أحمد يحيى
باحث في وحدة الدراسات الإيرانية
في الحادي عشر من مارس 2026م، أعلن حزب الله انطلاق عمليات “العصف المأكول” ضد إسرائيل، وذلك بعد انخراطه في الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، وتحديدًا فجر الثاني من مارس 2026م.
فقد أطلق حزب الله وابلاً من الصواريخ وسربًا من المسيّرات، انتقامًا لاغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي ودفاعًا عن لبنان وشعبه ــ وفق ما أعلنه الحزب ــ وما تبع ذلك من تصعيد شمل عمليات قصف متبادل، واشتباكات في جنوبي لبنان، وكذلك في البقاع، إثر توغلات وعمليات إنزال إسرائيلية.
أهداف حزب الله من العمليات
الهدف الرئيسي لحزب الله
يسعى حزب الله، عبر مشاركته في الحرب، إلى تحقيق هدف وجودي، وهو البقاء والاستمرار، بالوصول إلى وضع أقرب ما يكون إلى وضع الحزب قبل طوفان الأقصى، وترسيخ مشروعية بقائه المستمدة في الأصل من كونه حركة مقاومة.
الأهداف الفرعية المحتملة
يصل الحزب إلى هدفه الرئيسي عبر تحقيق عدد من الأهداف الفرعية المحتملة من خلال مشاركته في الحرب، وهي:
- إعادة الروح والتماسك للحاضنة، واستعادة سردية المقاومة عن طريق المبادرة بإعلان العمليات ضد إسرائيل، بعد أكثر من عام من تلقي الضربات دون رد.
- تحييد الأصوات الداخلية التي تطالب بتسليم السلاح إلى الدولة والتحول إلى حزب سياسي فقط.
- استعادة توازن الحزب ومكانته داخل مجمل البيئة الشيعية بوصفه ممثلًا رئيسيًا وحارسًا لها، في ظل الحديث عن ممثلين للشيعة في لبنان من خارج الحزب وحركة أمل.
- إعادة ترسيخ مشروعية السلاح، وثلاثية الجيش والشعب والمقاومة.
- استعادة الهيبة والردع الداخلي، خاصة ضد خصوم الحزب والمطالبين بنزع سلاحه، وكذلك مواجهة استهداف مجمل الطائفة الشيعية، في ظل انعكاسات التغيرات في سوريا على الداخل اللبناني.
- تحويل الاهتمام إلى الصراع مع إسرائيل والبعد الإقليمي، كوسيلة لتخفيف الضغط عن الحزب داخليًا.
- إعادة صياغة المعادلة مع إسرائيل، عبر تعزيز موقع الحزب في أي ترتيبات إقليمية تتبع الحرب مع إيران، من خلال ربط الساحة اللبنانية بالحرب الجارية ضد إيران، وربط حزب الله بمجمل محور المقاومة تجنبًا لتكرار سيناريو 2024.
المخاطر الرئيسية للعمليات
بالإضافة إلى الخسائر المحتملة الناتجة عن التفوق العسكري الإسرائيلي، يواجه حزب الله مخاطرة التأثير العكسي لانخراطه عسكريًا ضد إسرائيل في ظل الحرب ضد إيران، أي تحول المسار نحو نتائج على النقيض من أهدافه الفرعية وهدفه الرئيسي. وتتمثل هذه المخاطر بشكل رئيسي في:
- التأكيد على أنه لا مفر من نزع سلاح الحزب، سواء بالنسبة لإسرائيل أو لدول الإقليم والأطراف الدولية، إلى جانب الداخل اللبناني والدولة اللبنانية.
- زيادة الضغوط ونسبة العداء للحزب داخل لبنان.
- ترسيخ صورة الحزب كتابع لإيران، ما قد يزيد من عزلته داخليًا وإقليميًا.
- حدوث اضطرابات وانشقاقات داخل الحزب وبيئته، أو بين الحزب وحركة أمل، أو داخل مجمل الطائفة الشيعية.
- الخضوع لتأثير الخسائر والنتائج السلبية لمجمل الحرب الجارية، سواء فيما يخص إيران أو العناصر الأخرى في المحور.
