إسرائيل عام 2025م: التحولات الداخلية، والمآزق الاستراتيجية، والارتدادات الإقليمية
شهدت إسرائيل عام 2025م تحولات عسكرية وسياسية واجتماعية واقتصادية، فكانت لها انعكاسات إقليمية، خاصة على العلاقة مع مصر. ويتفق المحللون على أن إسرائيل تمر بمرحلة استنزاف استراتيجي متعدد الأبعاد، تتراجع خلالها فعالية الردع التقليدي، وتتعمق الانقسامات الداخلية، وتتزايد الضغوط الدولية.
مقدمة
شكّل عام 2025 محطة مفصلية في تاريخ إسرائيل، إذ يأتي في أعقاب واحدة من أعنف العمليات العدوانية التي شهدتها المنطقة منذ عقود، وفي ظل تحولات عميقة في النظامين الإقليمي والدولي. لم تعد إسرائيل تواجه تحديات أمنية خارجية فحسب، بل باتت تعاني أيضًا من أزمات داخلية بنيوية تمس تماسكها السياسي والاجتماعي والاقتصادي وتشكل هويتها، وتطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل مشروعها الصهيوني ووظيفتها الإقليمية.
أولا: الإطار الاستراتيجي العام لإسرائيل في عام 2025م
– البيئة الإقليمية والدولية: شهدت البيئة الاستراتيجية المحيطة بإسرائيل خلال 2025م حالة من السيولة وعدم اليقين، نتيجة استمرار عدوانها على غزة، وتصاعد التوتر مع محور المقاومة، وتراجع قدرة الولايات المتحدة والشركاء الغربيين على فرض الاستقرار الإقليمي، مقابل صعود أدوار قوى دولية أخرى.
– تراجع فاعلية الردع الإسرائيلي: أدت إخفاقات السابع من أكتوبر وما تلاه من استنزاف طويل الأمد إلى إضعاف فاعلية الردع الإسرائيلي وتراجعه، وطرحت تساؤلات داخلية وخارجية حول قدرة الجيش الإسرائيلي على الحسم السريع.
ثانيا: المحور العسكري والأمني
– تحولات في العقيدة الأمنية الإسرائيلية: شهدت العقيدة الأمنية الإسرائيلية تحولات جوهرية، تمثلت في الانتقال من مفهوم الحسم السريع، وهو مفهومها للردع العسكري الوقائي التقليدي، إلى الردع متعدد الأدوات، بما في ذلك الاستنزاف الطويل وإدارة الصراع، أي الردع القائم على الضربات الوقائية إلى الردع التراكمي طويل الأمد، بعدما كشف عدوانها عن محدودية القدرة على الحسم العسكري الكامل، خاصة في بيئات القتال غير المتماثل والحروب داخل المدن، الأمر الذي ترتب عليه أزمة الثقة في أجهزة الاستخبارات والقيادة العسكرية.
– أداء الجيش الإسرائيلي: تعرض الجيش الإسرائيلي لاختبارات قاسية في الجبهات المختلفة، أبرزها غزة والضفة الغربية، فظهرت اخفاقات في أداء القوات البرية والجوية والبحرية، خاصة في القتال الحضري وحرب الأنفاق، الأمر الذي لم يحقق أهدافًا سياسية حاسمة، فتعالت الأصوات التي تطالب بإعادة هيكلة القوات العسكرية، وتقييم أداء سلاح الجو، وضرورة التعامل بحرفية أكثر وجاهزية أعلى مع حرب الأنفاق والقتال داخل الحضر، فضلا عن أزمة قوات الاحتياط، على مستوى الجاهزية والروح المعنوية والتعبئة، في ظل طول أمد الحرب والاستنزاف البشري وتعدد الجبهات وتنوع طبيعة العمليات العسكرية.
– الاستخبارات والفشل البنيوي: أعاد الإخفاق الاستخباري السابق للحرب فتح النقاش حول بنية الأجهزة الاستخبارية، وحدود الاعتماد على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي مقابل العنصر البشري. وأدى ذلك إلى تصاعد الانتقادات داخل المؤسسة العسكرية والأمنية.
– التكنولوجيا العسكرية والذكاء الاصطناعي: تزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في جمع المعلومات وإدارة العمليات والاستهداف بما في ذلك أنظمة تحليل البيانات الضخمة، وأنظمة المراقبة والسيطرة والتحكم، الأمر الذي أثار جدلًا وانتقادات أخلاقية وقانونية واسعة، خاصة ما يتعلق منها بالأعداد الكبيرة للضحايا المدنيين.
