محمود سامح همام
قررت الولايات المتحدة رفع الحظر المفروض على تصدير الأسلحة إلى اثيوبيا 17 مايو 2026م، وكانت هذه القيود قد فُرضت لأول مرة في سبتمبر 2021م مع اشتداد القتال بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيجراي، ما يمثل تحولًا سياسيًا واستراتيجيًا مهمًا في طبيعة التفاعلات داخل منطقة القرن الإفريقي، خاصة في ظل التصاعد المستمر لحالة الاستقطاب الإقليمي والدولي حول البحر الأحمر وممراته الحيوية. ولا يمكن قراءة هذه الخطوة باعتبارها مجرد إجراء تقني مرتبط بانتهاء حرب تيجراي أو بتحسن الأوضاع الإنسانية، بل تعكس إعادة تموضع أمريكي محسوب تجاه إثيوبيا باعتبارها دولة تمتلك وزنًا جيوسياسيًا مهمًا في معادلات النفوذ داخل شرق إفريقيا، وأن القرار جاء بعد أيام فقط من ظهور مؤشرات حول مبادرة مدعومة من الإدارة الأمريكية وبوساطة مصرية تهدف إلى إعادة تطبيع العلاقات بين الولايات المتحدة واريتريا
تمثل السياسات الإثيوبية خلال السنوات الأخيرة أحد أبرز مصادر التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة، فإن هذا القرار الأمريكي يحمل دلالات تتجاوز البعد العسكري، إذ يكشف عن محاولة لإعادة توظيف إثيوبيا داخل ترتيبات النفوذ الجديدة في القرن الإفريقي، رغم أن سلوك أديس أبابا الإقليمي ارتبط بصورة مباشرة بتغذية الأزمات والصراعات سواء في ملف المياه أو البحر الأحمر أو التوازنات الأمنية داخل شرق إفريقيا، فإثيوبيا لم تعد تتحرك باعتبارها دولة تبحث عن شراكات إقليمية مستقرة، بل باعتبارها قوة تسعى إلى فرض مشروع جيوسياسي توسعي قائم على استغلال الاضطرابات الإقليمية وتوظيفها لخدمة مصالحها الاستراتيجية، وفي التحركات الإثيوبية المتعلقة بالسعي للحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر، فضلًا عن توظيف الصراعات الداخلية والإقليمية لتعزيز النفوذ الإثيوبي داخل القرن الإفريقي.
ماذا يعني القرار بالنسبة لإثيوبيا؟
بالنسبة لإثيوبيا، فإن رفع الحظر الأمريكي يمثل إعادة تأهيل سياسية وأمنية للنظام الإثيوبي بعد سنوات من الضغوط الدولية المرتبطة بحرب تيجراي والانتهاكات الإنسانية التي شهدها الإقليم. فالقيادة الإثيوبية ستتعامل مع هذه الخطوة باعتبارها اعترافًا أمريكيًا ضمنيًا بعودة أديس أبابا إلى موقع الشريك الإقليمي المهم، بعد أن حاولت واشنطن سابقًا استخدام العقوبات والضغوط لإعادة ضبط السلوك الإثيوبي.
كما يمنح القرار إثيوبيا فرصة لتوسيع قدراتها العسكرية والتكنولوجية بعد سنوات من الاعتماد المكثف على التسليح القادم من قوى دولية وإقليمية متعددة، ما يعزز من قدرة الدولة الإثيوبية على إعادة بناء أدوات القوة العسكرية بصورة قد تنعكس على توازنات الأمن الإقليمي داخل القرن الإفريقي.
لكن الأخطر أن هذه الخطوة قد تمنح القيادة الإثيوبية شعورًا متزايدًا بالحصانة السياسية والدعم الدولي، وهو ما قد يدفعها إلى تبني سياسات أكثر تشددًا تجاه محيطها الإقليمي، خاصة أن النظام الإثيوبي يعتمد بصورة كبيرة على تصدير الأزمات الخارجية من أجل احتواء أزماته الداخلية المتفاقمة في أقاليم عديدة داخل الدولة. ويثير هذا التطور مخاوف حقيقية تتعلق بإمكانية توظيف إثيوبيا لهذا الدعم السياسي والعسكري في تعزيز سياساتها القائمة على فرض الأمر الواقع، سواء في ملف سد النهضة أو في التحركات المرتبطة بالبحر الأحمر والسعي للحصول على منفذ بحري بأي صيغة ممكنة، وهو ما يهدد بإعادة إنتاج بؤر توتر جديدة داخل المنطقة.
