د. نهال حمدي
باحثة بوحدة الدراسات الإيرانية
تظل العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران واحدة من أكثر العلاقات تعقيدًا في النظام الدولي المعاصر، حيث تتداخل فيها الأبعاد النووية، والأمن الإقليمي، والعقوبات الاقتصادية، والصراعات الأيديولوجية، وبالرغم من التاريخ الطويل من العداء وانعدام الثقة، فإن سؤال إمكانية التوصل إلى اتفاق جديد أو مُحدَّث بين الطرفين يظل مطروحًا بقوة، خاصة في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة، وفي ظل عقد جولة من المباحثات في سلطنة عمان بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف يوم الجمعة 6 فبراير 2026م.
آفاق المباحثات الإيرانية – الأمريكية
تستمر المباحثات الإيرانية – الأمريكية كأحد أهم الملفات الإستراتيجية في المنطقة، وهذه المباحثات، التي تجري خلف الأبواب المغلقة، هي نتاج تداخل الضغوط الاقتصادية، والتراجع الكبير في قيمة العملة، وارتفاع معدلات التضخم، ومعاناة المواطنين اليومية، إلى جانب الانقسامات المتزايدة داخل النخبة الحاكمة وبين التيارات السياسية المختلفة، مع التساؤل المركزي: هل يمكن لهذه المباحثات أن تؤدي إلى اتفاق حقيقي ومستدام؟
لا يمكن إنكار أن هذه المباحثات تأتي في وقت تواجه فيه إيران أزمة اقتصادية عميقة تهدد استقرارها السياسي والاجتماعي، إذ تُظهر البيانات الرسمية أن معدلات التضخم السنوي بلغت نحو 42% وفق أحدث إحصاءات مركز الإحصاء الإيراني، بينما أشارت بيانات البنك الدولي إلى نسبة تضخم بلغت ضعف تلك النسبة، مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية والخدمات الأساسية بشكل حاد، مما جعل غلاء المعيشة محركًا للاحتجاجات الشعبية الأخيرة.
وعليه، تأتي المباحثات بين الجانبين في لحظة سياسية شديدة التعقيد، تتداخل فيها الضغوط الخارجية مع حالة من الانقسام الداخلي المتزايد. فالمفاوضات، التي تُدار وفق الأطر الرسمية المُعلنة، لا تتعلق فقط بطبيعة الاتفاق المحتمل، بل ترتبط أيضًا بإعادة تعريف موازين القوة، وحدود المناورة السياسية، ومدى قدرة الأطراف المعنية على تحمّل كلفة التسوية في الداخل قبل الخارج.
أما على الصعيد الخارجي، فإن هذه المباحثات تجري في مناخ مشحون بسلسلة من التهديدات المتراكبة؛ فمن جهة، تلوّح أطراف خارجية بخيارات تصعيدية تتراوح بين تشديد العقوبات الاقتصادية والضغط الدبلوماسي، وصولًا إلى التهديد باستخدام القوة العسكرية بصورة مباشرة أو غير مباشرة. ومن جهة أخرى، يواجه الداخل حالة من القلق المتزايد إزاء تداعيات أي تصعيد محتمل على الاقتصاد والاستقرار الاجتماعي.
ولا تُستخدم هذه التهديدات فقط كوسيلة ضغط تفاوضي، بل تُعيد تشكيل حسابات الأطراف المعنية، إذ يصبح التفاوض في حد ذاته أداة لتفادي الأسوأ، وليس بالضرورة بوابة لتسوية شاملة. وفي هذا السياق، تتحول المباحثات من مسار إستراتيجي طويل الأمد إلى إدارة أزمة مؤقتة تهدف إلى كسب الوقت واحتواء الضغوط.
موقف القوى السياسية الداخلية
لا يمكن فهم فرص نجاح المباحثات دون التوقف عند مواقف القوى السياسية الداخلية الإيرانية، فالمشهد يتسم بانقسام واضح بين تيارات محافظة ترى في التفاوض تهديدًا لخطاب «الصمود والمواجهة»، وتيارات إصلاحية تعتبره ضرورة واقعية لتخفيف الضغوط الاقتصادية والسياسية.