- التحول تدريجيًا إلى الجبهة الرئيسية للحرب، سواء بسبب القرب الجغرافي لإسرائيل وما يمثله من خطر، أو لما قد تمثله جبهة لبنان والتركيز على تحقيق إنجاز فيها كمخرج محتمل للولايات المتحدة وإسرائيل في حال تعثر الحرب على إيران، ونجاح محاولة الولايات المتحدة ودول الإقليم تحويل الحزب والجبهة اللبنانية إلى ورقة مساومة مع إيران.
- استمرار الحرب على الجبهة اللبنانية حتى بعد توقف الحرب على إيران.
السيناريوهات الرئيسية المحتملة لتطورات الجبهة اللبنانية
- استمرار الوتيرة الحالية من الضربات المتبادلة لحين اتضاح مشهد نهاية الحرب في إيران، ثم الانتقال بحسب النتائج إلى أحد السيناريوهات التالية.
- التصعيد الإسرائيلي من خلال رفع وتيرة القصف، وتوسيع عملياته لتشمل بنية حزب الله على امتداد لبنان، واستهداف البنية التحتية اللبنانية وكذلك المدنيين، ثم تنفيذ عملية برية إسرائيلية يختلف حجمها حسب الهدف وتطورات الميدان، سواء على الجبهة اللبنانية أو الإيرانية. وقد تكون عملية تقتصر على الجنوب اللبناني بهدف إنشاء منطقة عازلة بعمق أوسع، مع القيام بعمليات إنزال محتملة في العمق اللبناني خلال المعارك، أو عملية تهدف إلى نزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته بالوصول برًا إلى مناطق العمق وحاضنة الحزب في الضاحية والبقاع.
- تصعيد حزب الله؛ فإلى جانب التمركز الدفاعي الشبكي اللامركزي واعتماد أسلوب حرب العصابات وعمليات الإطلاق المعتادة، قد يلجأ الحزب إلى توسيع عمليات الإطلاق لتشمل رقعة أوسع وأعمق داخل إسرائيل (وذلك يتوقف على مخزون الحزب من الصواريخ والمسيّرات والمقذوفات، وهو أمر غير واضح حتى الآن، وكذلك على كيفية إدارة هذا المخزون وحمايته من الهجمات الإسرائيلية).
ومن المحتمل أن يقوم حزب الله بالآتي:
- تصعيد نوع الأهداف الإسرائيلية من أهداف عسكرية إلى أهداف إستراتيجية وبنى تحتية، وكذلك التصعيد في أنواع الصواريخ والمسيّرات المستخدمة.
- تنفيذ عمليات إغارة على المواقع الإسرائيلية داخل لبنان.
- تنفيذ عمليات إغارة داخل الحدود الإسرائيلية.
- محاولة القيام بعمليات أسر خلال الغارات، سواء داخل الحدود اللبنانية أو الإسرائيلية، أو خلال الاشتباكات مع القوات الإسرائيلية المتقدمة.
- تنفيذ عمليات تخريب عبر عناصر وخلايا داخل إسرائيل، واستهداف المصالح الإسرائيلية ـ وربما مصالح الولايات المتحدة وحلفائها أيضًا ـ في الخارج.
- تصعيد حزب الله، المرتبط ـ على الأقل في جزء منه ـ بالتنسيق مع إيران وبتطورات الحرب على إيران بصورة عامة، ما قد يوسّع استهدافات الحزب لتشمل جنوبي أوروبا، كما حدث في استهداف قبرص.
- تتوقف قدرة حزب الله على التصعيد على سلامة هيكل قيادته، ومعالجة الخروقات الأمنية، ومخزون الحزب من الصواريخ والمسيّرات والمقذوفات، وكذلك المقاتلين، وهي أمور غير واضحة حتى الآن، وقد اتضح أن الكثير مما نُشر من تقارير بخصوصها لم يكن دقيقًا.
- انخراط سوري: في إطار الوضع الراهن يمكن أن يتدخل النظام السوري عسكريًا في لبنان لنزع سلاح حزب الله، بالتنسيق مع إسرائيل و/أو الدولة اللبنانية، وتنفيذ هجمات من الداخل السوري عبر مجموعات مسلحة موالية لإيران وحزب الله ضد القوات الإسرائيلية في الجولان والجنوب السوري، وضد النظام السوري في حال انخراطه عسكريًا ضد حزب الله.
سيناريوهات منخفضة الاحتمال – عالية التأثير
- الانخراط الأمريكي عسكريًا في الساحة اللبنانية عبر:
- المشاركة المعلنة في عمليات القصف.
