الصراعات المسلحة مستعرة في الأقاليم الأخرى، فضلاً عن الأزمة الاقتصادية الطاحنة. كل هذه الاعتبارات تجعل قدرة إثيوبيا على تمويل وتنفيذ “اختراق بحري” أو الدخول في مواجهة إقليمية متعددة المحاور أمرًا مشكوكًا فيه.
رابعًا – دور القوى الدولية ومصالحها : يتعامل الكاتب مع منطقة القرن الإفريقي على أنها “مسرح مغلق” لصراع ثنائي بين مصر وإثيوبيا بمعزل عن تأثير مصالح القوى الدولية على أزمات الإقليم. وبينما يشير إلى أن إثيوبيا عززت علاقاتها مع عدد من الدول للتصدي للاستراتيجية المصرية، يتجاهل أن لهذه الدول مصالح مع مصر، ومصالح مع دول أخرى في الإقليم، تتعارض مع الطموحات الإثيوبية فيه. ويكفي في ذلك الإشارة إلى المصالح التركية في الصومال، ومصالح دول الخليج مع مصر؛ وبوجه خاص في ظل عدم وضوح الأفق أمام الأزمة الإيرانية.
الأزمة السودانية ومحاولة “تفكيك” الدولة
ورد كذلك تحليل في موقع معهد الشئون الخارجية حول الأزمة السودانية بعنوان “تشظي السودان: صعود الإقطاعيات المهيئة خارجيًّا” للباحث في المعهد “سيفان تاديس”. يرى الباحث أن الصراع في السودان لم يعد مجرد مواجهة تقليدية بين مركزين مسلحين هما القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، بل تحول إلى حالة “تفتت دائم تتغذى خارجيًّا”، ويشير إلى نشوء ما أسماه “إقطاعيات عسكرية” مسلحة تضمن بقاءها عبر قنوات عابرة للحدود؛ تشمل تهريب السلاح، وأسواق الذهب واللوجستيات، ودعم القوى الإقليمية. ويشير إلى ملامح هذا التقسيم فيقول إنها تظهر بوضوح في جبهتين رئيسيتين.
أول جبهة المنطقة الغربية في دارفور وكردفان، التي تمثل نموذجًا لاقتصاد الحرب المرتبط بدول الجوار كتشاد وليبيا وجنوب السودان؛ إذ يمثل الذهب المورد الأساسي الذي يحول السيطرة الجغرافية إلى سيولة مالية وقوة عسكرية مرنة عبر شبكات إمداد عابرة للحدود “بعيدًا عن سيطرة الدولة، ولا تتأثر باستمرار الدولة من عدمه”. والجبهة الثانية، في المقابل، تظهر في المنطقة الشرقية التابعة للجيش، التي تعتمد على شرعية الدولة الرسمية والاعتراف الدولي مستغلة موقع بورتسودان الإستراتيجي كمنفذ دبلوماسي ومالي وإنساني.
ويرى الباحث أن تدفق الأسلحة الخارجية والطائرات المسيّرة زاد من ترسيخ الانقسام؛ إذ أصبحت “الجماعات المسلحة” قادرة على شن هجمات بعيدة المدى وحماية مناطق نفوذها دون الحاجة إلى إدارة “دولة مركزية متماسكة”. ويخلص التحليل إلى أن أزمة السودان لم تعد شأنًا داخليًا فقط، بل تحولت إلى قضية إقليمية تؤثر في أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي وتدفقات اللاجئين والسلاح.
إصرار على “تفكيك” السودان
على الرغم من أن الكاتب حاول تبني منهجية تحليلية، لكنه أخفق في اتباعها إلى النهاية؛ حيث ظهر إصراره، في مختلف جوانب التحليل، على فكرة تقسيم السودان وانهياره، وعدم وجود إمكانية لتوحيده مرة أخرى؛ وهي رؤية تتفق مع المصالح الإثيوبية التي ترى أن وجود سودان قوي يعني عرقلة مخططات إثيوبيا في مياه النيل، ودعم الموقف المصري في عدد من الملفات لوقف التغول الإثيوبي على دول الإقليم.
ركز التحليل على ديناميات الانهيار والتشظي أكثر من بحثه في القوى الاجتماعية والسياسية التي قد تدفع نحو إعادة التوحيد؛ بما يوحي أن التفكك يبدو شبه محتوم، على الرغم من أن تجارب دول أخرى أظهرت أن الحروب الطويلة لا تؤدي دائمًا إلى تقسيم دائم. كما يفترض التحليل أن خطوط التقسيم الحالية بين الشرق والغرب باتت شبه ثابتة كأمر واقع، وهو ما يتناقض مع الطبيعة المتغيرة للحرب السودانية، حيث تشهد الجبهات عمليات كر وفر مستمرة؛ وبوجه خاص في ظل المكاسب التي يحققها الجيش السوداني في عدد من المناطق الاستراتبجبة؛ ما يؤدي إلى تغيير خريطة السيطرة على المعابر والمطارات وحقول النفط والذهب بشكل دوري. يجعل ذلك وصف هذه المناطق بـ”الإقطاعيات المستقرة” حكمًا متسرعًا تعارضه التطورات الميدانية، لكنه يتفق مع النظرة الإثيوبية الرامية إلى الترويج الإعلامي بأن السودان يعاني التفكك والخروج عن سيطرة الدولة بشكل نهائي.
الخلاصة
لا تقدم التحليلات ومراكز الأبحاث الإثيوبية نظرة موضوعية، لكنها تقدم رؤى تلعب دورًا في السياسة المعتادة الإثيوبية من استخدام الإعلام للترويج الإعلامي لصور ذهنية معينة عن قضايا الإقليم؛ ضمن استراتيجية إعلامية واسعة تشمل وسائل التواصل الاجتماعي والتحليلات السياسية وتصريحات المسئولين السابقين والشخصيات السياسية المرتبطة بدوائر صنع القرار الإثيوبي.
أحدث المنشورات
- تصدعات الداخل وضغوط الخارج: تفكيك للمأزق الإثيوبي الراهن
- قلعة الشقيف اللبنانية في الوعي الإسرائيلي: الجغرافيا والذاكرة والسياسة في زمن الأزمات الاستراتيجية
- المشهد الإثيوبي الراهن: صراعات الهوية بالداخل وإعادة تشكيل النفوذ بالخارج
- مصر في البحر الأحمر والسودان: تحليلات إثيوبية تستشعر الخطر
- من التصعيد إلى التفاهمات قراءة في دلالات اللقاء الإماراتي السوداني ومسار الوساطة المصرية التركية
- الإنترنت والتنمية الشاملة في إفريقيا: علاقة دائرية
- إعادة دمج إثيوبيا في الحسابات الأمريكية وتداعياته على استقرار المنطقة والدور المصري في إدارة التوازنات
- المعارضة التركية بين المطرقة والسندان
الثلاثاء, 2 يونيو