في المقابل، تتخذ بعض المؤسسات النافذة موقفًا حذرًا، لا يعارض المفاوضات من حيث المبدأ، لكنه يسعى إلى ضبط سقفها ومنع تحولها إلى مسار سياسي شامل قد يُعيد فتح ملفات الشرعية والمساءلة. وهذا الانقسام يجعل من المباحثات عملية محفوفة بالمخاطر، إذ يمكن أن تتحول في أي لحظة إلى ساحة صراع داخلي بين القوى المختلفة.
ولا تقتصر هذه الانقسامات على التفاوض مع الخارج فقط، بل تمتد إلى مسارات الحكم الداخلي وكيفية إدارة الأزمات، حيث يرى بعض الفاعلين أن الأزمة ليست مجرد مشكلة اقتصادية مؤقتة، بل أزمة شرعية سياسية تتطلب إعادة تشكيل السلطة والممارسة السياسية، بينما يحذر آخرون من أن فتح هذا الملف في ظل الضغوط الاقتصادية قد يفاقم التجاذبات الداخلية ويُضعف الاستقرار.
ويمكن القول إن هذه الانقسامات تتحدد بحسب التيارات السياسية وتوازنات القوى داخل النظام، وقد نظر كل تيار إلى هذه الاتصالات وفق حساباته السياسية والاستراتيجية. وهذا التباين في المواقف لا يعكس فقط اختلافًا أيديولوجيًا، بل يكشف أيضًا عن صراع حول تحديد من يمتلك حق تمثيل «المصلحة الوطنية»، ومن يحدد كلفة التنازل وحدوده.
تتجلى هذه الانقسامات بوضوح في مواقف شخصيات وكيانات سياسية بارزة؛ فبينما تُبدي بعض الأسماء القريبة من التيار الإصلاحي دعمًا مشروطًا للمباحثات، شريطة أن تؤدي إلى تخفيف ملموس للأعباء المعيشية، تتبنى شخصيات محافظة خطابًا متشددًا يرفض أي تفاوض يُنظر إليه بوصفه استجابة للتهديدات الخارجية.
ويأتي موقف أعلى قمة في الهرم السياسي في إيران، والمتمثل في المرشد الأعلى علي خامنئي، الذي لا يرفض بالكامل أي مسار دبلوماسي، لكنه يضع ضوابط صارمة وشروطًا سياسية واقعية قبل أي مفاوضات، مثل ضرورة رفع العقوبات بشكل عملي وقابل للتحقق، وعدم ربط قضايا إيران الداخلية بقرارات التفاوض، مع التشكيك في جدية الجانب الأمريكي بسبب تاريخ الانسحاب من الاتفاق النووي السابق. ويعكس هذا الموقف رؤية المؤسسة العليا المحافظة عمومًا: التحفظ، وعدم الثقة، والتعامل بحذر شديد، مع الحرص على عدم إعطاء الانطباع بأن الولايات المتحدة يمكن أن تفرض شروطها بسهولة.
موقف الإصلاحيين
يميل التيار الإصلاحي، والأكثر اعتدالًا داخل النظام، وعلى رأسه بعض الشخصيات الدبلوماسية مثل عباس عراقجي نفسه في تصريحات رسمية، إلى الانفتاح على المباحثات مع واشنطن، مع التشديد على أن تكون المفاوضات «عادلة» وغير مباشرة، ومن دون تهديدات أو شروط مسبقة.
ويرى هذا التيار أن الخوض في حوار دبلوماسي يمكن أن يخفف الضغط الدولي، ويقلل من احتمالات التصعيد العسكري، ويمنح إيران فرصة لرفع العقوبات أو تحسين وضعها الاقتصادي دون تقديم تنازلات جوهرية في القضايا السيادية.
