أ.أحمد يحيى
mostbet mostbetباحث بوحدة الدراسات الإيرانية
وقعت مواجهات بين متظاهرين وقوات الأمن الإيرانية أسفرت عن سقوط قتلى، بحسب ما أعلنت منظمات حقوقية ووسائل إعلام، بعد مضي نحو أسبوعين من الاحتجاجات التي أشعلها الغضب الشعبي الناجم عن تردّي الأوضاع المعيشية. وقد قُتل ما لا يقل عن 34 شخصاً، بينهم عناصر من قوات الأمن، منذ انطلاق الاحتجاجات بإضراب نفذه أصحاب متاجر في طهران في 28 ديسمبر 2025م، وفق حصيلة تستند إلى تقارير رسمية.
وحذّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إيران من أنها ستتعرض “لضربة قوية جداً” من جانب الولايات المتحدة إذا قُتل المزيد من المتظاهرين، ووصف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التصريحات بأنها “متهورة”، وحذر من أن القوات المسلحة “على أهبة الاستعداد” في حال حدوث أي تدخل.
إلى ذلك، اتهمت إيران إسرائيل بالسعي إلى “تقويض وحدتها الوطنية” بعد تصريحات رئيس وزراء حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، التي تحدث فيها عن تضامن بلاده “مع تطلعات الشعب الإيراني للحرية”.
وقد صرح رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، بأنه يجب التعامل مع المحتجين عبر الحوار، مؤكداً أنّ مطالبهم مشروعة، وأنّه من الضروري بذل أقصى الجهود من أجل تحقيق الاستقرار الاقتصادي في البلاد، وأن الفصل بين صفوف المحتجين ومثيري الشغب والساعين إلى الفوضى “يشكّل خطوة أساسية وهادئة لمعالجة الأوضاع”، مشيراً إلى أن هذا النهج يمكن أن يسهم في تهدئة الأجواء والاستجابة السليمة للمطالب الشعبية.
كما أكد الرئيس مسعود بزشكيان خلال اجتماع مجلس الوزراء أنه “لا يمكن تهدئة المجتمع أو إقناعه من خلال الأساليب القهرية أو الإجراءات غير السليمة”، مشدداً على “ضرورة التواصل المستمر والشفاف والصادق، بين المسؤولين والمواطنين”، مضيفاً أن “التوعية والشفافية تلعبان دوراً مهماً في منع تصاعد السخط والتوترات الاجتماعية”. ودعا المحافظين إلى الاستفادة من “الوجهاء المحليين وأصحاب التأثير” وتنظيم اجتماعات دورية معهم، إلى جانب الدعوة لعقد جلسات حوارية مع الطلاب داخل الجامعات.
على المنوال نفسه قال رئيس السلطة القضائية الإيرانية غلام حسين محسني إيجئي إن السلطات “لن تُبدي هذه المرّة أي تساهل مع مثيري الشغب”، موضحاً أن “هذا الموقف يأتي في ظلّ إعلان كل من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني دعمهما الرسمي لأعمال الشغب”.
سياق الاحتجاجات الإيرانية
إن الاحتجاجات في إيران ليست الأولى من نوعها في السنوات الأخيرة، ولها أسباب ومحركات بنيوية داخلية تتعلق بفشل الدولة في تحقيق أي إنجاز ملحوظ في الملف الاقتصادي وانعكاسات ذلك على كل من البازار والمواطن العادي، وكذلك الأسباب المتعلقة بانسداد الأفق السياسي والحريات الاجتماعية والسياسية، وفشل مشروع النظام الإقليمي وانهيار معادلة الردع و انكشافه أمام إسرائيل والولايات المتحدة وانعكاسات ذلك على النظام داخليا.
لكن السياق الإقليمي والدولي – الذي تأتي فيه التظاهرات – بداية من اندلاع طوفان الأقصى، مرورا بحرب الـ12 يوما، وصولا إلى ما قامت به الولايات المتحدة في فنزويلا ضد مادورو يوم السبت 3 يناير 2026م، مع حالة الاستنفار على إثر التهديدات بتوجيه ضربة عسكرية جديدة لإيران، بجانب التصريحات الأمريكية والإسرائيلية الداعمة للتظاهرات بشكل مباشر وغير مسبوق، بالإضافة إلى أن العقوبات الخارجية وسياسة الضغوط القصوى هي سبب رئيسي في الأزمة الاقتصادية في إيران المسببة للاحتجاجات، كلها عوامل تدفع إلى رؤية التظاهرات في إطار الحرب الهجينة التي تشن على النظام الإيراني للإطاحة به.
