د/محمد أحمد صالح
جانتس فاعل انتقالي في النظام السياسي الإسرائيلي، يسعى لإعادة توازن الداخل دون كسر قواعده الأساسية. يتسم جانتس بأنه ليس يسارًا تقليديًا، وليس يمينًا أيديولوجيًا، بل “مركز أمني براجماتي”، معضلته تكمن في أن قوته، المتمثلة في الاعتدال، هي نفسها نقطة ضعفه، المتمثلة في غياب الحسم.
جانتس ومساره التكويني
يُعد بيني جانتس أحد أبرز وجوه “الوسط الأمني” في السياسة الإسرائيلية المعاصرة. وُلد عام 1959م، وتدرّج في المؤسسة العسكرية حتى بلغ قمة الهرم بتوليه رئاسة أركان الجيش (2011م–2015م)، قبل أن ينتقل إلى حلبة السياسة عام 2018م. ينتمي جانتس إلى نموذج “الجنرال السياسي” الذي يستثمر رأس المال الرمزي للمؤسسة العسكرية في المجال السياسي، وهو نموذج متكرر في إسرائيل لكنه يختلف في حالته بطابعه التوافقي غير الصدامي.
مسيرته العسكرية وأثرها البنيوي
امتدت مسيرته العسكرية نحو أربعة عقود، فشملت قيادة وحدات نخبة مثل “شالداج” (تتبع القوات الجوية، ومن أكثر الوحدات سرية واحترافًا وتأهيلا، وتُستخدم في المهام الحساسة التي تتطلب دقة وسرية كبيرة)، والمشاركة في حروب لبنان والانتفاضات الفلسطينية، والإشراف على الانسحاب من جنوب لبنان (2000م)، وقيادة الجيش خلال عمليات العدوان على غزة (2012م و2014م).
التأثير الاستراتيجي والعسكري على شخصيته السياسية
انعكست الخلفية العسكرية لجانتس في عدة مجالات منها، أولوية الأمن القومي، فنجده يميل إلى تعريف السياسة من زاوية أمنية قبل الأيديولوجيا، والبراجماتية العملياتية، فتميل قراراته للحسابات الواقعية لا الشعارات، والحذر في اتخاذ القرار نتيجة خبرته القيادية في بيئات عالية المخاطر، والقدرة على بناء توافقات نتيجة خبرة العمل ضمن هياكل قيادة جماعية. لكن في المقابل، هناك من يوجه انتقادات إلى هذه الخلفية العسكرية وتأثيرها السياسي والاستراتيجي؛ لأنها تُضعف الرؤية السياسية بعيدة المدى، وتميل إلى إدارة الأزمات بدل حلّها جذريًا.
المسار السياسي لجانتس وتطوره
دخل جانتس السياسة عبر تأسيس تحالف “أزرق أبيض” (كاخول لافان)، ثم قاد لاحقًا حزب “المعسكر الوطني” (همخانيه همملاختي). من أبرز محطاته السياسية منافسته المباشرة لبنيامين نتنياهو في انتخابات عام 2019م، وتشكيل حكومة وحدة معه عام 2020م (بصيغة التناوب)، وتولي وزارة الدفاع، والانضمام لحكومة الطوارئ بعد العدوان على غزة عام 2023م ثم الاستقالة لاحقًا. هذه المسيرة السياسية تشي بالتذبذب بين الاستقلال والاندماج في تحالفات اضطرارية.
جانتس ونتنياهو
العلاقة بين جانتس ونتنياهو يمكن وصفها بأنها تنافسية مع عدم ثقة، وتعاون تكتيكي، كما حدث في حكومتهما عام 2020م، ثم صدام سياسي لاحق بسبب اتهامات بعدم الالتزام بالاتفاقات. وعلى المستوى الاستراتيجي يمثل جانتس “بديلًا ناعمًا” لنتنياهو، لا قطيعة معه، بل محاولة استبداله داخل نفس الإطار الأمني للدولة.
جانتس والأحزاب الدينية وقضية تجنيدهم
تمثل هذه القضية أحد أهم التحديات البنيوية في السياسة الإسرائيلية. يدعم جانتس توسيع التجنيد ليشمل المتدينين (حريديم)، فيسعى إلى حل توافقي لا يصطدم مباشرة بالأحزاب الدينية، لطرح فكرة “قانون تجنيد شامل” ضمن حكومة طوارئ. لكن التحدي الأكبر هو أن الأحزاب الدينية ترى التجنيد تهديدًا لهويتها والمؤسسة العسكرية تضغط لتحقيق “عدالة في العبء”، هكذا يتحرك جانتس بين ضغطين متناقضين، ما يجعله يميل إلى حلول وسط غير حاسمة.
جانتس والدول الإقليمية والقوى الدولية
-مصر: يدعم جانتس بقوة اتفاقية السلام، ويرى مصر شريكًا محوريًا في الوساطة في غزة والاستقرار الأمني، لتبدو مواقفه براجماتية إيجابية قائمة على الاستمرارية والاستقرار.
–الإقليم (الشرق الأوسط): يؤيد جانتس توسيع مسار التطبيع، ويرفض الانسحاب من مناطق استراتيجية (مثل غور الأردن)، ويتبنى موقفًا صارمًا تجاه إيران، وحزب الله، وحماس. هكذا تعتمد مقاربته على ردع أمني وانفتاح سياسي محدود.
–الدول الكبرى:
-الولايات المتحدة: يراها جانتس شريكا استراتيجيا أساسيا، ويحظى بثقة نسبية في واشنطن مقارنة بخصومه السياسيين.
-أوروبا: يسعى لتحسين صورة إسرائيل في دولها بعدما ماأصابها في ضوء نتائج العدوان على غزة.
-روسيا: سياسته حذرة بسبب سوريا.
-الصين: تعاون اقتصادي مشروط بالحساسية الأمريكية.
فرص نجاحه الانتخابي
-نقاط القوة: تبرز صورته كـ”رجل دولة هادئ متزن”، له خلفية أمنية قوية، ويتمتع بقبول نسبي لدى الوسط واليمين المعتدل.
-نقاط الضعف: ضعف القاعدة الحزبية الصلبة، والاعتماد على التحالفات، ومنافسة قوية من اليمين المتماسك.
السيناريوهات المحتملة
-النجاح منفردًا: احتمال ضعيف، والنظام الإسرائيلي لا يسمح بالحكم دون ائتلاف.
-النجاح عبر تحالف: السيناريو الأكثر واقعية يتطلب تحالف وسط ويمين معتدل، أو دعم خارجي من قوى أخرى.
-حكومة طوارئ: أحد أدواته السياسية لتجاوز الانقسام، لكنها تواجه عقبات ثقة وتحالفات.
ختاما:
هكذا لايمثل جانتس مشروع تغيير جذري، بل مشروع إدارة مختلفة للنظام نفسه، ونجاحه في الانتخابات القادمة في أكتوبر 2026م مرهون بتراجع نتنياهو، وقدرة المعارضة على التوحد، وطبيعة البيئة الأمنية؛ لأن الحروب تعزز موقعه غالبًا.