ومن أبرز الشخصيات الإصلاحية محمد جواد ظريف، وزير الخارجية الأسبق ورمز التيار الإصلاحي، وهو من أبرز المدافعين عن الحوار مع واشنطن، إذ يرى أن غياب الدبلوماسية كلف إيران اقتصاديًا وسياسيًا أكثر من التفاوض، ويؤكد أن التفاوض لا يعني الثقة، بل إدارة الخصومة بعقلانية، ويعتبر القنوات السرية وغير المعلنة أداة طبيعية في العلاقات الدولية.
وفي هذا السياق، يبرز اسم حسن روحاني، الرئيس الأسبق، وهو شخصية معتدلة قريبة من الإصلاحيين. وقد ذكر في حوار له مع صحيفة «آرمان ملي» (أي: الآمال الوطنية) أنه على الرغم من عدم رضا الشعب عن أداء الحكومة، وعلى الرغم من أهمية مستوى المعيشة وأمن المواطنين، فإن الرضا العام مفهوم يتجاوز هذه الجوانب، مؤكدًا أن القوة الحقيقية للدولة تنبع من رضا الناس وموافقتهم.
وأشار إلى أن الرسالة الأساسية للشعب خلال الحرب التي دامت 12 يومًا تمثلت في رفض التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية، حيث أظهر الشعب الإيراني في تلك اللحظات أن الاحتجاج الداخلي حق مشروع، لكنه يقف بحزم ضد تدخل الأجانب. ويدعم روحاني مسار التفاوض، معتبرًا أن التفاوض يمكن أن يخفف من الضغوط الاقتصادية التي تهدد استقرار النظام أكثر من الغضب الشعبي.
موقف الأصوليين
أما تيار المحافظين الأصوليين، وهو الأكثر تشددًا تاريخيًا تجاه الولايات المتحدة، فيتبنى موقفًا متحفظًا أو متشددًا في الأساس.
وتقليديًا، يرفض هذا التيار أي مفاوضات مع الولايات المتحدة، ويرى فيها «عدوًا لا يمكن الوثوق به» بسبب عقود طويلة من الخلاف.
ومع ذلك، فإن عدم الرفض الصريح في المرحلة الراهنة قد يكون تكتيكيًا لا إستراتيجيًا، خاصة أن موافقة المرشد والتحولات في أعلى مستويات صنع القرار دفعت كثيرًا من الأصوليين إلى تبني موقف «الصمت أو التهدئة» بدل المعارضة العلنية، حتى وإن لم يكونوا مؤيدين بالكامل للمباحثات.
بيان مير حسين موسوي
في السياق نفسه، لا يمكن إغفال بيان مير حسين موسوي، رئيس الوزراء بين عامي 1981 و1989، والخاضع للإقامة الجبرية منذ عام 2011، إذ أعاد بيانه شديد اللهجة، الذي نشره على صفحته الرسمية، طرح مسألة معايير الشرعية والمشاركة الشعبية في صنع القرار، مؤكدًا ضرورة أن يكون أي تفاوض أو تسوية متوافقًا مع تطلعات المجتمع وإرادته، لا مجرد استجابة للتهديدات الخارجية.
ولم يكتفِ البيان بنقد إدارة الأزمة الاقتصادية، بل وضع الحقوق السياسية والمشاركة الشعبية في صلب أي حل مستدام، مما عزز الخطاب الإصلاحي وأعاد له رمزيته التاريخية.
وقد تحولت هذه الرسالة الرمزية والتاريخية إلى مادة للمناورة السياسية، إذ أثرت في التيارات الداخلية، وزادت من مطالب قطاعات شعبية بإشراك المجتمع بصورة أوسع في أي تسوية، كما رفعت في الوقت نفسه سقف التوقعات من المفاوضات، بحيث لا يقتصر أي اتفاق محتمل على تبادل تنازلات اقتصادية فحسب.
دوافع الاتفاق
هناك جملة من العوامل التي تجعل خيار الاتفاق ممكنا في ضوء الاعتبارات التالية:
- تسعى الولايات المتحدة، من منظور براجماتي، إلى منع إيران من امتلاك سلاح نووي دون الانجرار إلى مواجهة عسكرية مباشرة في الشرق الأوسط، في وقت تُعيد فيه واشنطن ترتيب أولوياتها الإستراتيجية نحو آسيا والصراع مع الصين، كما أن استقرار أسواق الطاقة، وتفادي انفجار إقليمي واسع، يمثلان مصلحة أمريكية واضحة.