وهذا التشابك بين الشأن الداخلي والخارجي، والذي هو من سمة هذا النوع من الحروب والتهديدات غير النمطية، يزيد من حالة عدم اليقين إلى الحد الذي يشوش الرؤية لدى النظام، ويحد من خياراته، ويجعله عرضة لسوء التقدير والذي قد يدفعه لاتخاذ خطوات تدخله في سلسلة من الأفعال وردود الأفعال يصعب السيطرة عليها، ما يزيد من تأزم الموقف.

الأسباب المحتملة خلف الشروع في عملية الإطاحة بالنظام الإيراني
في حال كون ما يتم في إيران يقع ضمن سيناريو إطاحة ممنهجة، فإن ذلك يرجع لأسباب منها:
- صعوبة إسقاط النظام الإيراني بالعمل العسكري فقط.
- صعوبة تفكيك برنامج إيران النووي وكذلك شبكة الوكلاء الإقليمية دون تغيير النظام.
- قدرة برنامج إيران الصاروخي على إلحاق خسائر مؤلمة بإسرائيل والمصالح الأمريكية – وكذلك حلفاء الولايات المتحدة – في المنطقة في حال العودة من جديد للخيار العسكري ضد إيران.
السيناريوهات المحتملة
- إخماد مؤقت للاحتجاجات كما حدث مع موجات الاحتجاج السابقة في إيران في السنوات الأخيرة، وذلك عبر اتباع النظام بالتوازي لمساري الحوار والقمع وفق ما يستنتج من تصريحات المرشد الاعلى علي خامنئي وخطابه الدال جدا يوم الجمعة 9 يناير 2026م، وهذا السيناريو يتولد من فرضية أن الحراك هو داخلي يتم تضخيمه وتوظيفه وتحفيزه إعلاميا من الخارج لزيادة الضغط على النظام وإجباره على تقديم تنازلات في سبيل تهدئة الأوضاع، لكن الاحتجاجات ستعود مرة أخرى لأن أسبابها البنيوية من الصعب معالجتها، ما يجعل النظام في وضع استنزاف واستنفار مستمر – خاصة مع السياق الإقليمي والدولي – ويدخله في حلقة مفرغة تجعل السيناريوهات التالية مطروحة دائما.
- استمرار التظاهرات بغرض استنزاف النظام تمهيدا لتوجيه ضربة عسكرية جديدة له، وهذا السيناريو يتولد من فرضية أن الحراك يتم بالتنسيق مع جهات خارجية بهدف تشتيت النظام قبل الضربة العسكرية التي تستهدف القيادة الإيرانية وتحد من قدرة النظام على تنفيذ تهديدات، وتكون هذه الضربة بداية لعملية إسقاط النظام داخليا تحت تأثير الضربة العسكرية، وهذا السيناريو سيدفع النظام الإيراني للرد بعنف والخروج من إطار العقلانية تحت تأثير الشعور بالتهديد الوجودي، ما يهدد أمن الإقليم بالكامل.
- تصاعد الاحتجاجات على نمط الثورات الملونة والربيع العربي، ووفق سير الأحداث ورد فعل النظام وقوى الأمن وفي حال تصاعد العنف المتبادل، يبدأ دمج سيناريو الثورة الملونة مع عمليات حرب غير تقليدية تستهدف البنية التحتية الأمنية والعسكرية وحتى المدنية، وكذلك تستهدف رموز النظام، مع تفعيل للاختراقات والانشقاقات داخل صفوف النظام والنخب، وقد يذهب التصعيد في هذا السيناريو إلى حد أن يجد النظام نفسه في مواجهة حالة تمرد داخل إيران.
هذا السيناريو يتولد من فرضية أن الحراك يتم تحريكه ميدانيا عبر جهات خارجية – سواء هي من أطلقت شرارته أو استحوذت عليه – قادرة على إدامة الحشد والتصعيد عبر عناصرها على الأرض وفي الفضاء الإلكتروني.
وفي هذا السيناريو يبقى التدخل العسكري الخارجي حاضرا كمضاعف للقوة لعملية الإطاحة بالنظام، ويتم تفعيله في حال وصول النظام إلى حالة الإنهاك في مواجهة الاحتجاجات، ووصول المحتجين والصدام الداخلي لمرحلة لا تجعل التدخل الخارجي يؤثر سلبا أو يوحد الشعب خلف النظام كما حدث في حرب الـ12 يوما.
- هروب النظام للأمام عبر تصعيد العداء مع كل من إسرائيل والولايات المتحدة ، وصولا إلي التصعيد العسكري وتوجيه ضربة أكثر فاعلية ضد العمق الإسرائيلي والمصالح الأمريكية في المنطقة، ويتوقف الذهاب لهذا السيناريو على كيفية إدراك النظام لكل من الحراك الداخلي وحقيقة هدفه، والتصريحات الأمريكية والإسرائيلية واستعداداتهما على الأرض وحقيقة نواياهما، وكذلك على تقديرهما لمدى استقرار النظام الإيراني وسيطرته داخليا وقدرته على احتواء الحراك دون اللجوء لآخر الحلول وهو نقل المعركة للخارج، والذي سيكون أشبه بعملية انتحارية، لأن رد الفعل الأمريكي – الإسرائيلي سيكون حادا وعنيفا بما لا يستطيع النظام استيعابه.
