د. نسمة عبد النبي
باحثة بوحدة الدراسات الإيرانية
شهدت العلاقات الأمريكية – الإيرانية تصعيدًا كبيرا خلال الفترة الأخيرة، مع تزايد التهديدات الأمريكية بتنفيذ ضربة عسكرية ضد إيران، مقابل تحركات دبلوماسية وإقليمية تهدف إلى ضبط التوتر، وعلى الرغم من الخطاب الحاد للرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتهديداته المتكررة، يبدو أن واشنطن تتراجع مؤقتًا عن اتخاذ القرار النهائي، ما يطرح سؤالًا جوهريًا: هل تأجيل الضربة يعني إلغاؤها، أم أنها تبقى خيارًا مطروحًا على الطاولة في ظل تغير المعطيات الميدانية والسياسية؟!
التهديدات الأمريكية على إيران
هددت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مرارًا بتنفيذ ضربة عسكرية ضد إيران، خصوصًا مع تصاعد التوترات بسبب الاحتجاجات العنيفة في إيران والمزاعم حول تنفيذ أحكام الإعدام بحق المتظاهرين الإيرانيين.
وبعد تنفيذ إدارة ترامب حادثة اعتقال الرئيس الفنزويلي مادورو، جاء هذا الاعتقال بمثابة رسالة تهديد أمريكية قوية للمرشد الإيراني الأعلى آية الله علي خامنئي، ولذلك جاء الرد الإيراني في تعليق خامنئي، بعد الهجوم الأمريكي على فنزويلا واعتقال رئيسها، قائلًا: “لن نسمح لأمريكا بالعبث بإيران مثل فنزويلا، وأن إيران لن تذعن للعدو”.
وبالرغم من كل هذه التهديدات، يوجد داخل إدارة ترامب جدل وتأجيل وتردد، فهناك تراجع جزئي من البيت الأبيض وعدم اتخاذ قرار نهائي لتنفيذ الضربة بشكل فوري، وهو ما اعتبره الكثير تأجيلًا وليس إلغاءً، ما يعني أن احتمالات توجيه ضربة أمريكية ضد إيران ما تزال قائمة حتى وإن كانت ضعيفة.
أسباب التراجع الأمريكي المؤقت
من المؤكد أن هناك أسبابًا عسكرية وإستراتيجية قوية دفعت الإدارة الأمريكية إلى التأجيل المؤقت لضرب إيران، يمكن تلخيصها فيما يلي:
ــ عدم اكتمال الجاهزية العسكرية الأمريكية وتحضير مسرح العمليات كليا.
ــ المخاوف من الرد الإيراني، والتبعات الإقليمية وتجنّب التعرض لردود انتقامية إيرانية صوب القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط أو مصالحها الإقليمية.
ــ القلق من التصعيد الإقليمي الواسع فالرد الإيراني قد يشمل حلفاء طهران (العراق وسوريا واليمن ولبنان)، ما يفتح جبهات متعددة لا ترغب واشنطن في الدخول فيها الآن.
وفيما يخص الأسباب الخفية الأخرى غير المعلنة التي تقف وراء التأجيل المؤقت، يمكن إيجازها في أنه بعد السيطرة على الاحتجاجات في الشارع الإيراني فقد ترامب المسوغ السياسي للهجوم الأمريكي على إيران، وانتفى المبرر السياسي ولم يعد هناك الذريعة السياسية للهجوم والتدخل الأمريكي، إلى جانب الوساطات الروسية والصينية المساندة للإدارة الإيرانية الحالية على المستويين الدبلوماسي الخارجي والداخلي، بالتشويش وتعطيل خدمة الإنترنت الفضائي “Starlink” خلال فترة الاحتجاجات الأخيرة بمساعدة الخبرات الروسية في الحرب الإلكترونية ووساطات دول الخليج.
إلغاء الضربة أم إرجاؤها مؤقتا؟!
من المؤكد أن قرار الضربة العسكرية الأمريكية ليس زرًا يضغطه الرئيس دونالد ترامب فقط، بل يمر عبر عدة دوائر أساسية على رأسها الدائرة العسكرية (البنتاجون)، والتي تحدد قرار الضربة العسكرية وفق مدى الاستعداد والجاهزية الكاملة وحجم الخسائر المتوقعة في القواعد والقوات الأمريكية.
وفي حالة تطبيق هذه المعايير على دراسة حالة الجمهورية الإيرانية، سيكون القرار أن الضربة لن تكون نظيفة أو سهلة، بسبب امتلاك إيران للصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، إلى جانب حلفاء إيران الإقليميين، وسيناريوهات رد الفعل الإيراني فيما يخص احتمالية ــ أو بالأحرى حتمية ــ إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط وضرب القواعد الأمريكية في منطقة الخليج والشرق الأوسط.
وتدلل المؤشرات الحالية على أن واشنطن اتجهت إلى تأجيل الضربة العسكرية مؤقتًا، فالتأجيل ليس إلغاءً نهائيًا، بل يبقى الخيار العسكري على الطاولة إذا طرأت تغييرات في الميدان أو تهديدات جديدة للمصالح الأمريكية أو لحلفائها.
ومن المؤكد أن الإدارة الأمريكية تبحث عن توقيت وتبرير مناسبين لضربة قد تكون محدودة في الهدف والمدة، فاحتمال التنفيذ ما زال قائمًا إذا تغيرت المعطيات، مثل التصعيد الإيراني ضد القواعد الأمريكية، عندها يمكن أن يعود السيناريو العسكري بقوة، ويبرز احتمال العمل العسكري رغم أن التأجيل والوضع الحالي يحقق لواشنطن مكاسب وضغطًا سياسيًا بدون تكلفة، واختبار ردود فعل الإدارة الإيرانية، وإبقاء الخصم الإيراني في حالة توتر وترقب.
خاتمة
في المحصلة يشير التنبؤ السياسي بالحالة الراهنة إلى ضعف احتمالية الإلغاء الكامل، نظرًا لاستمرار التحشيد العسكري من جانب الولايات المتحدة التي تعزز قوتها في منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك تحركات لسفن حربية وطائرات، ما يشير إلى استمرار خيار “الضربة” كخيار محتمل إذا تصاعدت التوترات، والأرجح هو استمرار حالة التأجيل والتهديد، أي حالة “اللا حرب واللا سلام” والضغط المستمر لمحاولة إسقاط النظام الإيراني بأقل الخسائر الأمريكية والإسرائيلية الممكنة.