– تعدد الجبهات العسكرية واستنزاف القوات: واجهت إسرائيل وجيشها خطر الانزلاق إلى حرب متعددة الجبهات، ما فرض أعباء غير مسبوقة على جيشها، وطرح تساؤلات حول القدرة على الصمود في مواجهة استنزاف طويل الأمد. فكانت جبهة غزة وماشهدته من استنزاف على مدى أكثر من عامين، وجبهة الضفة الغربية التي تزايدت فيها العمليات العسكرية والأمنية، وجبهة لبنان وسيناريو الحرب الشاملة المتكرر مع حزب الله، والجبهة السورية وماتشهده من صراع منخفض الحدة، والجبهة اليمنية وضرب الحوثيين على بعد أكثر من 2000 كم، والمواجهة غير المباشرة مع إيران والضربات السيبرانية.

ثالثا: المحور السياسي
– الأزمة السياسية الداخلية: تعاني إسرائيل من أزمة حكم مزمنة، تجسدت في عدم الاستقرار الحكومي وتفكك الائتلافات، وتكرار الانتخابات، والصراع الحاد بين السلطات التنفيذية والقضائية والعسكرية والأمنية، والذي تجلى في إقالات واستقالات، منها إقالة رئيس جهاز شين بيت رونين بار، والمستشارة القضائية جالي بهاراف – ميارا، واستقالة رئيس هيئة الأركان هرتسي هليفي وغيرهم. تعمقت هذه الأزمة مع الحرب، ما أضعف ثقة الجمهور بالمؤسسات السياسية.
– اليمين المتطرف وصنع القرار: تعاظم نفوذ التيار الديني – القومي والمستوطنين داخل الحكومة ، لما لهم من تأثير على السياسات الأمنية والاستيطانية، وعلى إدارة الحرب نفسها، بما حدّ من هامش المناورة السياسية، من خلال القرارات التي يتخذها بن جفير وسموترتيش بصفتهم الرسمية في الحكومة.
– العلاقة بين الساسة والعسكريين: برزت توترات واضحة بين القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية، خاصة حول أهداف الحرب وتوقيتاتها، ما أضعف وحدة القرار الاستراتيجي، فاستقال البعض وأقيل البعض الآخر.
– إسرائيل والعلاقات الدولية: شهدت العلاقات مع الولايات المتحدة، وأوروبا، وروسيا، والصين عدة تطورات وتحولات وتغيرات غير مسبوقة بفعل الخلافات حول إدارة الحرب والملف الإنساني، فتضمنت ضغوطا قانونية ودبلوماسية ونقدا من دول ومؤسسات دولية، خاصة تداعيات مذكرات المحكمة الجنائية الدولية.
رابعا: المحور الاجتماعي والديمجرافي
– الانقسامات المجتمعية: تصاعد التوتر وتعمقت الانقسامات بين العلمانيين والمتدينين، وبين اليهود الشرقيين والغربيين، ما أثر سلبًا على التماسك الاجتماعي.
– المجتمع في ظل الحرب: أدى استمرار العدوان على غزة وشن عمليات على جبهات أخرى إلى عسكرة المجتمع، فضلا عن ارتفاع معدلات الصدمات النفسية، وتراجع الشعور بالأمن الشخصي.
– الهجرة العكسية: شهدت إسرائيل مؤشرات متزايدة على الهجرة العكسية، خاصة في أوساط الكفاءات العلمية والتكنولوجية.
– فلسطينيّو الداخل: تصاعدت سياسات المراقبة والتمييز والملاحقة الأمنية وحدود الاندماج القسري بحق فلسطينيي الداخل، ما عمّق أزمة الاندماج والمواطنة.

خامسا: المحور الاقتصادي
– كلفة الحرب: أدى العدوان على غزة، والذي استمر أكثر من عامين، إلى تكبد الاقتصاد الإسرائيلي خسائر كبيرة نتيجة الإنفاق العسكري المتزايد وتراجع السياحة والاستثمار، فزاد العجز المالي، وتراجع النمو الاقتصادي، وانخفض التصنيف الائتماني.