- سيناريو مادورو في فنزويلا، لكن محاولة تطبيقه في إيران تعترضها عوائق تشغيلية تتعلق بالعمل على الأراضي الإيرانية، وكذلك بطبيعة النظام ومدى قوته مقارنة بنظام مادورو، فالأمر يتطلب ترتيبات عملياتية على الأرض لا تتوفر في المدى القريب.
الموقف الإقليمي والدولي
يمكن وصف التحركات الأمريكية – آخرها ما حدث في فنزويلا – بأنها محاولة لإعادة ضبط النظام الدولي وفق البوصلة الأمريكية، ولا يمكن فصلها عن التنافس الإستراتيجي بين القوى الكبرى، ما يجعل إدراك روسيا والصين لما يحدث في إيران مختلف بصورة كبيرة عما كان عليه الحال في حرب الـ12 يوما، فالأمر لم يعد متعلقا ببرنامج نووي أو ضرب بنية تحتية عسكرية للنظام، بل أصبح الهدف بشكل واضح هو النظام نفسه، وما يعنيه ذلك من تبعات خطيرة على روسيا والصين على أصعدة مختلفة أبرزها الأمن والاقتصاد والطاقة، وكذلك خسارة شريك إستراتيجي في محور القوى المناوئة للنظام الدولي الأمريكي، كما أن دخول إيران في حالة فوضى داخلية – وهو الاحتمال الأرجح في حال الإصرار على الإطاحة بالنظام – يفتح احتمالية وصول الفوضى للمجال الحيوي لكل من روسيا والصين بصورة تشكل تهديداً مباشراً ، قد يرونه متعمداً أيضا.
لكن وعلى الرغم من ذلك، فالأدوات المتاحة لكل من روسيا والصين لحماية النظام الإيراني في حال تعرضه لعملية إطاحة ممنهجة بغطاء شعبي، محدودة التأثير، وهذا أحد الأسباب التي تجعل من هذا النمط من إسقاط الأنظمة وسيلة فعالة.
على الصعيد الإقليمي، قد تنظر دول إقليمية لسقوط النظام الإيراني على إنه أمر طال انتظاره لعقود، في المقابل فإن العمل على إسقاطه قد يحمل تبعات كارثية على الأمن الإقليمي، ولهذا قد تتحرك بعضها لمنع التصعيد ضد النظام والقيام بأدوار الوساطة، لكن مدى تأثير ذلك في ظل الأهداف الأمريكية وشخصية الرئيس ترامب والتربص الإسرائيلي، يظل محل شك.
الخلاصة
يواجه النظام الإيراني مأزقا خطيراً في مواجهة نمط التهديد الحالي، والذي يصعب وضع حد فاصل بين محركاته الداخلية والخارجية، ما يضع مزيداً من التعقيدات أمام إمكانية مواجهته، بداية من صعوبة إدراك عناصره ومحركاته بشكل كامل وسليم، وصولا لتحديد كيفية معالجته، فالأسباب الداخلية تصعب معالجتها سريعاً ما يجعل من احتواء هذه التظاهرات مجرد حل مؤقت، كما أن استهداف النظام الإيراني من الخارج بهدف إسقاطه يبدو هدفاً لا رجوع عنه في ظل الترتيبات الإقليمية والمنافسة الإستراتيجية بين القوى الكبرى، وحتى في حال الذهاب لاتفاق مع الولايات المتحدة وفق الشروط الأمريكية الإسرائيلية، التي لا تناسب صورة النظام وسرديته ومصالحه فسينعكس بشكل سلبي على النظام الإيراني داخليا وخارجيا.
كل ما سبق يضع النظام الإيراني في حالة ضغط وإرباك واستنزاف تؤثر في حد ذاتها على استقراره، ويجعل المخرج المؤقت المتاح له هو قدرته على ردع أي تحرك خارجي عبر التهديد بنسف استقرار الإقليم بأدوات النظام المختلفة، بالتوازي مع القدرة على كبح الحراك الداخلي عبر معالجة مركباته الداخلية والخارجية، بجانب العمل الدبلوماسي والرسائل المتبادلة عبر الوسطاء، وهي أمور يصعب معرفة وقياس حقيقة فاعليتها.
وعلى الرغم من ذلك، فإن إسقاط النظام الإيراني لن يكون أمراً سهلا، في ظل محدودية القدرة على استيعاب تداعيات سقوطه بشكل كامل، فضلاً عن ارتدادات تنفيذ عملية الإطاحة قبل السقوط الفعلي.