إعداد: حسين محمود التلاوي
برز اسم إقليم أرض الصومال في وسائل الإعلام العالمية والتحليلات السياسية بعد اعتراف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو باستقلال الإقليم الذي أعلن انفصاله عن الصومال من جانب واحد عام 1991 في خطوة لم تلق الاعتراف من المجتمع الدولي؛ لتصبح بذلك إسرائيل أول عضو في الأمم المتحدة يعلن اعترافه بالإقليم دولةً مستقلة.
mostbetوعلى الرغم من محاولات رئاسة الإقليم إبرازه باعتباره مكانًا مستقرًا وسط الأزمات المختلفة التي تلاحق دولة الصومال منذ انهيار نظام محمد سياد بري عام 1991، فإن هذا الاستقرار الظاهري لا يعبر عن التناقضات الداخلية في الإقليم؛ وهي التناقضات التي تمس أهم مقوم من مقومات الاعتراف الدولي؛ وهو الدولة الجامعة، لا الإقليم الانفصالي القائم على سيادة القبيلة.
لذلك سوف يكون من المفيد إلقاء الضوء على الواقع السياسي والتنظيم الاجتماعي في إقليم أرض الصومال في محاولة للتعرف على “الشقوق” التي تجعل الاعتراف الدولي يتسرب من بين أصابع الزعماء الانفصاليين في الإقليم، وتجعل الأسس التي يقيم عليها مزاعمه الانفصالية محل شك.
التنظيم السياسي في أرض الصومال
يقيم إقليم أرض الصومال نظامه السياسي على أساس السلطات الثلاثة؛ التنفيذية والتشريعية والقضائية؛ بما يعطي الصورة “الديمقراطية” للإقليم، لكن الإقليم يعتمد كذلك في نظامه السياسي على دور القبيلة في حل النزاعات؛ حيث تبقى أهم فاعل سياسي في المعادلة داخل الإقليم؛ فتلعب أدوار حل النزاعات، وتوزيع الثروات، وضبط الأمن المحلي، ومنح الشرعية السياسية. وبوجه عام، تنقسم السلطات في إقليم أرض الصومال إلى:
السلطة التنفيذية: تتمثل في الرئيس الذي يشغل منصب رئيس الحكومة والقائد الأعلى للقوات المسلحة، ويأتي بالانتخاب مع نائب له بالاقتراع الشعبي المباشر لمدة 5 سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة فقط. ويتمتع الرئيس بصلاحيات واسعة، تشمل تعيين الوزراء وإقالتهم، وقيادة السياسة الخارجية والأمنية.
السلطة التشريعية: تتكون السلطة التشريعية من مجلسين يتجلى فيهما التداخل بين المؤسسات ذات الأصل الديمقراطي والمؤسسات قبلية الأساس. أول مجلس فيهما مجلس النواب؛ وهو المجلس الأدنى، ويتكون من 82 عضوًا يُنتخبون بالاقتراع الشعبي المباشر؛ وهو المسؤول عن سن القوانين والمصادقة على الميزانية. المجلس الثاني المجلس الأعلى، واسمه مجلس الشيوخ (جورتي)، ويتكون أيضًا من 82 عضوًا، لكنهم يمثلون زعماء القبائل التقليديين، ودورهم الأساسي الحفاظ على السلم الأهلي، وحل النزاعات القبلية، بالإضافة إلى مراجعة القوانين.
السلطة القضائية: تتكون من عدة مستويات من المحاكم أعلاها المحكمة العليا، كما تشمل المحكمة العسكرية المختصة بمحاكمة أفراد الجيش. وتتنوع مصادر التشريع بين الشريعة الإسلامية والقانون المدني والقانون العرفي؛ وهو نظام تقليدي قبلي يُستخدم غالبًا في فض النزاعات بين العشائر؛ وبوجه خاص في قضايا التعويضات والصلح.
اللافت في النظام السياسي في إقليم أرض الصومال أن النظام لا يسمح إلا بوجود 3 أحزاب سياسية رسمية في وقت واحد لمنع تشرذم الأحزاب على أسس قبلية ولضمان تشكيل تحالفات واسعة تشمل عموم الإقليم.