ماذا يعني القرار بالنسبة للولايات المتحدة؟
أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإن قرار رفع الحظر عن تصدير السلاح إلى اثيوبيا لا يمكن فهمه في إطار المبادئ أو القيم التي تروج لها واشنطن بشأن حقوق الإنسان والاستقرار الإقليمي، بل يجب قراءته من منظور نفعي بحت تحكمه حسابات النفوذ والمصالح الاستراتيجية الأمريكية داخل القرن الإفريقي والبحر الأحمر، خاصة في ظل التصعيد الأمريكي الإيراني واتساع مساحات التنافس الدولي في المنطقة.
فالولايات المتحدة تدرك أن القرن الإفريقي أصبح ساحة مفتوحة لصراع النفوذ بين القوى الدولية والإقليمية، وأن أي فراغ تتركه واشنطن داخل إثيوبيا ستملؤه قوى أخرى تسعى إلى توسيع حضورها داخل شرق إفريقيا والبحر الأحمر. ولذلك فإن الإدارة الأمريكية لم تعد تنظر إلى إثيوبيا باعتبارها دولة متهمة بانتهاكات أو طرفًا تسبب في زعزعة الاستقرار، وإنما باعتبارها أداة جيوسياسية يمكن توظيفها لحماية المصالح الأمريكية وتأمين النفوذ داخل واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم.
كما أن الولايات المتحدة تسعى من خلال هذه الخطوة إلى استعادة نفوذها داخل المؤسسة العسكرية والأمنية الإثيوبية بعد سنوات من التراجع، خاصة أن أديس أبابا اتجهت خلال فترة الحظر إلى توسيع تعاونها العسكري مع قوى أخرى. وبالتالي فإن واشنطن تحاول إعادة دمج إثيوبيا داخل المنظومة الغربية لمنع خروجها الكامل من دائرة النفوذ الأمريكي.
لكن الخطورة في هذا النهج أن الولايات المتحدة تبدو مستعدة لتجاوز كثير من السلوكيات الإثيوبية المثيرة للتوتر مقابل الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية. وهو ما يعكس برجماتية السياسة الأمريكية التي تتعامل مع القضايا الإقليمية من منظور المصلحة والنفوذ وليس من منظور المبادئ أو الحفاظ الحقيقي على استقرار المنطقة.
وفي هذا السياق، لا يعكس رفع الحظر الأمريكي عن تصدير السلاح إلى اثيوبيا فقط تحسن العلاقات الثنائية، بل يكشف عن محاولة أمريكية لإعادة توظيف القوة الإثيوبية داخل ترتيبات النفوذ الجديدة في القرن الإفريقي، رغم أن التجربة خلال السنوات الماضية أثبتت أن السياسات الإثيوبية كانت أحد أبرز مصادر التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة، سواء عبر إدارة ملف المياه أو التحركات المرتبطة بالبحر الأحمر أو توظيف الصراعات الإقليمية لخدمة مشروعها الجيوسياسي.
ماذا يعني القرار بالنسبة لمصر؟
يفرض قرار الولايات المتحدة برفع الحظر عن تصدير السلاح إلى اثيوبيا على مصر قراءة دقيقة لطبيعة التحولات الجارية داخل القرن الإفريقي، خاصة أن هذا القرار يعكس وجود تقارب أمريكي متزايد مع أديس أبابا بعد سنوات من التوتر والضغوط المرتبطة بحرب تيجراي.
وبالنسبة للقاهرة، فإن هذا التقارب الأمريكي الإثيوبي يحمل وجهين متوازيين؛ الأول يرتبط بالمخاوف المصرية التقليدية من منح إثيوبيا مساحة أوسع للحركة السياسية والعسكرية ما يدفعها إلى مزيد من التشدد في الملفات الإقليمية، وعلى رأسها ملف سد النهضة، خاصة أن أديس أبابا اعتادت توظيف الدعم الدولي لتعزيز سياسة فرض الأمر الواقع ورفض أي التزامات قانونية ملزمة تتعلق بحصص المياه أو قواعد تشغيل السد.
أما الوجه الثاني، فيرتبط بإمكانية توظيف هذا التقارب الأمريكي الإثيوبي في إعادة تنشيط مسار الوساطة الأمريكية بين القاهرة وأديس أبابا، خاصة أن الولايات المتحدة تدرك أن استمرار التوتر حول سد النهضة يمثل تهديدًا مباشرًا لاستقرار منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر، وهي منطقة أصبحت تمثل أولوية استراتيجية متقدمة بالنسبة لواشنطن في ظل التصعيد الدولي والإقليمي الحالي.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى الخطوة الأمريكية باعتبارها محاولة لإعادة بناء قنوات التأثير على صانع القرار الإثيوبي، بما يسمح لواشنطن بلعب دور أكثر فاعلية في أي تحركات مستقبلية تتعلق بأزمة السد. فالإدارة الأمريكية تعلم أن أي تسوية حقيقية لهذا الملف لن تتم دون امتلاك أدوات ضغط وتأثير على أديس أبابا، وهو ما يفسر جانبًا من محاولات التقارب الحالية مع إثيوبيا.