• تدخل أمريكي ـ وربما دولي متعدد الجنسيات ـ بقوات برية لنزع سلاح حزب الله.
- انخراط إيران وعناصر المحور الإيراني في الساحة اللبنانية عبر:
- إطلاق الصواريخ والمسيّرات ضد القوات الإسرائيلية ـ والأمريكية في حال انخراطها ـ داخل لبنان.
- إطلاق الصواريخ والمسيّرات ضد النظام السوري في حال انخراطه عسكريًا داخل لبنان.
- تسلل عناصر مسلحة من المحور داخل لبنان لإسناد حزب الله في حال توسع الحرب ضده.
- تمدد الفصائل العراقية ـ وتسلل عناصر من المحور بشكل عام ـ داخل سوريا في حال مشاركة سوريا في الحرب ضد حزب الله.
الخيار الانتحاري
في حالة إدراك حزب الله أن نزع سلاحه صار هدفًا مؤكدًا قيد التنفيذ بلا أي مخرج، فقد يتحول الهدف الرئيسي للحزب إلى إغراق الجميع معه، سواء إسرائيل أو لبنان، وربما يصل الأمر حتى إلى سوريا، بهدف تكبيد خصومه خسائر إستراتيجية ممتدة الأثر يصعب التعافي منها في المدى القريب، في صورة أشبه بخيار شمشون الإيراني في حال تيقن النظام من اقتراب السقوط.
الحالات النهائية المحتملة
- إعادة تموضع الحزب داخليًا وضمن محور المقاومة، وإعادة صياغة معادلة ردع جديدة مع إسرائيل، في صورة تشبه حرب 2006.
- الجمود، وقد يكون عبر اتفاق وقف إطلاق نار مؤقت جديد مع إسرائيل، شبيه بما تم توقيعه في 2024.
- تخلي حزب الله عن سلاحه وتحوله إلى حزب سياسي.
- تحول محاولة نزع سلاح حزب الله إلى حرب أهلية في لبنان قد تمتد إلى الخارج عبر سوريا والعراق، ما ينذر بحرب طائفية قد تشمل ارتداداتها الإقليم بأكمله.
ملحوظات
- نتائج الحرب على إيران، وتوقيت وكيفية إغلاق المشهد فيها، هي محدد رئيسي لما ستؤول إليه الأمور في جبهة لبنان.
- كل حالة من هذه الحالات النهائية المحتملة تترتب عليها تأثيرات وسيناريوهات تحتاج إلى كثير من التفصيل، وبعضها قد يكون في غاية الخطورة.
- الهدف السياسي خلف نزع سلاح حزب الله هو القضاء على نفوذ إيران في لبنان، ونقل لبنان من وصاية إيرانية إلى وصاية عربية ـ ربما سورية بشكل مباشر ومن خلفها أطراف أخرى ـ تحت مظلة أمريكية، للوصول إلى حالة نهائية يكون فيها لبنان ضمن دول الاتفاقيات الإبراهيمية.
خاتمة
يرى حزب الله في مشاركته في الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران طوق نجاة؛ إذ لا يستطيع تحمل المزيد من وضعه بعد وقف إطلاق النار في 2024، كما لا يستطيع فتح جبهة ضد إسرائيل منفردًا، ولا يقبل نزع سلاحه وما قد يمثله تحوله إلى حزب سياسي من نهاية مشابهة لمصير حركة فتح أو أحزاب الحرب الأهلية اللبنانية. كما يدرك ارتباط مستقبله بمصير النظام الإيراني، إضافة إلى إدراكه أن المخطط الأمريكي والإسرائيلي يراه أحد عناصر القوة الإيرانية، وما يعنيه ذلك من أنه سيجري على الأرجح توجيه ضربة له في إطار الحرب الجارية.
ولعل كل ما سبق هو ما دفع الحزب إلى المبادرة بشن الضربات ضد إسرائيل، بحسابات يبدو مضطرًا إليها، في مغامرة إستراتيجية وضع فيها مصيره رهينة لتطورات ونتائج الحرب على إيران من جهة، وأدائه الميداني في الحرب من جهة أخرى؛ فإما أن يخسر كل شيء، أو يخرج بمكاسب يستطيع البناء عليها، تمثل انطلاقة جديدة للحزب ولكوادره في لبنان.