التنظيم الاجتماعي في الإقليم
على الرغم من الصورة الديمقراطية التي يوحي بها النظام السياسي القائم في أرض الصومال، فإن التنظيم الاجتماعي قد يلقي بالشكوك حول مدى ديمقراطية هذا النظام؛ بالنظر إلى التداخل السياسي مع القَبلي في صنع القرار داخل الإقليم. وفيما يلي صورة ملخصة للتنظيم الاجتماعي في أرض الصومال.
يتسم المجتمع في أرض الصومال بأنه مجتمع قبلي عشائري دون أي اختلاف مع البنية الاجتماعية التقليدية في عموم الصومال، مع خصوصية فيما يتعلق بالوزن النسبي للقبائل والعشائر. وتنقسم هذه القبائل إلى عشائر، وأفخاذ، وغير ذلك من التقسيمات المعروفة في المجتمعات القبلية.
آليات التنظيم الاجتماعي: تدخل آليات التنظيم الاجتماعي في صميم النظام السياسي في الإقليم؛ فكما رأينا في التنظيم السياسي من بين مجلسي السلطة التشريعية يأتي مجلس الشيوخ الذي يتكون من زعماء القبائل والعشائر. وعلى المستوى الاجتماعي يأتي دور شيوخ القبائل وزعمائها من خلال القانون العرفي الذي يلعب دورًا كبيرًا في حل النزاعات وقضايا الدم، والخلافات القبلية، وغالبًا ما يحتكم إليه الأهالي بديلًا عن السلطة القضائية الرسمية؛ وبوجه خاص في المناطق الريفية.
القبائل الكبرى في إقليم أرض الصومال
يضم مجتمع إقليم أرض الصومال عددًا من القبائل الرئيسية والفرعية، وأبرز هذه القبائل:
قبيلة إسحاق: أكبر قبيلة داخل مجتمع أرض الصومال، وتهيمن على الساحة السياسية، وينتمي إليها أبرز قادة المشروع الانفصالي، إلى جانب النخبة الساسية والاقتصادية. ومن بين عشائرها هبر أول، وهبر يونس، وعيداجلي، وعرب، وتول جعلي.
قبيلة دارود: ثاني أهم القبائل، وتنتشر في الإقليم؛ وبوجه خاص في المناطق الشرقية، وأبرز فروعها دولبهنتي، وورسنجلي. تُعَدُّ هذه القبيلة المسئولة عن كثير من “التشققات” في المشروع الانفصالي لإقليم أرض الصومال؛ بالنظر إلى أنها منقسمة إلى قسمين؛ أحدهما يتعامل مع حكومة أرض الصومال بالأمر الواقع، والآخر يؤيد الاستمرار ضمن الوطن الأم؛ مما يجعلها صاحبة إحدى أكبر بؤر التوتر في الإقليم؛ وهي منطقة سول.
قبيلة جدابورسي: تنتشر تلك القبيلة في الغرب عند الحدود مع جيبوتي وإثيوبيا، وتتسم بالبراجماتية السياسية؛ فلم تكن في صدارة الداعين إلى الانفصال، لكنها قبلت به عمليًّا. وعلى الرغم من أنها أقل من قبيلتي إسحاق ودارود، فإنها ذات وزن سياسي بارز؛ بحيث لا يمكن إخراجها من المشهد السياسي والقبلي في البلاد.
وهناك عدد من القبائل الأقل عددًا ونفوذًا في مجتمع الإقليم، إلى جانب بعض المجتمعات الحِرَفية؛ وهي كلها فئات مهمشة ذات وضع اقتصادي صعب؛ ومن ثم أقل كثيرًا في النفوذ السياسي.
مشكلة لاسعانود.. صدع في مشروع الانفصال
على الرغم من الصورة الديمقراطية التي يحاول النظام الانفصالي في أرض الصومال الترويج لها، فإن هناك صدعًا داخليًّا بالغ الأهمية في ذلك المشروع يتمثل في مشكلة إقليم سول. فما المشكلة؟!
