د. خلود عبد الحفيظ
باحثة في وحدة الدراسات الإيرانية
بدأت منذ يوم الأحد 27 ديسمبر 2025 موجة من الاحتجاجات الواسعة في عدد من المدن الإيرانية، ولا تزال مستمرة حتى الآن، وتختلف هذه الاحتجاجات عن كثير من الاحتجاجات السابقة في أنها لم تنطلق من مطالب سياسية مباشرة، بل بدأت من أزمة اقتصادية ومعيشية، ثم تطورت تدريجياً لتكشف عن توترات أعمق داخل المجتمع الإيراني، وهو ما يجعل تحليلها ضرورياً لفهم المشهد الداخلي الراهن.
البازار كنقطة انطلاق
كانت الشرارة الأولى للاحتجاجات ناتجة عن التغيرات الكبيرة في سعر الصرف والتذبذب الحاد في قيمة العملة الإيراني التي يعاني منها السوق منذ فترة، حيث جعلت هذه التقلبات السريعة في سعر العملة عملية التسعير شبه مستحيلة بالنسبة للتجار، الأمر الذي دفع أصحاب المحال، ولا سيما في سوق الهواتف المحمولة في مجمع علاء الدين بطهران، إلى بدء تجمعات احتجاجية، سرعان ما امتدت إلى أجزاء أخرى من السوق والمناطق التجارية في العاصمة.
وقد اتسمت هذه المرحلة بعدة سمات رئيسية:
- انطلقت الاحتجاجات من مطالب اقتصادية بحتة، تمحورت حول غلاء الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، وارتفاع تكاليف المعيشة.
- قامت بعض وسائل الإعلام الرسمية والإذاعة والتلفزيون الإيراني ببث تقارير مصورة عن هذه التجمعات، وهو ما يعكس اتساع نطاقها وصعوبة تجاهلها داخل المشهد الداخلي.
اتساع رقعة الاحتجاجات وتنوع الفئات المشاركة فيها
لم تبق الاحتجاجات محصورة في سوق طهران، بل تشير التقارير الإيرانية إلى انتقالها إلى مدن ومناطق أخرى، حيث عمت الاحتجاجات نحو 26 محافظة، شاركت فيها شرائح اجتماعية متنوعة، وظل تجار الأسواق عنصرًا أساسيًا في الحركة الاحتجاجية.
وعلى الرغم من أن دور الطلاب وشرائح اجتماعية أخرى لم يُبرز بشكل واسع في التغطيات الرسمية، فإن استمرار الاحتجاجات لأيام متتالية دفع المسؤولين إلى التعليق عليها علناً.
ردود الفعل الرسمية حول الاحتجاجات الإيرانية
لعل من أبرز سمات هذه الموجة من الاحتجاجات أن السلطات الرسمية لم تنكر وجودها، بل اعترفت بها سريعًا مع وعود بالإصلاح حيث صرحت “فاطمة مهاجراني” المتحدثة باسم الحكومة بأن الدولة ترى هذه الاحتجاجات وتسمعها وتعترف بها، مؤكدة أن الحكومة معنية بتوفير آليات للحوار مع ممثلي المحتجين، وأن الحكومة تسعى لمعالجة جذور أزمة الغلاء وارتفاع الأسعار.
ويمثل هذا الخطاب تحولاً نسبياً مقارنة بردود أفعال سابقة كانت تعتمد الإنكار أو الحسم الأمني المباشر، كما أكد النائب العام لإيران حجة الإسلام “محمد موحدی آزاد” أن الاحتجاجات المعيشية السلمية تعكس واقعاً اجتماعياً مفهوماً، مع التشديد في الوقت نفسه على رفض أي محاولات لتحويلها إلى أعمال فوضوية أو خارجة عن القانون.
آزاد أضاف أن أي محاولة لتحويل الاحتجاجات الاقتصادية إلى أداة لزعزعة الأمن، أو لتخريب الممتلكات العامة، أو لتنفيذ أجندات خارجية، ستواجه حتماً برد قانوني حازم، وهو رد لا ينطلق من منطق المواجهة مع الشعب، بل يأتي في إطار حماية الحقوق العامة والحفاظ على النظام الاجتماعي.
البعد الأمني والتعامل المزدوج مع الاحتجاجات
رغم الاعتراف الرسمي بالمطالب، تشير التقارير إلى وجود أجواء أمنية مشددة في بعض المناطق، فقد سعى بعض المسؤولين المحليين إلى وصف بعض التحركات بوصفها إخلالاً بالنظام العام، وهو ما يعكس ازدواجية في التعامل الرسمي من جهة خطاب يدعو إلى الحوار، ومن جهة أخرى تحذيرات أمنية مشددة.
يمكن القول إن الاحتجاجات الإيرانية الحالية تمثل أزمة داخلية مركبة بدأت من الاقتصاد لكنها سرعان ما كشفت عن احتقان اجتماعي عميق، وأهم سماتها:
- انطلاقها من أزمات معيشية واضحة.
- اضطرار الإعلام الرسمي إلى تغطيتها.
- اعتراف حكومي نسبي بالمطالب مقابل تشدد أمني في بعض المناطق.
- قابلية تحولها إلى حراك أوسع يتجاوز البعد الاقتصادي.
خاتمة
عليه، فإن هذه الاحتجاجات لا يمكن التعامل معها كحدث عابر، بل باعتبارها مؤشراً على اختلالات بنيوية داخل المشهد الإيراني الداخلي، قد تلعب دوراً مهماً في رسم مسارات التطور السياسي والاجتماعي في المرحلة المقبلة.

