كتب حسين محمود التلاوي

الملخص:

تتبنى إثيوبيا “عقيدة وطنية” جديدة تهدف لتأمين منفذ بحري سيادي لكسر عزلتها الجغرافية وتقليل الاعتماد على جيبوتي، مستخدمةً هذا الملف كأداة لحشد الجبهة الداخلية وترميم التصدعات العرقية. وعلى الرغم من تسويق أديس أبابا لمطالبها تحت شعار “الواقعية الاستراتيجية” والتكامل الإقليمي، يصطدم هذا الطموح بعقبات قانونية وسيادية؛ إذ تفتقر المطالب لغطاء في القانون الدولي وتثير توجس دول الجوار. يعكس هذا التوجه “استعلاءً سياسيًّا” يقدم المصالح الإثيوبية على سيادة الآخرين، مما يهدد بمزيد من العزلة الإقليمية وتفاقم الأزمات بدلاً من حلها.

شيئًا فشيئًا تتحول مسألة حيازة إثيوبيا منفذًا بحريًّا إلى ملف جديد للحشد الداخلي في البلاد؛ حيث تعددت الموضوعات التي تتناول هذا الملف، ما بين مادة رأي وتحليل سياسي، في مراكز الأبحاث الإثيوبية. وفي الإجمال تركز الموضوعات على “الحق الإثيوبي” في منفذ بحري، وآليات الحصول على “هذا الحق” المفترض.

وتستطلع هذه الورقة مرتكزات هذه التحليلات في نظرتها إلى استراتيجية البحر الأحمر الإثيوبية، مع إلقاء الضوء على الثغرات البنيوية والقانونية في تلك المرتكزات.

استراتيجية الوصول إلى البحر كعقيدة وطنية

نشر موقع معهد الشئون الخارجية الإثيوبي موضوعًا بعنوان “عقيدة الوصول إلى البحر الإثيوبية: السردية والمقصد الوطني” للباحث في المعهد “هاوي وونديمو” يتناول ما أسماه “عقيدة الوصول إلى البحر” عند إثيوبيا من زاوية سرديتها وأهدافها الوطنية. ويقول إن مساعي إثيوبيا لتأمين منفذ بحري تتحول من مجرد هدف لوجستي إلى ما سماه “عقيدة وطنية شاملة” تهدف إلى “كسر الارتهان لممر تجاري وحيد يهدد استدامتها الاقتصادية”؛ حيث يمر أكثر من 95% من تجارتها عبر جيبوتي.

ويشير الموضوع إلى أن الدولة تستغل هذه القضية كأداة سياسية لترميم الجبهة الداخلية وتوحيد المكونات الشعبية حول رؤية مستقبلية مشتركة تتجاوز ترسبات النزاعات المحلية؛ مما يجعل الوصول إلى البحر مشروعًا للهوية والسيادة بقدر ما هو ضرورة للتنمية والربط الإقليمي في ظل زخم إعلامي وشبابي واسع.

ويضيف الموضوع إن أديس أبابا تسعى عبر خطابها الرسمي إلى تقديم هذا الطموح في إطار “الواقعية الاستراتيجية” التي يرى أنها “تعزز التكامل الأفريقي”، مع التأكيد على المسارات الدبلوماسية والسلمية لتهدئة مخاوف الجوار وتجنب الصراعات العسكرية.

ويختتم بالقول إن هذا التوجه يهدف إلى تحويل الثقل الديموغرافي والنمو الصناعي إلى قوة تفاوضية، تضمن لإثيوبيا دورًا محوريًّا في منطقة القرن الأفريقي، وتستبدل بلغة الأزمات الانتقالية لغة الطموح القومي الذي يربط الازدهار بالانفتاح على الممرات المائية الدولية معتبرًا ذلك “حقًّا استراتيجيًّا وتاريخيًّا”.

ثغرات استراتيجية وتحديات في التنفيذ

تكمن الفجوة الكبرى في هذه الاستراتيجية في اصطدام الطموح القومي الإثيوبي بمبادئ القانون الدولي وسيادة الدول المجاورة؛ حيث تفتقر المطالب الإثيوبية لغطاء قانوني يمنح الدول الحبيسة حقوقًا سيادية على أراضي الغير.

كذلك فإن الإفراط في تسييس القضية وتحويلها إلى سردية عاطفية لشحذ التضامن الداخلي يرفع سقف التوقعات الشعبية إلى حد خطير؛ مما قد يضع القيادة السياسية في زاوية ضيقة تجعل أي تسوية دبلوماسية واقعية تبدو في نظر الشعب تنازلاً أو فشلاً وطنيًّا. كذلك تجعل مسألة الوصول إلى البحر قضية تصرف بها الدولة النظر عن التحديات الداخلية بدلًا من السعي إلى تسويتها.

ومن جانب آخر، يثير السعي لامتلاك نفوذ بحري وقواعد عسكرية توجسًا وجوديًّا لدى دول الجوار؛ مما قد يحفز بناء تحالفات إقليمية مضادة تزيد من عزلة إثيوبيا بدلاً من دمجها في المحيط البحري.

وفيما يخص دول الجوار أيضًا، يقلل الكاتب من أثر التصريحات والمبادرات الإثيوبية التي أثارت قلق الجوار؛ خصوصًا عندما اقترنت القضية بلغة تاريخية أو بمذكرات تفاهم حساسة تمس مناطق متنازعًا على وضعها السياسي؛ مثل مذكرة التفاهم مع إقليم أرض الصومال الانفصالي. وكذلك التصريحات العدائية بالوصول إلى ميناء عصب الإريتري بالقوة العسكرية؛ وهي التصريحات التي تبعد عن الدبلوماسية فضلًا عن السلمية.