يقع إقليم سول في شرق أرض الصومال، وعاصمته وأكبر مدنه هي لاسعانود. وتكتسب المنطقة أهمية؛ لأنها تقع بالقرب من إقليم بونتلاند الصومالي الذي يتمتع بالحكم الذاتي، وتمثل حلقة ربط بين شمال الصومال وشرقه. وينتمي سكان إقليم سول ومدينة لاسعانود إلى فرع دولبهنتي من قبيلة دارود.
ساهم هذا الموقع والتكوين القبلي في تنامي الخلافات بين زعماء إقليم سول والزعماء الانفصاليين في أرض الصومال؛ لأن أغلب سكان لاسعانود ينتمون إلى قبيلة دارود، ولا يرغبون في أن تحكمهم قبيلة إسحاق المهيمنة على الساحة السياسية في إقليم أرض الصومال. تلقى هذه القبيلة دعمًا من إقليم بونتلاند المجاور الذي يرتبط بعلاقات عشائرية مع منطقة سول؛ وتفصيلها أن قبيلة إقليم بونتلاند تهيمن عليه قبيلة هارتي التي تعد فرعًا من دارود، ويندرج تحتها فرع دولبهنتي، وترى أن إقليم سول يعد امتدادًا عشائريًّا لها؛ ومن ثم تسعى إلى ضمه.
يرى زعماء إقليم أرض الصومال أن هذه المنطقة ضمن إقليم أرض الصومال البريطاني الذي كان تحت الحماية البريطانية قبل أن ينال استقلاله عن بريطانيا عام 1961، ويتحد مع إقليم الصومال الإيطالي الذي كان تحت الحماية الإيطالية، ويكونان معًا دولة الصومال. لكن زعماء إقليم بونتلاند يرون أن إقليم سول ينتمي إليهم عشائريًّا؛ ومن ثم يسعون إلى ضمه. وفي حالة ضم إقليم بلادبونت لإقليم سول، يكون سول قد عاد ضمنيًّا تحت سيادة الدولة الصومالية. وفي المقابل تتلخص رؤية زعماء إقليم سول في الرغبة في الانفصال عن كل من أرض الصومال وبلادبونت، والتعامل كإقليم مستقل عنهما يتمتع بالحكم الذاتي تحت سيادة الدولة الفيدرالية الصومالية.
اشتباكات ومخاوف دولية: شهد إقليم سول اشتباكات قوية بين أهالي الإقليم وحكومة أرض الصومال؛ حيث اندلعت شرارة الصراع في فبراير عام 2023، وتعرضت قوات أرض الصومال لهزيمة عسكرية أدت لانسحابها من القواعد الاستراتيجية حول لاسعانود؛ مما جعل الإقليم يخرج فعليًّا عن سيطرتها. وتلى ذلك الإعلان عن تأسيس “ولاية شمال شرق الصومال” كولاية فيدرالية سادسة تتمتع بالحكم الذاتى تابعة للصومال الأم عام 2025، واتخذت من لاسعانود عاصمة لها؛ وهو ما اعترفت به الحكومة الفيدرالية رسميًّا في يوليو 2025.
خاتمة
لكل ما سبق، تمثل مشكلة إقليم سول أزمة كبيرة لدعاة المشروع الانفصالي بالنظر إلى أن هذا النزاع الذي يمثل نزاعًا قبليًّا يدحض مزاعم القادة الانفصاليين بأن الإقليم يمثل دولة جامعة تتمثل فيها كل المكونات على قدم المساواة. أدت هذه الأزمة الداخلية إلى تردد دول العالم في منح الإقليم الاعتراف بالاستقلال؛ حيث أضيفت إلى جملة من المشكلات السياسية؛ من بينها الانفصال دون تفاهم مع الدولة الأم التي يرتبط بها باتفاق استقلال عام 1961.
كذلك فإن سعي معقل ثاني أكبر قبيلة في الإقليم إلى العودة إلى الدولة الأم في صيغة حكم ذاتي يمثل ضربة للمشروع الانفصالي بأن حل الخلافات مع الحكومة المركزية في الصومال لا يكون إلا بالانفصال عن الدولة، وتأسيس دولة جديدة؛ لأن إقليم سول يسعى إلى تكوين كيان سياسي يحفظ لأهل المنطقة حقوقهم دون السعي إلى الانفصال عن الدولة الأم.