– أزمة التكنولوجيا الفائقة: تراجع قطاع التكنولوجيا الفائقة، الذي يمثل ركيزة الاقتصاد الإسرائيلي، بفعل عدم الاستقرار الأمني والسياسي، فهربت الاستثمارات الاجنبية، وتراجعت مكانة إسرائيل كمركز تكنولوجي عالمي.
– الفجوات الاجتماعية: اتسعت الفجوات الاقتصادية والاجتماعية، خاصة بين المركز والأطراف، وبين الفئات الاجتماعية عامة، ما زاد من التوترات الداخلية.
سادسا: الملف الفلسطيني
– مستقبل غزة: بعد مؤتمر شرم الشيخ واقرار المبادرة التي قدمها الرئيس الأميكي ترامب بمراحلها، لم تنفذ منها سوى المرحلة الأولى، ومازال نتياهو وحكومته يماطلان في البدء في المرحلة الثانية بعدما حصل على كل أسراه وجل الجثث. من المتوقع مزيد من المماطلة.
– الضفة الغربية: زادت عمليات الهجوم الإسرائيلي على الضفة الغربية واعتقال العشرات والعمليات الاستفزازية للمستوطنين، كل هذا ينذر باحتمالات انفجار شامل أو انتفاضة بطيئة متدرجة.
– مأزق حل الدولتين: تراجع حل الدولتين نتيجة انسداد الافق السياسي لحل المشكلة الفلسطينية وتراجع الحل السياسي، رغم انعقاد مؤتمر في الأمم المتحدة يتبنى هذا الحل ويؤكد عليه، وهذا سيؤدي بطبيعة الحال إلى صعود بدائل قسرية غير محسوبة العواقب من ناحية، وربما تطرح إمكانية إعادة إنتاج السلطة الفلسطينية أو تجاوزها، فضلا عن احتمالية ظهور دور جديد للمقاومة الفلسطينية وتغير أشكالها وأنساقها وقادتها من ناحية أخرى.
سابعا: السيناريوهات المتوقعة لإسرائيل في عام 2026م
من المتوقع أن يشهد عام 2026م ثلاثة سيناريوهات رئيسة بالنسبة لإسرائيل:
الأول – سيناريو التصعيد الشامل (مرتفع الخطورة): يتضمن انزلاق إسرائيل إلى حرب متعددة الجبهات، مع انهيار تام للردع، بما يحمل مخاطر جسيمة على استقرار الإقليم، وضغوط دولية غير مسبوقة، وتداعيات مباشرة على المنطقة بشكل عام وبشكل خاص مصر وأمنها القومي، خاصة الحدود الشرقية، وسيناء، ودورها الإقليمي.
الثاني – سيناريو الاحتواء وإدارة الصراع (الأرجح): يقوم على استمرار الاحتواء والتهدئة المؤقتة، مع استمرار الحروب المحدودة، خاصة في سوريا ولبنان مع حزب الله، مع دور مصري – أمريكي – دولي فاعل.
الثالث – سيناريو الانكفاء الداخلي الإسرائيلي: يركز على تفجر أزمة سياسية داخلية عميقة في إسرائيل، وإجراء انتخابات مبكرة، وما يمكن أن يتيحه ذلك من فرص لإعادة فتح المسار السياسي.
ثامنا: العلاقات المصرية – الإسرائيلية
تؤكد قراءة وقائع عام 2025م وأحداثه أن العلاقات المصرية – الإسرائيلية محكومة بمعادلة دقيقة: سلام رسمي مستمر، مقابل توتر سياسي وأمني متزايد. وستظل قدرة مصر على إدارة هذه العلاقة مرتبطة بحماية أمنها القومي، والحفاظ على دورها الإقليمي، ومنع فرض وقائع إسرائيلية تمس المصالح المصرية المباشرة. وقد شهدت العلاقات المصرية – الإسرائيلية خلال هذا العام حالة من التوتر المحسوب، في ظل استمرار الحرب على غزة وما رافقها من ضغوط أمنية وسياسية غير مسبوقة. فعلى الرغم من بقاء اتفاقية السلام إطارا ناظما وحاكما للعلاقة، فقد تعرضت لاختبارات عملية صعبة، أبرزها ما يتعلق بالحدود المشتركة، وملف غزة، ومحاولات فرض وقائع ميدانية تمس الأمن القومي المصري. هكذا قامت العلاقات الثنائية على مجموعة من الدعائم الرئيسة حكمتها اتفاقية السلام الموقعة بين الجانبين، ولكن العدوان على غزة ألقى بظلاله القاتمة على هذه الدعائم، منها:
– اتفاقية السلام بين الثابت والمتغير وحدود التحمل: لقد أثبتت اتفاقية كامب ديفيد مرونتها من حيث الاستمرار، لكنها كشفت في الوقت ذاته عن حدود قدرتها على استيعاب سلوك إسرائيلي عدواني أحادي الجانب. فقد تعاملت مصر مع الاتفاقية باعتبارها أداة لحماية الاستقرار الإقليمي وأمنها القومي، وليس غطاءً لسياسات إسرائيلية توسعية أو ضاغطة، خاصة فيما يتعلق بأي تغيير في الوضع القائم على الحدود أو في قطاع غزة.