ويغفل الموضوع نقطة مهمة وهي أن الاستقرار الداخلي الهش، المتمثل في الانقسامات العرقية والاضطرابات الأمنية، يظل عائقاً أمام تحقيق هذه الرؤية؛ إذ قد تعجز الدولة عن جذب الاستثمارات الضخمة اللازمة لتطوير الممرات البديلة؛ مما يجعل من فكرة “الوصول إلى البحر” وسيلة لتأجيل مواجهة التحديات السياسية العميقة بدلاً من حلها الجذري.

كسر العزلة الساحلية بـ”التعاون الإقليمي

وفي موضوع آخر بالموقع نفسه )موقع معهد الشئون الخارجية الإثيوبي( بعنوان “استراتيجية البحر الأحمر الإثيوبية وإرث 1991″، ينطلق الباحث بالمركز “يتينا جيبري” من فكرة أن الاستراتيجية الإثيوبية الحالية تتمحور حول كسر العزلة الجغرافية التي فرضها استقلال إريتريا عام 1991؛ حيث يقول إن أديس أبابا تسعى جاهدة لتأمين منفذ بحري سيادي يحرر اقتصادها من الارتهان لموانئ دول الجوار.

ويضيف الموضوع أن هذا التوجه يتجاوز مجرد البحث عن تسهيلات لوجستية؛ إذ تتبنى الدولة مفهوم “السيادة الوظيفية” الذي يمزج بين الدبلوماسية النشطة، كما في الاتفاق مع إقليم أرض الصومال الانفصالي، وبين إحياء ما يطلق عليه “السردية التاريخية” التي يرى أنها وسيلة لـ”استعادة الحقوق البحرية الضائعة”.

وبحسب الموصوع فإن هذه الطموحات تؤدي إلى تشكيل خريطة جديدة من التوترات في القرن الأفريقي؛ حيث تقابلها دول الجوار برفض قاطع يرى في التحركات الإثيوبية تهديدًا لسيادة الدول واستقرار الحدود القائمة.

وفي النهاية يرى الباحث أن من أجل تجاوز هذه الإشكالات، يتعين التحول نحو استراتيجية تعاونية تعتمد على تعدد الموانئ وتبادل المصالح الاقتصادية الكبرى مع الجيران؛ مما يحول المطلب الإثيوبي من مصدر صراع إلى “محرك للتكامل الإقليمي تحت مظلة القانون الدولي.

تجاهل الأسس القانونية وحقائق السياسة والجغرافيا

تكمن أبرز ثغرات هذا الطرح في انحيازه للرؤية الإثيوبية وتهميشه للأسس القانونية التي تمنح دول الجوار الحق المطلق في حماية أراضيها؛ حيث يقدم النص “المصلحة الاقتصادية” لأديس أبابا كمسوغ يفوق سيادة الدول الأخرى.

كذلك يعتمد التحليل على مفاهيم سياسية مطاطة؛ مثل “الحقوق الطبيعية” التي تفتقر إلى سند قانوني صلب في اتفاقيات الأمم المتحدة لقانون البحار، والتي تضمن حق الوصول للمياه الدولية دون منح سيادة ترابية للدول الحبيسة.

إذن يخلط المقال بين الحاجة المشروعة إلى تأمين التجارة الخارجية وبين فكرة الحصول على موطئ قدم سيادي أو شبه سيادي على الساحل؛ وهي قفزة سياسية وقانونية لا يفرضها الواقع الاقتصادي بالضرورة. ويضاف إلى ذلك أن الاستناد إلى التاريخ القديم لتبرير “حق طبيعي” في منفذ بحري يظل ضعيفًا في إطار القانون الدولي الحديث الذي يقوم على الحدود المعترف بها لا على الامتدادات التاريخية.

وفي الإجمال يحمل هذا الطرح تناقضًا بنيويًّا؛ فبينما يروج للتعاون الإقليمي، يدعم فكرة التعاون مع إقليم أرض الصومال الانفصالي دون اعتبار لسيادة الصومال التي يطلب “التعاون” معها باعتبارها إحدى دول الإقليم.

يتجاهل الطرح كذلك تعقيدات الواقع الجيوسياسي، سواء من حيث المبالغة في فاعلية “مقايضة الأصول” في منطقة تعاني من أزمات ثقة عميقة، أو من حيث إغفال دور القوى الدولية الكبرى المتمركزة في البحر الأحمر.

هنا كذلك تتجاهل الحلول التي يقترحها الكاتب؛ مثل توزيع التجارة على عدة موانئ أو بناء شراكات إقليمية واسعة، الواقع مجددًا؛ حيث تبدو أكثر سهولة على الورق منها في الواقع؛ لأنها تصطدم بعقبات مالية وأمنية وبنى تحتية محدودة وحساسيات سياسية كبيرة لدى الدول الساحلية، التي لا تتوقف إثيوبيا في القول والفعل عن الانتقاص من سيادتها.

وفي “أزمة مزمنة” في التحليلات الإثيوبية، يغفل الموضوع أثر الاضطرابات الداخلية في إثيوبيا، التي قد تجعل من الوصول إلى البحر هدفاً يصعب تحقيقه أو الحفاظ عليه، في ظل التحديات الأمنية والسياسية التي تواجه الدولة من الداخل.

إذن يتجاهل الباحث أن العزلة المفروضة على إثيوبيا ليست جغرافية، لكنها سياسية نبعت من الممارسات الإثيوبية غير الودية بل العدائية تجاه دول الجوار؛ حيث تعتمد الرؤية الاستعلائية بتقديم المصالح الإثيوبية على حساب سيادة دول الجوار وأمنها.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version