وعلى صعيد أخر، فإن هذا التطور قد يمنح دفعة جديدة لمسار الوساطة الأمريكية التي سبق أن بادر بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال فترات سابقة لمحاولة التوصل إلى حل لأزمة سد النهضة بين مصر واثيوبيا. ورغم تعثر تلك الجهود في ذلك الوقت بسبب التعنت الإثيوبي وانسحاب أديس أبابا من بعض جولات التفاوض، فإن إعادة التقارب الأمريكي مع إثيوبيا قد تخلق مساحة جديدة لتحريك هذا الملف مجددًا، خاصة إذا رأت واشنطن أن استمرار الأزمة يهدد مصالحها ونفوذها داخل المنطقة.
وفي المقابل، حرصت القيادة المصرية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي على التعامل مع هذا الملف بمنطق يقوم على تغليب الحلول السياسية والدبلوماسية، انطلاقًا من رؤية مصرية تعتبر أن الأمن والاستقرار الإقليميين لا يمكن تحقيقهما عبر التصعيد أو فرض الهيمنة، وإنما عبر الالتزام بمبادئ القانون الدولي وقواعد الأمن والسلم الدوليين.
ولذلك، فإن القاهرة أبدت خلال السنوات الماضية انفتاحًا واضحًا على جميع مسارات التفاوض والوساطة، سواء الإفريقية أو الدولية أو الأمريكية، في محاولة للوصول إلى اتفاق عادل ومتوازن يحفظ الحقوق المائية المصرية ويمنع انزلاق المنطقة إلى حالة من عدم الاستقرار. وهو ما يعكس رؤية مصرية تعتبر أن الحفاظ على استقرار القرن الإفريقي والبحر الأحمر يمثل جزءًا لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي المصري.
لكن في الوقت نفسه، تدرك مصر أن أي تقارب أمريكي مع إثيوبيا يجب ألا يتحول إلى غطاء سياسي يسمح لأديس أبابا بالاستمرار في سياسات فرض الأمر الواقع أو تجاهل المخاوف الأمنية لدول المصب. ولذلك فإن القاهرة ستسعى على الأرجح إلى توظيف علاقاتها الاستراتيجية مع واشنطن لضمان أن يكون أي انفتاح أمريكي على إثيوبيا مرتبطًا أيضًا بدفع حقيقي نحو تسوية عادلة ومتوازنة لأزمة السد، بما يمنع تحول هذا التقارب إلى عنصر إضافي يزيد من تعقيد المشهد الإقليمي.
وفي الختام، فإن هذا التطور يضع مصر أمام معادلة دقيقة؛ فمن جهة تراقب القاهرة بحذر أي دعم سياسي أو عسكري قد يعزز الطموحات الإثيوبية الإقليمية، ومن جهة أخرى تدرك أن عودة واشنطن إلى الانخراط المباشر في الملف الإثيوبي قد تمثل فرصة لإحياء مسارات الوساطة والتفاوض، شريطة أن تُبنى على أسس عادلة تراعي مبادئ الاستقرار الإقليمي وتحفظ الحقوق التاريخية والمائية المصرية.
أحدث المنشورات
- الإنترنت والتنمية الشاملة في إفريقيا: علاقة دائرية
- إعادة دمج إثيوبيا في الحسابات الأمريكية وتداعياته على استقرار المنطقة والدور المصري في إدارة التوازنات
- المعارضة التركية بين المطرقة والسندان
- الانتخابات الإسرائيلية المقبلة وإشكالية بقاء نتنياهو: بين الحرب والأزمة السياسية الداخلية
- الهجرة العقائدية والهندسة الديموجرافية: إسرائيل واستقدام يهود الأطراف
- الصَّدْعُ المجتمعي الاستراتيجي في إسرائيل وتداعياته المجهول الأكبر — قراءة في ضوء المشهد الإعلامي والرقمي
- المطالبة المسبقة برئاسة الحكومة: كيف تعيد الأحزاب الصغيرة في إسرائيل قواعد اللعبة؟
- تاكر كارلسون وكسر الإجماع حول إسرائيل
الإثنين, 1 يونيو