– التنسيق الأمني والعسكري وسيناء: احتل البعد الأمني صدارة العلاقة في 2025م، خصوصًا مع تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، واقترابها من الحدود المصرية. برزت مخاوف مصرية من محاولات دفع السكان الفلسطينيين نحو الحدود المصرية، والتداعيات الأمنية على سيناء، واحتمالات فقدان السيطرة على الحدود حال توسعت العمليات. وقد أدى ذلك إلى تكثيف الاتصالات الأمنية، مع تمسك مصر بخطوط حمراء واضحة تتعلق بالسيادة والأمن الوطني ورفض التهجير. من هنا أثر التصعيد في غزة على معادلات الأمن في سيناء والحدود الشرقية لمصر، وفرض تحديات إضافية على التنسيق الأمني.
– العلاقات السياسية والدبلوماسية: اتسمت العلاقات السياسية بدرجة من البرود الحذر. فبينما استمر التنسيق الرسمي، برزت خلافات علنية وغير علنية حول إدارة الحرب، والملف الإنساني، ومستقبل غزة. كما حرصت مصر على توظيف علاقاتها الدولية للضغط باتجاه وقف التصعيد، دون الانزلاق إلى قطيعة سياسية.
– ملف غزة والدور المصري ومعبر رفح: واصلت مصر لعب دور الوسيط الرئيس في ملف غزة، سواء في التهدئة أو إدخال المساعدات أو تبادل الأسرى. وفي المقابل، اصطدمت الجهود المصرية بتعنت إسرائيلي، ما جعل الوساطة المصرية تتحول من دور تقني إلى دور سياسي – أمني يعكس ثقل مصر الإقليمي، خاصة بعدما رفضت قطعيا مخططات التهجير القسري.
– الطاقة وشرق المتوسط: ظل ملف الغاز والطاقة أحد مجالات التعاون القليلة المستمرة، لكنه تأثر بشكل غير مباشر بالتوترات الأمنية. وحرصت مصر على الفصل بين التعاون الاقتصادي المحدود وبين الخلافات السياسية والأمنية العميقة. إسرائيل ترى في ملف التعاون في مجال الغاز ورقة ضغط سياسي، ومصر لا ترى فيه سوى عملية تجارية بحتة تحكمها أطر تعاون اقتصادي إقليمي.
سيناريوهات العلاقات المصرية – الإسرائيلية في عام 2026م
– الأول – الاحتواء الحذر (الأرجح): يقوم هذا السيناريو على استمرار التنسيق الأمني الضروري، مع بقاء الخلافات السياسية قائمة، ودور مصري فاعل في غزة. يحقق هذا السيناريو حدًا أدنى من الاستقرار، دون شراكة سياسية حقيقية.
– الثاني – التوتر المتصاعد: يفترض هذا السيناريو تصعيدًا إسرائيليًا جديدًا في غزة أو على الحدود، ما يدفع العلاقات إلى مستويات توتر أعلى، مع تقليص التنسيق وارتفاع حدة الخطاب السياسي، دون الوصول إلى القطيعة.
– الثالث – إعادة ضبط العلاقة: يرتبط هذا السيناريو بتغيرات داخل إسرائيل أو ضغوط دولية واسعة، خاصة من قبل إدارة ترامب، تفتح المجال أمام إعادة ترتيب العلاقة على أسس أكثر توازنًا، خاصة فيما يتعلق بملف غزة ودور مصر الإقليمي.
– الرابع – الأزمة المفتوحة (الأقل احتمالًا): يفترض تجاوز إسرائيل للخطوط الحمراء المصرية، ما قد يؤدي إلى أزمة سياسية وأمنية حادة، تهدد أسس العلاقة القائمة.