- تعاني إيران من ضغوط اقتصادية خانقة بفعل العقوبات، أثّرت بعمق على الداخل الإيراني، سواء على مستوى العملة، أو التضخم، أو مستوى المعيشة، ومن ثمّ، ترى طهران في الاتفاق وسيلة لالتقاط الأنفاس اقتصاديًا، واستعادة جزء من قدرتها على الحركة في النظام الاقتصادي العالمي، دون التخلي – في الوقت ذاته – عن طموحاتها الإقليمية بشكل كامل.
- أن طريق الاتفاق ليس ممهدًا كليا، فالعقبة الأساسية تتمثل في انعدام الثقة المتراكم بين الطرفين، خاصة بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018. وقد شكّل هذا الانسحاب في الوعي الإيراني دليلًا على هشاشة أي تعهد أمريكي، حتى لو كان موقَّعًا دوليًا.
- هناك خلافات جوهرية حول طبيعة الاتفاق نفسه؛ فالولايات المتحدة تسعى إلى اتفاق أوسع يشمل البرنامج الصاروخي الإيراني والسلوك الإقليمي، بينما تُصر إيران على حصر الاتفاق في الملف النووي فقط، وترفض ربطه بدورها في المنطقة.
- ولا يمكن إغفال العامل الداخلي في كلا البلدين؛ ففي واشنطن، يواجه أي تقارب مع إيران معارضة قوية من الكونجرس وبعض الحلفاء الإقليميين، وعلى رأسهم إسرائيل. أما في طهران، فإن التيار المحافظ ينظر بحذر شديد إلى أي انفتاح على الولايات المتحدة، معتبرًا أن الصراع معها جزء من هوية النظام السياسية.
السيناريوهات المحتملة
في ضوء ما سبق، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
- اتفاق جزئي أو مؤقت، وهو السيناريو الأكثر واقعية، يقوم على تفاهمات محدودة مثل تجميد بعض الأنشطة النووية مقابل تخفيف جزئي للعقوبات.
- استمرار سياسة إدارة الأزمة، فلا اتفاق شامل ولا مواجهة مباشرة، بل مفاوضات متقطعة وتصعيد محسوب.
- انهيار المسار الدبلوماسي، ما قد يفتح الباب أمام تصعيد عسكري غير مباشر عبر الوكلاء، أو حتى مواجهة أوسع.
ويمكن القول إن إمكانية التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران قائمة نظريًا، لكنها شديدة التعقيد عمليًا، فالأمر لا يتعلق فقط بملف نووي أو عقوبات اقتصادية، بل بصراع أعمق حول النفوذ، والشرعية، وطبيعة الدور الإقليمي، ومن ثمّ، فإن أي اتفاق محتمل لن يكون نتيجة ثقة متبادلة، بل ثمرة توازن مصالح مؤقت، قابل للتغير مع أي تحوّل في موازين القوى أو الحسابات السياسية.
خاتمة
في ضوء هذه المعطيات، تبدو المباحثات الأمريكية ــ الإيرانية انعكاسًا لتفاعل مركب بين الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، والانقسامات السياسية الداخلية، والضغوط الخارجية، وليست مجرد عملية دبلوماسية منفصلة عن الواقع الداخلي.
وبالرغم من أن الاتفاق المحتمل ليس مستبعدًا، فإن فرصه تظل مرهونة بمدى قدرة الأطراف على تجاوز الانقسامات الداخلية، وربط المفاوضات بتطلعات المواطنين الاقتصادية والسياسية، وتخفيف حدة العقوبات بطريقة تحقق نتائج ملموسة.
وفي ظل هذه المعطيات، فإن أي تسوية مرجحة ستكون اتفاقًا محدود المدى، بسقف منخفض من الطموحات السياسية، ما لم يطرأ تحول جذري على المزيج السياسي والاقتصادي القائم.

